All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Aṣ-Ṣaff 61:2 Juzʾ 28 Page 551

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

(سُورَةُ الصَّفِّ)
أرْبَعَ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً

﷽

‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏

﷽

‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏

وجْهُ التَّعَلُّقِ بِما قَبْلَها هو أنَّ في تِلْكَ السُّورَةِ بَيانَ الخُرُوجِ جِهادًا في سَبِيلِ اللَّهِ وابْتِغاءَ مَرْضاتِهِ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الممتحنة: ١] وفي هَذِهِ السُّورَةِ بَيانُ ما يَحْمِلُ أهْلَ الإيمانِ ويَحُثُّهم عَلى الجِهادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وأمّا الأوَّلُ بِالآخِرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنْ كانَ الكَفَرَةُ بِجَهْلِهِمْ يَصْفُونَ لِحَضْرَتِنا المُقَدَّسَةِ بِما لا يَلِيقُ بِالحَضْرَةِ، فَقَدْ كانَتِ المَلائِكَةُ وغَيْرُهم مِنَ الإنْسِ والجِنِّ يُسَبِّحُونَ لِحَضْرَتِنا، كَما قالَ: ‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ أيْ شَهِدَ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ وغَيْرِهِما مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ جَمِيعُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ و(العَزِيزُ) مَن عَزَّ إذا غَلَبَ، وهو الَّذِي يَغْلِبُ عَلى غَيْرِهِ أيَّ شَيْءٍ كانَ ذَلِكَ الغَيْرُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.

و﴿الحَكِيمُ﴾ مَن حَكَمَ عَلى الشَّيْءِ إذا قَضى عَلَيْهِ، وهو الَّذِي يَحْكُمُ عَلى غَيْرِهِ، أيَّ شَيْءٍ كانَ ذَلِكَ الغَيْرُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى الرُّبُوبِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ إذَنْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ في البَعْضِ مِنَ السُّورِ: سَبَّحَ لِلَّهِ، وفي البَعْضِ: يُسَبِّحُ، وفي البَعْضِ: سَبِّحْ بِصِيغَةِ الأمْرِ، لِيُعْلَمَ أنَّ تَسْبِيحَ حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى دائِمٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ لِما أنَّ الماضِيَ يَدُلُّ عَلَيْهِ في الماضِي مِنَ الزَّمانِ، والمُسْتَقْبَلَ يَدُلُّ عَلَيْهِ في المُسْتَقْبَلِ مِنَ الزَّمانِ، والأمْرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ في الحالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ مِنهم مَن قالَ: هَذِهِ الآيَةُ في حَقِّ جَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وهُمُ الَّذِينَ أحَبُّوا أنْ يَعْمَلُوا بِأحَبِّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [الصف: ١٠] الآيَةَ و‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَأحَبُّوا الحَياةَ وتَوَلَّوْا يَوْمَ أُحُدٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى:
‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ وقِيلَ في حَقِّ مَن يَقُولُ: قاتَلْتُ ولَمْ يُقاتِلْ، وطَعَنْتُ ولَمْ يَطْعَنْ، وفَعَلْتُ ولَمْ يَفْعَلْ، وقِيلَ: إنَّها في حَقِّ أهْلِ النِّفاقِ في القِتالِ، لِأنَّهم تَمَنَّوُا القِتالَ، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ قالُوا: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النساء: ٧٧] وقِيلَ: إنَّها في حَقِّ كُلِّ مُؤْمِنٍ، لِأنَّهم قَدِ اعْتَقَدُوا الوَفاءَ بِما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الطّاعَةِ والِاسْتِسْلامِ والخُضُوعِ والخُشُوعِ. فَإذا لَمْ يُوجَدِ الوَفاءُ بِما وعَدَهم خِيفَ عَلَيْهِمْ في كُلِّ زَلَّةٍ أنْ يَدْخُلُوا في هَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ قالَهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةٍ أُخْرى، وهَذا هو التَّكْرارُ، والتَّكْرارُ عَيْبٌ، فَكَيْفَ هو؟ فَنَقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: كَرَّرَهُ لِيُعْلَمَ أنَّهُ في نَفْسِ الأمْرِ غَيْرُ مُكَرَّرٍ لِأنَّ ما وُجِدَ مِنهُ التَّسْبِيحُ عِنْدَ وُجُودِ العالَمِ بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى فَهو غَيْرُ ما وُجِدَ مِنهُ التَّسْبِيحُ بَعْدَ وُجُودِ العالَمِ، وكَذا عِنْدَ وُجُودِ آدَمَ وبَعْدَ وُجُودِهِ.

الثّانِي: قالَ: ‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ولَمْ يَقُلْ: سَبَّحَ لِلَّهِ السَّماواتُ والأرْضُ وما فِيهِما، مَعَ أنَّ في هَذا مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في ذَلِكَ؟ فَنَقُولُ: إنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ إذا كانَ المُرادُ مِنَ التَّسْبِيحِ، التَّسْبِيحَ بِلِسانِ الحالِ مُطْلَقًا، أمّا إذا كانَ المُرادُ هو التَّسْبِيحَ المَخْصُوصَ فالبَعْضُ يُوصَفُ كَذا، فَلا يَكُونُ كَما ذَكَرْتُمْ.

الثّالِثُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”لِمَ“ هي لامُ الإضافَةِ داخِلَةٌ عَلى ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ كَما دَخَلَ عَلَيْها غَيْرُها مِن حُرُوفِ الجَرِّ في قَوْلِكَ: بِمَ وفِيمَ وعَمَّ ومِمَّ، وإنَّما حُذِفَتِ الألِفُ لِأنَّ ما والحَرْفَ كَشَيْءٍ واحِدٍ، وقَدْ وقَعَ اسْتِعْمالُها في كَلامِ المُسْتَفْهِمِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ واقِعًا في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ والِاسْتِفْهامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ وهو عالِمٌ بِجَمِيعِ الأشْياءِ، فَنَقُولُ: هَذا إذا كانَ المُرادُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ طَلَبَ الفَهْمِ، أمّا إذا كانَ المُرادُ إلْزامَ مَن أعْرَضَ عَنِ الوَفاءِ بِما وعَدَ أوْ أنْكَرَ الحَقَّ وأصَرَّ عَلى الباطِلِ فَلا.