All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Qāf 50:45 Juzʾ 26 Page 520

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ فَهو إيغالٌ في تَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ، وتَعْرِيضٌ بِوَعِيدِهِمْ، فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في وعْدِ الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ سَيُعاقِبُ أعْداءَهُ.

وقَوْلُهُ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ تَطْمِينٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنَّهُ غَيْرُ مَسْئُولٍ عَنْ عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ لِأنَّهُ إنَّما بُعِثَ داعِيًا وهادِيًا، ولَيْسَ مَبْعُوثًا لِإرْغامِهِمْ عَلى الإيمانِ، والجَبّارُ مُشْتَقٌّ مِن جَبَرَهُ عَلى الأمْرِ بِمَعْنى أكْرَهَهُ.

وفَرَّعَ عَلَيْهِ أمْرَهُ بِالتَّذْكِيرِ لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنْ نَفْيِ كَوْنِهِ جَبّارًا عَلَيْهِمْ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ، ولَكِنْ خُصَّ التَّذْكِيرُ هُنا بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُ أرادَ التَّذْكِيرَ الَّذِي يَنْفَعُ المُذَكَّرَ. فالمَعْنى: فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ فَيَتَذَكَّرُ مَن يَخافُ وعِيدِ. وهَذا كَقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [النازعات: ٤٥].

وكُتِبَ في المُصْحَفِ ”وعِيدِ“ بِدُونِ ياءِ المُتَكَلِّمِ فَقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِدُونِ ياءٍ في
الوَصْلِ والوَقْفِ عَلى أنَّهُ مِن حَذْفِ التَّخْفِيفِ. وقَرَأهُ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الذّارِياتِ

تُسَمّى هَذِهِ السُّورَةُ والذّارِياتِ بِإثْباتِ الواوِ تَسْمِيَةً لَها بِحِكايَةِ الكَلِمَتَيْنِ الواقِعَتَيْنِ في أوَّلِها. وبِهَذا عَنْوَنَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِهِ وابْنُ عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِهِ والكَواشِيُّ في تَلْخِيصِ التَّفْسِيرِ والقُرْطُبِيُّ.

وتُسَمّى أيْضًا (سُورَةُ الذّارِياتِ) بِدُونِ الواوِ اقْتِصارًا عَلى الكَلِمَةِ الَّتِي لَمْ تَقَعْ في غَيْرِها مِن سُوَرِ القُرْآنِ. وكَذَلِكَ عَنْوَنَها التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.

وكَذَلِكَ هي في المَصاحِفِ الَّتِي وقَفْنا عَلَيْها مِن مَشْرِقِيَّةٍ ومَغْرِبِيَّةٍ قَدِيمَةٍ.

ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ لَمْ تَقَعْ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ في غَيْرِها مِن سُوَرِ القُرْآنِ.

وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.

وقَدْ عُدَّتِ السُّورَةَ السّادِسَةَ والسِّتِّينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الأحْقافِ وقَبْلَ سُورَةِ الغاشِيَةِ.

واتَّفَقَ أهْلُ عَدِّ الآياتِ عَلى أنَّ آيَها سِتُّونَ آيَةً.

أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةُ
احْتَوَتْ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ.

وإبْطالِ مَزاعِمِ المُكَذِّبِينَ بِهِ وبِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ورَمْيِهِمْ بِأنَّهم يَقُولُونَ بِغَيْرِ تَثَبُّتٍ.

ووَعِيدِهِمْ بِعَذابٍ يَفْتِنُهم.
ووَعْدِ المُؤْمِنِينَ بِنَعِيمِ الخُلْدِ وذِكْرِ ما اسْتَحَقُّوا بِهِ تِلْكَ الدَّرَجَةَ مِنَ الإيمانِ والإحْسانِ.
ثُمَّ الِاسْتِدْلالِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ والِاسْتِدْلالِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ وعَلى أنَّهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ بِما في بَعْضِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي يُشاهِدُونَها ويُحِسُّونَ بِها دالَّةً عَلى سَعَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ عَلى ما هو أعْظَمُ مِن إعادَةِ خَلْقِ الإنْسانِ بَعْدَ فَنائِهِ وعَلى أنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ إلّا لِجَزائِهِ.

والتَّعْرِيضِ بِالإنْذارِ بِما حاقَ بِالأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُلَ اللَّهِ، وبَيانِ الشَّبَهِ التّامِّ بَيْنَهم وبَيْنَ أُولَئِكَ.

وتَلْقِينِ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ الرُّجُوعَ إلى اللَّهِ وتَصْدِيقِ النَّبِيءِ ﷺ ونَبْذِ الشِّرْكِ. ومَعْذِرَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِن تَبِعَةِ إعْراضِهِمْ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِكُفْرانِ نِعْمَةِ الخَلْقِ والرِّزْقِ.

ووَعِيدِهِمْ عَلى ذَلِكَ بِمِثْلِ ما حَلَّ بِأمْثالِهِمْ.