All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Anʿām 6:5 Juzʾ 7 Page 128

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ الفاءُ فَصِيحَةٌ عَلى الأظْهَرِ أفْصَحَتْ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأنعام: ٤]، أيْ إذا تَقَرَّرَ هَذا الإعْراضُ ثَبَتَ أنَّهم كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَإنَّ الإعْراضَ عَلامَةٌ عَلى التَّكْذِيبِ، كَما قَدَّمْتُهُ آنِفًا، فَما بَعْدَ فاءِ الفَصِيحَةِ هو الجَزاءُ. ومَعْناهُ أنَّ مِنَ المَعْلُومِ لِلْأُمَمِ سُوءَ عَواقِبِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالحَقِّ الآتِي مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلَمّا تَقَرَّرَ في الآيَةِ السّابِقَةِ أنَّهم أعْرَضُوا عَنْ آياتِ اللَّهِ فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهم كَذَّبُوا بِالحَقِّ الوارِدِ مِنَ اللَّهِ؛ ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ تَأْكِيدًا لِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ وإظْهارِ الإسْلامِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وإنْذارًا لِلْمُشْرِكِينَ بِأنْ سَيَحُلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِالأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم مِمَّنْ عَرَفُوا مِثْلِ عادٍ وثَمُودَ وأصْحابِ الرَّسِّ.

وبِهَذا التَّقْدِيرِ لَمْ تَكُنْ حاجَةٌ إلى جَعْلِ الفاءِ تَفْرِيعًا مَحْضًا وجَعْلِ ما بَعْدَها عِلَّةً لِجَزاءٍ مَحْذُوفٍ مَدْلُولٍ عَلَيْهِ بِعِلَّتِهِ كَما هو ظاهِرُ الكَشّافِ، وهي مَضْمُونُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بِأنْ يُقَدَّرَ: فَلا تَعْجَبْ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ، لِأنَّ مَن قَدَّرَ ذَلِكَ أوْهَمَهُ أنَّ تَكْذِيبَهُمُ المُرادَ هو تَكْذِيبُهم بِالآياتِ الَّتِي أعْرَضُوا عَنْها ما عَدا آيَةَ القُرْآنِ. وهَذا تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ [الأعراف: ١٣٢] بِلا مُخَصِّصٍ، فَإنَّ القُرْآنَ مِن جُمْلَةِ الآياتِ بَلْ هو المَقْصُودُ أوَّلًا، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ هو الجَزاءُ وأنَّ لَهُ مَوْقِعًا عَظِيمًا مِن بَلاغَةِ الإيجازِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيرَ يَقْتَضِي
أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الآياتِ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأنعام: ٤] ما عَدا القُرْآنَ. وهو تَخْصِيصٌ لا يُناسِبُ مَقامَ كَوْنِ القُرْآنِ أعْظَمَها.
والفاءُ في قَوْلِهِ: فَسَوْفَ فاءُ التَّسَبُّبِ عَلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏، أيْ يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ إصابَتُهم بِما تَوَعَّدَهم بِهِ اللَّهُ.

وحَرْفُ التَّسْوِيفِ هُنا لِتَأْكِيدِ حُصُولِ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ. واسْتَعْمَلَ الإتْيانَ هُنا في الإصابَةِ والحُصُولِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ. والأنْباءُ جَمْعُ نَبَأٍ، وهو الخَبَرُ الَّذِي لَهُ أهَمِّيَّةٌ. وأطْلَقَ النَّبَأ هُنا عَلى تَحْقِيقِ مَضْمُونِ الخَبَرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [ص: ٨٨]، أيْ تَحَقُّقَ نَبَئِهِ، لِأنَّ النَّبَأ نَفْسَهُ قَدْ عُلِمَ مِن قَبْلُ.

و‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [الأنعام: ١٠] هو القُرْآنُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُؤًا) فَإنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى وعِيدِهِمْ بِعَذابِ الدُّنْيا بِالسَّيْفِ، وعَذابِ الآخِرَةِ. فَتِلْكَ أنْباءٌ أنْبَأهم بِها فَكَذَّبُوهُ واسْتَهْزَءُوا بِهِ فَتَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِأنَّ تِلْكَ الأنْباءَ سَيُصِيبُهم مَضْمُونُها. فَلَمّا قالَ لَهم: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [الأنعام: ١٠] عَلِمُوا أنَّها أنْباءُ القُرْآنِ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِالقُرْآنِ وعَلِمَ السّامِعُونَ أنَّ هَؤُلاءِ كانُوا مُسْتَهْزِئِينَ بِالقُرْآنِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى الِاسْتِهْزاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤].