All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Aḥzāb 33:2 Juzʾ 21 Page 418

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏

هَذا تَمْهِيدٌ لِما يَرِدُ مِنَ الوَحْيِ في شَأْنِ أحْكامِ التَّبَنِّي وما يَتَّصِلُ بِها، ولِذَلِكَ جِيءَ بِالفِعْلِ المُضارِعِ الصّالِحِ لِلِاسْتِقْبالِ، وجُرِّدَ مِن عَلامَةِ الِاسْتِقْبالِ لِأنَّهُ قَرِيبٌ مِن زَمَنِ الحالِ. والمَقْصُودُ مِنَ الأمْرِ بِاتِّباعِهِ أنَّهُ أمْرٌ بِاتِّباعٍ خاصٍّ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ العامِّ بِاتِّباعِ الوَحْيِ. وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ ما سَيُوحى إلَيْهِ قَرِيبًا هو مِمّا يَشُقُّ عَلَيْهِ وعَلى المُسْلِمِينَ مِن إبْطالِ حُكْمِ التَّبَنِّي لِأنَّهم ألِفُوهُ واسْتَقَرَّ في عَوائِدِهِمْ وعامَلُوا المُتَبَنِّينَ مُعامَلَةَ الأبْناءِ الحَقِّ.

ولِذَلِكَ ذُيِّلَتْ جُمْلَةُ (﴿واتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ﴾) بِجُمْلَةِ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالِاتِّباعِ وتَأْنِيسًا بِهِ لِأنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما في عَوائِدِكم ونُفُوسِكم فَإذا أبْطَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَإنَّ إبْطالَهُ مِن تَعَلُّقِ العِلْمِ بِلُزُومِ تَغْيِيرِهِ فَلا تَتَرَيَّثُوا في امْتِثالِ أمْرِهِ في ذَلِكَ، فَجُمْلَةُ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ في مَوْقِعِ العِلَّةِ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ لِأنَّ حَرْفَ التَّوْكِيدِ مُغْنٍ غَناءَ فاءِ التَّفْرِيعِ كَما مَرَّ آنِفًا.

وفِي إفْرادِ الخِطابِ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِقَوْلِهِ واتَّبِعْ وجَمْعِهِ بِما يَشْمَلُهُ وأُمَّتَهُ في قَوْلِهِ بِما تَعْمَلُونَ إيماءً إلى أنَّ فِيما سَيَنْزِلُ مِنَ الوَحْيِ ما يَشْتَمِلُ عَلى تَكْلِيفٍ يَشْمَلُ تَغْيِيرَ حالَةٍ كانَ النَّبِيءُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُشارِكًا لِبَعْضِ الأُمَّةِ في التَّلَبُّسِ بِها وهو حُكْمُ التَّبَنِّي إذْ كانَ النَّبِيءُ مُتَبَنِّيًا زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ مِن قَبْلِ بَعْثَتِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِما تَعْمَلُونَ) بِتاءِ الخِطابِ عَلى خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ والأُمَّةِ لِأنَّ هَذا الأمْرَ أعْلَقُ بِالأُمَّةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ (بِما يَعْمَلُونَ) بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ عَلى أنَّهُ راجِعٌ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ شامِلٌ لِلْمُسْلِمِينَ والكافِرِينَ والمُنافِقِينَ لِيُفِيدَ مَعَ تَعْلِيلِ الأمْرِ بِالِاتِّباعِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ بِمُحاسَبَةِ اللَّهِ إيّاهم عَلى ما يُبَيِّتُونَهُ مِنَ الكَيْدِ، وكِنايَةً عَنْ إطْلاعِ اللَّهِ رَسُولَهُ عَلى ما يَعْلَمُ مِنهم في هَذا الشَّأْنِ كَما سَيَجِيءُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [الأحزاب: ٦٠]، أيْ لَنُطْلِعَنَّكَ عَلى ما يَكِيدُونَ بِهِ ونَأْذَنُكَ بِافْتِضاحَ شَأْنِهِمْ.
وهَذا المَعْنى الحاصِلُ مِن هَذِهِ القِراءَةِ لا يَفُوتُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالخِطابِ لِأنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنَ المُخاطَبِينَ يَأْخُذُ حَظَّهُ مِنهُ.