All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

As-Sajdah 32:2 Juzʾ 21 Page 415

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏

افْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِالتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ لِأنَّهُ جامِعُ الهُدى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ وغَيْرُها ولِأنَّ جِماعَ ضَلالِ الضّالِّينَ هو التَّكْذِيبُ بِهَذا الكِتابِ، فاللَّهُ جَعَلَ القُرْآنَ هُدًى لِلنّاسِ وخَصَّ العَرَبَ بِأنْ شَرَّفَهم بِجَعْلِهِمْ أوَّلَ مَن يَتَلَقّى هَذا الكِتابَ، وبِأنْ أنْزَلَهُ بِلُغَتِهِمْ، فَكانَ مِنهم أشَدُّ المُكَذِّبِينَ بِما جاءَ بِهِ، لا جَرَمَ أنَّ تَكْذِيبَ أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ أعْرَقُ في الضَّلالَةِ وأوْغَلُ في أفْنِ الرَّأْيِ.

وافْتِتاحُ الكَلامِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِدَلالَتِها عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ.

وجِيءَ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ مُعَرَّفًا بِالإضافَةِ لِإطالَتِهِ لِيَحْصُلَ بِتَطْوِيلِهِ ثُمَّ تَعْقِيبِهِ بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ التَّشْوِيقُ إلى مَعْرِفَةِ الخَبَرِ وهو قَوْلُهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ ولَوْلا ذَلِكَ لَقِيلَ: قُرْآنٌ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ.

وإنَّما عَدَلَ عَنْ أُسْلُوبِ قَوْلِهِ ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [البقرة: ٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ لِأنَّ تِلْكَ السُّورَةَ نازِلَةٌ بَيْنَ ظَهْرانَيِ المُسْلِمِينَ ومَن يُرْجى إسْلامُهم مِن أهْلِ الكِتابِ وهُمُ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [البقرة: ٤]؛ وأمّا هَذِهِ السُّورَةُ فَقَدْ جابَهَ اللَّهُ بِها المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالإلَهِ الواحِدِ ولا يُوقِنُونَ بِالآخِرَةِ فَهم أصْلَبُ عُودًا، وأشَدُّ كُفْرًا وصُدُودًا.

فَقَوْلُهُ تَنْزِيلُ الكِتابِ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ لا رَيْبَ فِيهِ جُمْلَةٌ هي صِفَةٌ لِلْكِتابِ أوْ حالٌ أوْ هي مُعْتَرِضَةٌ.
وقَوْلُهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ.
والمَعْنى: مِن عِنْدِهِ ووَحْيُهُ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي كِتابٌ مِن فُلانٍ. ووَقَعَتْ جُمْلَةُ (‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [البقرة: ٢]) بِأُسْلُوبِ المَعْلُومِ المُقَرَّرِ فَلَمْ تُجْعَلْ خَبَرًا ثانِيًا عَنِ المُبْتَدَأِ لِزِيادَةِ التَّشْوِيقِ إلى الخَبَرِ لِيُقَرِّرَ كَوْنَهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ.

ومَعْنى (‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [البقرة: ٢]) أنَّهُ لَيْسَ أهْلًا لِأنْ يَرْتابَ أحَدٌ في تَنْزِيلِهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ لِما حَفَّ بِتَنْزِيلِهِ مِنَ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ البَشَرِ بِسَبَبِ إعْجازِ أقْصَرِ سُورَةٍ مِنهُ فَضْلًا عَنْ مَجْمُوعِهِ، وما عَضَّدَهُ مِن حالِ المُرْسَلِ بِهِ مِن شُهْرَةِ الصِّدْقِ والِاسْتِقامَةِ، ومَجِيءِ مِثْلِهِ مِن مِثْلِهِ مَعَ ما هو مَعْلُومٌ مِن وصْفِ الأُمِّيَّةِ.

فَمَعْنى نَفْيِ أنْ يَكُونَ الرَّيْبُ مَظْرُوفًا في هَذا الكِتابِ أنَّهُ لا يَشْتَمِلُ عَلى ما يُثِيرُ الرَّيْبَ، فالَّذِينَ ارْتابُوا بَلْ كَذَّبُوا أنْ يَكُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَهم لا يَعْدُونَ أنْ يَكُونُوا مُتَعَنِّتِينَ عَلى عِلْمٍ، أوْ جُهّالًا يَقُولُونَ قَبْلَ أنْ يَتَأمَّلُوا ويَنْتَظِرُوا، والأوَّلُونَ زُعَماؤُهم والأخْيَرُونَ دَهْماؤُهم، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

واسْتِحْضارُ الجَلالَةِ بِطَرِيقِ الإضافَةِ بِوَصْفِ رَبِّ العالَمِينَ دُونَ الِاسْمِ العَلَمِ وغَيْرِهِ مِن طُرُقِ التَّعْرِيفِ لِما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى عُمُومِ الشَّرِيعَةِ وكَوْنِ كِتابِها مُنَزَّلًا لِلنّاسِ كُلِّهِمْ بِخِلافِ ما سَبَقَ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، كَما قالَ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [المائدة: ٤٨]. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ مِن جُمْلَةِ دَواعِي تَكْذِيبِهِمْ بِهِ أنَّهُ كَيْفَ خَصَّ اللَّهُ بِرِسالَتِهِ بَشَرًا مِنهم حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ لِأنَّ رُبُوبِيَّةَ اللَّهِ لِلْعالِمِينَ تُنْبِئُ عَنْ أنَّهُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وأنَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ.