All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Aḥzāb 33:73 Juzʾ 22 Page 427

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٧٢] لِأنَّ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ مِن أصْنافِ الإنْسانِ. وهَذِهِ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ المَجازِيِّ المُسَمّاةُ لامُ العاقِبَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيها غَيْرَ مَرَّةٍ إحْداها قَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [آل عمران: ١٧٨] في آلِ عِمْرانَ.

والشّاهِدُ الشّائِعُ فِيها هو قَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [القصص: ٨] وعادَةُ النُّحاةِ وعُلَماءِ البَيانِ يَقُولُونَ: إنَّها في مَعْنى فاءِ التَّفْرِيعِ: وإذْ قَدْ كانَ هَذا عاقِبَةً لِحَمْلِ الإنْسانِ الأمانَةَ وكانَ فِيما تَعَلَّقَ بِهِ لامُ التَّعْلِيلِ إجْمالٌ تَعَيَّنَ أنَّ هَذا يُفِيدُ بَيانًا لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأحزاب: ٧٢] كَما قَدَّمْناهُ آنِفًا، أيْ فَكانَ الإنْسانُ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقًا ظالِمًا جاهِلًا، وفَرِيقًا راشِدًا عالِمًا.

والمَعْنى: فَعَذَّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ عَلى عَدَمِ الوَفاءِ بِالأمانَةِ الَّتِي تَحَمَّلُوها في أصْلِ الفِطْرَةِ وبِحَسَبِ الشَّرِيعَةِ، وتابَ عَلى المُؤْمِنِينَ فَغَفَرَ مِن ذُنُوبِهِمْ لِأنَّهم وفَّوْا بِالأمانَةِ الَّتِي تَحَمَّلُوها. وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ فِيما مَرَّ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٢٤] أيْ كَما تابَ عَلى المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَنْدَمُوا عَلى ما فَرَطَ مِن نِفاقِهِمْ فَيُخْلِصُوا الإيمانَ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ في كَثِيرٍ مِنهم.

وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ (ويَتُوبَ اللَّهُ) وكانَ الظّاهِرُ إضْمارَهُ لِزِيادَةِ العِنايَةِ
بِتِلْكَ التَّوْبَةِ لِما في الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ مِنَ العِنايَةِ.
وذَكَرَ المُنافِقاتِ والمُشْرِكاتِ والمُؤْمِناتِ مَعَ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ في حِينِ الِاسْتِغْناءِ عَنْ ذَلِكَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ الَّتِي شاعَ في كَلامِ العَرَبِ شُمُولُهُ لِلنِّساءِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: حَلَّ بِبَنِي فُلانٍ مَرَضٌ يُرِيدُونَ وبِنِسائِهِمْ.

فَذِكْرُ النِّساءِ في الآيَةِ إشارَةً إلى أنَّ لَهُنَّ شَأْنًا كانَ في حَوادِثِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ مِن إعانَةٍ لِرِجالِهِنَّ عَلى كَيْدِ المُسْلِمِينَ وبِعَكْسِ ذَلِكَ حالُ نِساءِ المُسْلِمِينَ.

وجُمْلَةُ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بِشارَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِأنَّ اللَّهَ عامَلَهم بِالغُفْرانِ وما تَقْتَضِيهِ صِفَةُ الرَّحْمَةِ.

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(سُورَةُ سَبَأٍ)

هَذا اسْمُها الَّذِي اشْتُهِرَتْ بِهِ في كُتُبِ السُّنَّةِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ وبَيْنَ القُرّاءِ ولَمْ أقِفْ عَلى تَسْمِيَتِها في عَصْرِ النُّبُوءَةِ. وُوجْهُ تَسْمِيَتِها بِهِ أنَّها ذُكِرَتْ فِيها قِصَّةُ أهْلِ سَبَأٍ.

وهِيَ مَكِّيَّةٌ وحُكِيَ اتِّفاقُ أهْلِ التَّفْسِيرِ عَلَيْهِ. وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ آيَةَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [سبإ: ٦] إلى قَوْلِهِ (﴿العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [سبإ: ٦]) نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. ولَعَلَّهُ بِناءٌ عَلى تَأْوِيلِهِمْ أهْلَ العِلْمِ إنَّما يُرادُ بِهِمْ أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ أسْلَمُوا مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ. والحَقُّ أنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وعُزِيَ ذَلِكَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ أوْ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، قالَهُ قَتادَةُ، أيْ لِأنَّهم أُوتُوا بِالقُرْآنِ عِلْمًا كَثِيرًا قالَ تَعالى ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [العنكبوت: ٤٩]، عَلى أنَّهُ لا مانِعَ مِنِ التِزامِ أنَّهم عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنُوا لِأنَّ المَقْصُودَ الِاحْتِجاجُ بِما هو مُسْتَقِرٌّ في نُفُوسِهِمُ الَّذِي أنْبَأ عَنْهُ إسْلامُ طائِفَةٍ مِنهم كَما نُبَيِّنُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [سبإ: ٦] إلْخَ.

