All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Hūd 11:8 Juzʾ 12 Page 222

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏
مُناسَبَتُهُ لِما قَبْلَهُ أنَّ في كِلَيْهِما وصْفُ فَنٍّ مِن أفانِينِ عِنادِ المُشْرِكِينَ وتَهَكُّمِهِمْ بِالدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ، فَإذا خَبَّرَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِالبَعْثِ وأنَّ شِرْكَهم سَبَبٌ لِتَعْذِيبِهِمْ جَعَلُوا كَلامَهُ سِحْرًا، وإذا أنْذَرَهم بِعُقُوبَةِ العَذابِ عَلى الإشْراكِ اسْتَعْجَلُوهُ، فَإذا تَأخَّرَ عَنْهم إلى أجَلٍ اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ الرَّبّانِيَّةُ اسْتَفْهَمُوا عَنْ سَبَبِ حَبْسِهِ عَنْهُمُ اسْتِفْهامَ تَهَكُّمٍ ظَنًّا أنَّ تَأخُّرَهُ عَجْزٌ.

واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ. وجُمْلَةُ لِيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ جَوابُ القَسَمِ مُغْنِيَةٌ عَنْ جَوابِ الشَّرْطِ.

والأُمَّةُ: حَقِيقَتُها الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ أمْرُهم واحِدٌ، وتُطْلَقُ عَلى المُدَّةِ كَأنَّهم راعَوْا أنَّها الأمَدُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ جِيلٌ فَأُطْلِقَتْ عَلى مُطْلَقِ المُدَّةِ، أيْ بَعْدَ مُدَّةٍ.

ومَعْدُودَةٍ مَعْناهُ مُقَدَّرَةٌ، أيْ مُؤَجَّلَةٌ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّها لَيْسَتْ مَدِيدَةً لِأنَّهُ شاعَ في كَلامِ العَرَبِ إطْلاقُ العَدِّ والحِسابِ ونَحْوِهِما عَلى التَّقْلِيلِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ القَلِيلَ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالعَدَدِ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ في عَكْسِهِ: بِغَيْرِ حِسابٍ، مِثْلُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [البقرة: ٢١٢]

والحَبْسُ: إلْزامُ الشَّيْءِ مَكانًا لا يَتَجاوَزُهُ. ولِذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ في مَعْنى المَنعِ كَما هُنا، أيْ ما يَمْنَعُ أنْ يَصِلَ إلَيْنا ويَحِلَّ بِنا وهم يُرِيدُونَ التَّهَكُّمَ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏
هَذِهِ الجُمْلَةُ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الجَوابِ عَنْ كَلامِهِمْ إذْ يَقُولُونَ ما يَحْبِسُ عَنّا العَذابَ، فَلِذَلِكَ فُصِّلَتْ كَما تُفَصَّلُ المُحاوَرَةُ. وهَذا تَهْدِيدٌ وتَخْوِيفٌ بِأنَّهُ لا يُصْرَفُ عَنْهم ولَكِنَّهُ مُؤَخَّرٌ.

وافْتُتِحَ الكَلامُ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ لِتَحْقِيقِهِ وإدْخالِ الرَّوْعِ في ضَمائِرِهِمْ.

وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْإيماءِ بِأنَّ إتْيانَ العَذابِ لا شَكَّ فِيهِ حَتّى أنَّهُ يُوَقَّتُ بِوَقْتٍ.

والصَّرْفُ: الدَّفْعُ والإقْصاءُ.

والحَوْقُ: الإحاطَةُ.

والمَعْنى أنَّهُ حالٌّ بِهِمْ حُلُولًا لا مُخَلِّصَ مِنهُ بِحالٍ.

وجُمْلَةُ وحاقَ بِهِمْ في مَوْضِعِ الحالِ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى خَبَرِ لَيْسَ

وصِيغَةُ المُضِيِّ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى التَّحَقُّقِ، وهَذا عَذابُ القَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ.

وماصَدَقَ ”‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏“ هو العَذابُ، وباءُ بِهِ سَبَبِيَّةٌ أيْ بِسَبَبِ ذِكْرِهِ فَإنَّ ذِكْرَ العَذابِ كانَ سَبَبًا لِاسْتِهْزائِهِمْ حِينَ تَوَعَّدَهم بِهِ النَّبِيءُ ﷺ.

والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ في مَوْضِعِ الضَّمِيرِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ اسْتِهْزاءَهم كانَ مِن أسِبابِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وتَقْدِيرُهُ إحاطَةُ العَذابِ بِهِمْ بِحَيْثُ لا يَجِدُونَ مِنهُ مُخَلِّصًا.