All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Ash-Shuʿarāʾ 26:3 Juzʾ 19 Page 367

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏.
حُوِّلَ الخِطابُ مِن تَوْجِيهِهِ إلى المُعانِدِينَ إلى تَوْجِيهِهِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -. والكَلامُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابًا عَمّا يُثِيرُهُ مَضْمُونُ قَوْلِهِ: (‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشعراء: ٢]) مِن تَساؤُلِ النَّبِيءِ ﷺ في نَفْسِهِ عَنِ اسْتِمْرارِ إعْراضِ المُشْرِكِينَ عَنِ الإيمانِ وتَصْدِيقِ القُرْآنِ كَما قالَ تَعالى: (‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الكهف: ٦])، وقَوْلُهُ: (‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [فاطر: ٨]).

و(لَعَلَّ) إذا جاءَتْ في تَرَجِّي الشَّيْءِ المَخُوفِ سُمِّيَتْ إشْفاقًا وتَوَقُّعًا. وأظْهَرُ الأقْوالِ أنَّ التَّرَجِّيَ مِن قَبِيلِ الخَبَرِ، وأنَّهُ لَيْسَ بِإنْشاءٍ مِثْلِ التَّمَنِّي.

والتَّرَجِّي مُسْتَعْمَلٌ في الطَّلَبِ. والأظْهَرُ أنَّهُ حَثٌّ عَلى تَرْكِ الأسَفِ مِن ضَلالِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ تَمْثِيلِ شَأْنِ المُتَكَلِّمِ الحاثِّ عَلى الإقْلاعِ بِحالِ مَن يَسْتَقْرِبُ حُصُولَ هَلاكِ المُخاطَبِ إذا اسْتَمَرَّ عَلى ما هو فِيهِ مِنَ الغَمِّ.

والباخِعُ: القاتِلُ. وحَقِيقَةُ البَخْعِ إعْماقُ الذَّبْحِ. يُقالُ: بَخَعَ الشّاةَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا بَلَغَ بِالسِّكِّينِ البِخاعَ بِالمُوَحَّدَةِ المَكْسُورَةِ وهو عِرْقٌ مُسْتَبْطِنٌ الفَقارَ، كَذا قالَ في الكَشّافِ هُنا وذَكَرَهُ أيْضًا في الفائِقِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [الكهف: ٦]) في سُورَةِ الكَهْفِ. وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْمَوْتِ السَّرِيعِ، والإخْبارُ عَنْهُ بِـ (‏‏‏) تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. وفي (‏‏‏) ضَمِيرُ المُخاطَبِ هو الفاعِلُ.

و(‏‏ ‏‏‏‏‏‏) ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى نَزْعِ الخافِضِ بَعْدَ (أنْ) والخافِضُ لامُ التَّعْلِيلِ، والتَّقْدِيرُ: لِأنْ لا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، أيْ: لِانْتِفاءِ إيمانِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ؛ لِأنَّ (أنْ) تُخَلِّصُ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ. والمَعْنى: أنَّ غَمَّكَ مِن عَدَمِ إيمانِهِمْ فِيما مَضى يُوشِكُ أنْ يُوقِعَكَ في الهَلاكِ في المُسْتَقْبَلِ بِتَكَرُّرِ الغَمِّ والحُزْنِ، كَقَوْلِ إخْوَةِ يُوسُفَ لِأبِيهِمْ لَمّا قالَ: (﴿يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]) فَقالُوا: (‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [يوسف: ٨٥])؛ فَوِزانُ هَذا المَعْنى وِزانُ مَعْنى قَوْلِهِ في سُورَةِ الكَهْفِ: (‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الكهف: ٦])، فَإنَّ (إنْ) الشَّرْطِيَّةَ تَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَقْبَلِ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ (‏‏ ‏‏‏‏‏‏) ) في مَوْضِعِ
الفاعِلِ لِـ (‏‏‏) والجُمْلَةُ خَبَرُ (لَعَلَّ). وإسْنادُ (‏‏‏) إلى (‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏) ) مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ جُعِلَ سَبَبًا لِلْبَخْعِ.
وجِيءَ بِمُضارِعِ الكَوْنِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا يَأْسَفُ عَلى عَدَمِ إيمانِهِمْ ولَوِ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ فَيَكُونُ انْتِفاؤُهُ فِيما مَضى أوْلى بِأنْ لا يُؤْسَفَ لَهُ.

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (مُؤْمِنِينَ)، إمّا لِأنَّ المُرادَ (مُؤْمِنِينَ) بِما جِئْتَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ وتَصْدِيقِ القُرْآنِ وتَصْدِيقِ الرَّسُولِ، وإمّا لِأنَّهُ أُرِيدَ بِمُؤْمِنِينَ المَعْنى اللَّقَبِيُّ، أيْ أنْ لا يَكُونُوا في عِدادِ الفَرِيقِ المَعْرُوفِ بِالمُؤْمِنِينَ وهم أُمَّةُ الإسْلامِ. وضَمِيرُ (‏‏ ‏‏‏‏‏‏) ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ وهُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِي دَعاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ.

وعُدِلَ عَنْ: أنْ لا يُؤْمِنُوا، إلى (‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏) )؛ لِأنَّ في فِعْلِ الكَوْنِ دَلالَةٌ عَلى الِاسْتِمْرارِ زِيادَةً عَلى ما أفادَتْهُ صِيغَةُ المُضارِعِ، فَتَأكَّدَ اسْتِمْرارُ عَدَمِ إيمانِهِمُ الَّذِي هو مَوْرِدُ الإقْلاعِ عَنِ الحُزْنِ لَهُ. وقَدْ جاءَ في سُورَةِ الكَهْفِ (‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الكهف: ٦]) بِحَرْفِ نَفْيِ الماضِي وهو (لَمْ)؛ لِأنَّ سُورَةَ الكَهْفِ مُتَأخِّرَةُ النُّزُولِ عَنْ سُورَةِ الشُّعَراءِ فَعَدَمُ إيمانِهِمْ قَدْ تَقَرَّرَ حِينَئِذٍ وبَلَغَ حَدَّ المَأْيُوسِ مِنهُ.

وضَمِيرُ (يَكُونُوا) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِن مَقامِ التَّحَدِّي الحاصِلِ بِقَوْلِهِ: (﴿طسم﴾ [الشعراء: ١] ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشعراء: ٢]) لِلْعِلْمِ بِأنَّ المُتَحَدَّيْنَ هُمُ الكافِرُونَ المُكَذِّبُونَ.