ولِابْنِ الحِصارِ أنَّ سُورَةَ سَبَأٍ مَدَنِيَّةٌ لِما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ: عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ العُطَيْفِيِّ المُرادِيِّ قالَ: «أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلى أنْ قالَ: وأُنْزِلَ في سَبَأٍ ما أُنْزِلَ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ: وما سَبَأٌ»؟ الحَدِيثَ. قالَ ابْنُ الحِصارِ: هاجَرَ فَرْوَةُ سَنَةَ تِسْعٍ بَعْدَ فَتْحِ الطّائِفِ. وقالَ ابْنُ الحِصارِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وأُنْزِلَ حِكايَةً عَمّا تَقَدَّمَ نُزُولُهُ قَبْلَ هِجْرَةِ فَرْوَةَ، أيْ أنَّ سائِلًا سَألَ عَنْهُ لَمّا قَرَأهُ أوْ سَمِعَهُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ أوْ مِن سُورَةِ النَّمْلِ.

وهِيَ السُّورَةُ الثّامِنَةُ والخَمْسُونَ في عِدادِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ لُقْمانَ وقَبْلَ سُورَةِ الزُّمَرِ كَما في المَرْوِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ واعْتَمَدَ عَلَيْهِ الجَعْبَرِيُّ كَما في الإتْقانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى فِيها ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الإسراء: ٩٠] إلى قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الإسراء: ٩٢] إنَّهم عَنَوْا قَوْلَهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [سبإ: ٩] فاقْتَضى أنَّ سُورَةَ سَبَأٍ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الإسْراءِ وهو خِلافُ تَرْتِيبِ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ الَّذِي يَعُدُّ الإسْراءَ مُتَمِّمَةَ الخَمْسِينَ.

ولَيْسَ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الإسراء: ٩٢] مَعْنِيًّا بِهِ هَذِهِ الآيَةَ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ هَدَّدَهم بِذَلِكَ في مَوْعِظَةٍ أُخْرى.

وعَدَدُ آيِها أرْبَعٌ وخَمْسُونَ في عَدِّ الجُمْهُورِ، وخَمْسٌ وخَمْسُونَ في عَدِّ أهْلِ الشّامِ.

أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةِ
مِن أغْراضِ هَذِهِ السُّورَةِ (سَبَأٍ) إبْطالُ قَواعِدِ الشِّرْكِ وأعْظَمُها إشْراكُهم آلِهَةً مَعَ اللَّهِ وإنْكارُ البَعْثِ فابْتُدِئَ بِدَلِيلٍ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ عَنْ أصْنامِهِمْ ونَفْيِ أنْ تَكُونَ الأصْنامُ شُفَعاءَ لِعُبّادِها.

ثُمَّ مَوْضُوعُ البَعْثِ، «وعَنْ مُقاتِلٍ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِها أنَّ أبا سُفْيانَ لَمّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ الآيَةَ الأخِيرَةَ مِن سُورَةِ الأحْزابِ قالَ لِأصْحابِهِ: كَأنَّ مُحَمَّدًا يَتَوَعَّدُنا بِالعَذابِ بَعْدَ أنْ نَمُوتَ، واللّاتِ والعُزّى لا تَأْتِينا السّاعَةُ أبَدًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [سبإ: ٣] الآيَةَ».

وعَلَيْهِ فَما قَبْلَ الآيَةِ المَذْكُورَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [سبإ: ١] إلى قَوْلِهِ ﴿وهُوَ الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ [سبإ: ٢] تَمْهِيدٌ لِلْمَقْصُودِ مِن قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [سبإ: ٣]. وإثْباتُ إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فَما يُخْبِرُ بِهِ فَهو واقِعٌ ومِن ذَلِكَ إثْباتُ البَعْثِ والجَزاءِ.

وإثْباتُ صِدْقِ النَّبِيءِ ﷺ فِيما أخْبَرَ بِهِ، وصِدْقِ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ وأنَّ القُرْآنَ شَهِدَتْ بِهِ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ.

وتَخَلَّلَ ذَلِكَ بِضُرُوبٍ مِن تَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ ومَوْعِظَتِهِمْ بِما حَلَّ بِبَعْضِ الأُمَمِ المُشْرِكِينَ مِن قَبْلُ. وعُرِّضَ بِأنَّ جَعْلَهم لِلَّهِ شُرَكاءَ كُفْرانٌ لِنِعْمَةِ الخالِقِ فَضَرَبَ لَهم
المَثَلَ بِمَن شَكَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ واتَّقَوْهُ فَأُوتُوا خَيْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ وسُخِّرَتْ لَهُمُ الخَيْراتُ مِثْلُ داوُدَ وسُلَيْمانَ، وبِمَن كَفَرُوا بِاللَّهِ فَسُلِّطَتْ عَلَيْهِ الأرْزاءُ في الدُّنْيا وأُعِدَّ لَهُمُ العَذابُ في الآخِرَةِ مَثْلُ سَبَأٍ، وحُذِّرُوا مِنَ الشَّيْطانِ، وذُكِّرُوا بِأنَّ ما هم فِيهِ مِن قُرَّةِ العَيْنِ يُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ، وأُنْذِرُوا بِما سَيَلْقَوْنَ يَوْمَ الجَزاءِ مِن خِزْيٍ وتَكْذِيبٍ ونَدامَةٍ وعَدَمِ النَّصِيرِ وخُلُودٍ في العَذابِ، وبُشِّرَ المُؤْمِنُونَ بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ.
‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