All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Isrāʾ 17:2 Juzʾ 15 Page 282

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الإسراء: ١] إلَخْ فَهي ابْتِدائِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: اللَّهُ أسْرى بِعَبْدِهِ مُحَمَّدٍ وآتى مُوسى الكِتابَ، فَهُما مِنَّتانِ عَظِيمَتانِ عَلى جُزْءٍ عَظِيمٍ مِنَ البَشَرِ، وهو انْتِقالٌ إلى غَرَضٍ آخَرَ؛ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ المَسْجِدِ الأقْصى، فَإنَّ أطْوارَ المَسْجِدِ الأقْصى تُمَثِّلُ ما تَطَوَّرَ بِهِ حالُ بَنِي إسْرائِيلَ في جامِعَتِهِمْ مِن أطْوارِ الصَّلاحِ والفَسادِ، والنُّهُوضِ والرُّكُودِ؛ لِيَعْتَبِرَ بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ؛ فَيَقْتَدُوا، أوْ يَحْذَرُوا.

ولِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الإسراء: ١] فَإنَّ مِن آياتِ اللَّهِ الَّتِي أُوتِيَها إلى النَّبِيءِ ﷺ آيَةَ القُرْآنِ، فَكانَ ذَلِكَ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: وآتَيْناهُ القُرْآنَ، ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيِ التَّوْراةَ، كَما يَشْهَدُ بِهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [الإسراء: ٩] أيْ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أقْوَمُ مِن طَرِيقَةِ التَّوْراةِ، وإنْ كانَ كِلاهُما هُدًى، عَلى ما في حالَةِ الإسْراءِ بِالنَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْلًا؛ لِيَرى مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى مِنَ المُناسَبَةِ لِحالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ، فَقَدْ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ لَيْلًا، وهو سارٍّ بِأهْلِهِ مِن أرْضِ مَدْيَنَ، إذْ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا، ولِحالِهِ أيْضًا حِينَ أسْرى إلى مُناجاةِ رَبِّهِ بِآياتِ الكِتابِ.

والكِتابُ: هو المَعْهُودُ إيتاؤُهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو التَّوْراةُ، وضَمِيرُ الغائِبِ في جَعَلْناهُ لِلْكِتابِ، والإخْبارُ عَنْهُ بِأنَّهُ هُدًى مُبالَغَةٌ؛ لِأنَّ الهُدى بِسَبَبِ العَمَلِ بِما فِيهِ فَجُعِلَ كَأنَّهُ نَفْسُ الهُدى، كَقَوْلِهِ تَعالى في القُرْآنِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
وخَصَّ بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّهُمُ المُخاطَبُونَ بِشَرِيعَةِ التَّوْراةِ دُونَ غَيْرِهِمْ، فالجَعْلُ الَّذِي في قَوْلِهِ وجَعَلْناهُ هو جَعْلُ التَّكْلِيفِ، وهُمُ المُرادُ بِـ (النّاسِ) في قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنعام: ٩١]؛ لِأنَّ النّاسَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى بَعْضِهِمْ، عَلى أنَّ ما هو هُدًى لِفَرِيقٍ مِنَ النّاسِ صالِحٌ لِأنْ يَنْتَفِعَ بِهَدْيِهِ مَن لَمْ يَكُنْ مُخاطَبًا بِكِتابٍ آخَرَ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المائدة: ٤٤]، وقَرَأ الجُمْهُورُ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِتاءِ الخِطابِ عَلى الأصْلِ في حِكايَةِ ما يُحْكى مِنَ الأقْوالِ المُتَضَمِّنَةِ نَهْيًا، فَتَكُونُ (أنْ) تَفْسِيرِيَّةً لِما تَضَمَّنَهُ لَفْظُ الكِتابِ مِن مَعْنى الأقْوالِ، ويَكُونُ التَّفْسِيرُ لِبَعْضِ ما تَضَمَّنَهُ الكِتابُ اقْتِصارًا عَلى الأهَمِّ مِنهُ وهو التَّوْحِيدُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو - وحْدَهُ - بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى اعْتِبارِ حِكايَةِ القَوْلِ بِالمَعْنى، أوْ تَكُونُ (أنْ) مَصْدَرِيَّةً مَجْرُورَةً بِلامٍ مَحْذُوفَةٍ حَذْفًا مُطَّرِدًا، والتَّقْدِيرُ: آتَيْناهُمُ الكِتابَ لِئَلّا يَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا.
والوَكِيلُ: الَّذِي تُفَوَّضُ إلَيْهِ الأُمُورُ، والمُرادُ بِهِ الرَّبُّ؛ لِأنَّهُ يَتَّكِلُ عَلَيْهِ العِبادُ في شُئُونِهِمْ، أيْ أنْ لا تَتَّخِذُوا شَرِيكًا تَلْجَأُونَ إلَيْهِ، وقَدْ عُرِفَ إطْلاقُ الوَكِيلِ عَلى اللَّهِ في لُغَةِ بَنِي إسْرائِيلَ كَما حَكى اللَّهُ عَنْ يَعْقُوبَ وأبْنائِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [يوسف: ٦٦].