All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Aṣ-Ṣaff 61:3 Juzʾ 28 Page 551

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏.

ناداهم بِوَصْفِ الإيمانِ تَعْرِيضًا بِأنَّ الإيمانَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَزَعَ المُؤْمِنُ عَنْ أنْ يُخالِفَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ في الوَعْدِ بِالخَيْرِ.

واللّامُ لِتَعْلِيلِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ وهو الشَّيْءُ المُبْهَمُ الَّذِي هو مَدْلُولُ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أمْرٍ مُبْهَمٍ يُطْلَبُ تَعْيِينُهُ.

والتَّقْدِيرُ: تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ لِأيِّ سَبَبٍ أوْ لِأيَّةِ عِلَّةٍ.

وتَتَعَلَّقُ اللّامُ بِفِعْلِ (تَقُولُونَ) المَجْرُورِ مَعَ حَرْفِ الجَرِّ لِصَدارَةِ الِاسْتِفْهامِ.

والِاسْتِفْهامُ عَنِ العِلَّةِ مُسْتَعْمَلٌ هُنا في إنْكارِ أنْ يَكُونَ سَبَبُ ذَلِكَ مُرْضِيًا لِلَّهِ تَعالى، أيْ أنَّ ما يَدْعُوهم إلى ذَلِكَ هو أمْرٌ مُنْكَرٌ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ اللَّوْمِ والتَّحْذِيرِ مِن ذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [البقرة: ٩١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ الَّذِي قالُوهُ وعْدًا وعَدُوهُ ولَمْ يَفُوا بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا أخْبَرُوا بِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ لَمْ يُطابِقِ الواقِعَ. وقَدْ مَضى اسْتِيفاءُ ذَلِكَ في الكَلامِ عَلى صَدْرِ السُّورَةِ.
وهَذا كِنايَةٌ عَنْ تَحْذِيرِهِمْ مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِ ما فَعَلُوهُ يَوْمَ أُحُدٍ بِطَرِيقِ الرَّمْزِ، وكِنايَةٌ عَنِ اللَّوْمِ عَلى ما فَعَلُوهُ يَوْمَ أُحُدٍ بِطَرِيقِ التَّلْوِيحِ.

وتَعْقِيبُ الآيَةِ بِقَوْلِهِ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [الصف: ٤] إلَخْ. يُؤْذِنُ بِأنَّ اللَّوْمَ عَلى وعْدٍ يَتَعَلَّقُ بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وبِذَلِكَ يَلْتَئِمُ مَعْنى الآيَةِ مَعَ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ في سَبَبِ النُّزُولِ وتَنْدَحِضُ رِواياتٌ أُخْرى رُوِيَتْ في سَبَبِ نُزُولِها ذَكَرَها في الكَشّافِ.

وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ إذْ يُظْهِرُونَ الإيمانَ بِأقْوالِهِمْ وهم لا يَعْمَلُونَ أعْمالَ أهْلِ الإيمانِ بِالقَلْبِ ولا بِالجَسَدِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو قَوْلُ المُنافِقِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ نَحْنُ مِنكم ومَعَكم ثُمَّ يَظْهَرُ مِن أفْعالِهِمْ خِلافُ ذَلِكَ.

وجُمْلَةُ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ تَصْرِيحًا بِالمَعْنى المُكَنّى عَنْهُ بِها.

وهُوَ خَبَرٌ عَنْ كَوْنِ قَوْلِهِمْ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ أمْرًا كَبِيرًا في جِنْسِ المَقْتِ.

والكِبَرُ: مُسْتَعارٌ لِلشِّدَةِ لِأنَّ الكَبِيرَ فِيهِ كَثْرَةٌ وشِدَّةٌ في نَوْعِهِ.

و(أنْ تَقُولُوا) فاعِلُ (كَبُرَ).

والمَقْتُ: البُغْضُ الشَّدِيدُ. وهو هُنا بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ.

وانْتَصَبَ مَقْتًا عَلى التَّمْيِيزِ لِجِهَةِ الكِبَرِ. وهو تَمْيِيزُ نِسْبَةٍ.

والتَّقْدِيرُ: كَبُرَ مَمْقُوتًا قَوْلُكم ما لا تَفْعَلُونَهُ.

ونُظِمَ هَذا الكَلامُ بِطَرِيقَةِ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ بِالتَّمْيِيزِ لِتَهْوِيلِ هَذا الأمْرِ في قُلُوبِ السّامِعِينَ لِكَوْنِ الكَثِيرِ مِنهم بِمِظَنَّةِ التَّهاوُنِ في الحَيْطَةِ مِنهُ حَتّى وقَعُوا فِيما وقَعُوا يَوْمَ أُحُدٍ. فَفِيهِ وعِيدٌ عَلى تَجَدُّدِ مِثْلِهِ، وزِيدَ المَقْصُودُ اهْتِمامًا بِأنْ وُصِفَ المَقْتُ بِأنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ مَقْتٌ لا تَسامُحَ فِيهِ.
وعَدَلَ عَنْ جَعْلِ فاعِلِ (كَبُرَ) ضَمِيرَ القَوْلِ بِأنْ يَقْتَصِرَ عَلى ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ أوْ يُقالُ: كَبُرَ ذَلِكَ مَقْتًا، لِقَصْدِ زِيادَةِ التَّهْوِيلِ بِإعادِةِ لَفْظِهِ، ولِإفادَةِ التَّأْكِيدِ.
و(ما) في قَوْلِهِ (ما لا تَفْعَلُونَ) في المَوْضِعَيْنِ مَوْصُولَةٌ، وهي بِمَعْنى لامِ العَهْدِ، أيِ الفِعْلُ الَّذِي وعَدْتُمْ أنْ تَفْعَلُوهُ وهو أحَبُّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ أوِ الجِهادُ. فاقْتَضَتِ الآيَةُ أنَّ الوَعْدَ في مِثْلِ هَذا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ لِأنَّ المَوْعُودَ بِهَ طاعَةٌ فالوَعْدُ بِهِ مِن قَبِيلِ النَّذْرِ المَقْصُودِ مِنهُ القِرْبَةُ فَيَجِبُ الوَفاءُ بِهِ.