All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Aṣ-Ṣaff 61:5 Juzʾ 28 Page 551

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏.
مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ هُنا خَفِيُّ المُناسِبَةِ. فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا انْتُقِلَ بِهِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ عَدَمِ الوَفاءِ بِما وعَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ إلى التَّعْرِيضِ بِقَوِمٍ آذَوُا النَّبِيءَ ﷺ بِالقَوْلِ أوْ بِالعِصْيانِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ الكَلامُ مُوَجَّهًا إلى المُنافِقِينَ، فَقَدْ وُسِمُوا بِأذى الرَّسُولِ ﷺ قَوْلُهُ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٥٧] الآيَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [التوبة: ٦١] وقَوْلُهُ ”ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيءَ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ“.
وعَلى هَذا الوَجْهِ فَهو اقْتِضابٌ نُقِلَ بِهِ الكَلامُ مِنَ الغَرَضِ الَّذِي قَبْلَهُ لِتَمامِهِ إلى هَذا الغَرَضِ، أوْ تَكُونُ مُناسِبَةُ وقْعِهِ في هَذا المَوْقِعِ حُدُوثَ سَبَبٍ اقْتَضى نُزُولَهُ مِن أذًى قَدْ حَدَثَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ ورُواةُ الأخْبارِ وأسْبابِ النُّزُولِ.

والواوُ عَلى هَذا الوَجْهِ عَطْفُ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ. وهو المُسَمّى بِعَطْفِ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلْمُسْلِمِينَ لِتَحْذِيرِهِمْ مِن إتْيانِ ما يُؤْذِي رَسُولَهُ ﷺ ويَسُوءُهُ مِنَ الخُرُوجِ عَنْ جادَّةِ الكَمالِ الدِّينِيِّ مِثْلِ عَدَمِ الوَفاءِ بِوَعْدِهِمْ في الإتْيانِ بِأحَبِّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ تَعالى. وأشْفَقَهم مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلزَّيْغِ والضَّلالِ كَما حَدَثَ لِقَوْمِ مُوسى لَمّا آذَوْهُ.

وعَلى هَذا الوَجْهِ فالمُرادُ بِأذى قَوْمِ مُوسى إيّاهُ: عَدَمُ تَوَخِّي طاعَتِهِ ورِضاهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُشِيرًا إلى ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [المائدة: ٢١]، إلى قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [المائدة: ٢٤]. فَإنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ اسْتِخْفافٌ يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المائدة: ٢٥].

وقَدْ يَكُونُ وصْفُهم في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ناظِرًا إلى وصْفِهِمْ بِذَلِكَ مَرَّتَيْنِ في آيَةِ سُورَةِ العُقُودِ في قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المائدة: ٢٥] وقَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المائدة: ٢٦].
فَيَكُونُ المَقْصُودُ الأهَمُّ مِنَ القِصَّةِ هو ما تَفَرَّعَ عَلى ذِكْرِها مِن قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏. ويُناسِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ تَحْذِيرًا مِن مُخالَفَةِ أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ وعِبْرَةً بِما عَرَضَ لَهم مِنَ الهَزِيمَةِ يَوْمَ أُحُدٍ لَمّا خالَفُوا أمْرَهُ مِن عَدَمِ ثَباتِ الرُّماةِ في مَكانِهِمْ.
وقَدْ تَشابَهَتِ القِصَّتانِ في أنَّ القَوْمَ فَرُّوا يَوْمَ أُحُدٍ كَما فَرَّ قَوْمُ مُوسى يَوْمَ أرِيحا، وفي أنَّ الرُّماةَ الَّذِينَ أمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ لا يَبْرَحُوا مَكانَهم («ولَوْ تَخَطَّفَنا الطَّيْرُ» ) وأنْ يَنْضَحُوا عَنِ الجَيْشِ بِالنِّبالِ خَشْيَةَ أنْ يَأْتِيَهُ العَدُوُّ مِن خَلْفِهِ لَمْ يَفْعَلُوا ما أمَرَهم بِهِ وعَصَوْا أمْرَ أمِيرِهِمْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ وفارَقُوا مَوْقِفَهم طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ هَزِيمَةِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ.

والواوُ عَلى هَذا الوَجْهِ عَطْفُ تَحْذِيرٍ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ عَلى النَّهْيِ الَّذِي في قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [الصف: ٢] الآيَةَ.

ويَتْبَعُ ذَلِكَ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ عَلى ما حَصَلَ مِن مُخالَفَةِ الرُّماةِ حَتّى تَسَبَّبُوا في هَزِيمَةِ النّاسِ.

و(إذْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، ولَهُ نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ، أيِ اذْكُرْ لَهم أيْضًا وقْتَ قَوْلِ مُوسى لِقَوْمِهِ أوِ اذْكُرْ لَهم مَعَ هَذا النَّهْيِ وقْتَ قَوْلِ مُوسى لِقَوْمِهِ.

وابْتِداءُ كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِـ (يا قَوْمِ) تَعْرِيضٌ بِأنَّ شَأْنَ قَوْمِ الرَّسُولِ أنْ يُطِيعُوهُ بَلْهَ أنْ لا يُؤْذُوهُ. فَفي النِّداءِ بِوَصْفِ (قَوْمِ) تَمْهِيدٌ لِلْإنْكارِ في قَوْلِهِ لِمَ تُؤْذُونَنِي.

والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، أيْ إنْكارِ أنْ يَكُونَ لِلْإذايَةِ سَبَبٌ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [الصف: ٢].

وقَدْ جاءَتْ جُمْلَةُ الحالِ مِن قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ مُصادِفَةَ المَحَلِّ مِنَ التَّرَقِّي في الإنْكارِ.

و(مِن) لِتَحْقِيقِ مَعْنى الحالِيَّةِ، أيْ وعِلْمُكم بِرِسالَتِي عَنِ اللَّهِ أمْرٌ مُحَقَّقٌ لِما
شاهَدُوهُ مِن دَلائِلِ رِسالَتِهِ، وكَما أُكِّدَ عِلْمُهم بِـ (قَدْ) أُكِّدَ حُصُولُ المَعْلُومِ بِـ (أنَّ) المَفْتُوحَةِ، فَحَصَلَ تَأْكِيدانِ لِلرِّسالِةِ. والمَعْنى: فَكَيْفَ لا يَجْرِي أمْرُكم عَلى وفْقِ هَذا العِلْمِ.
والإتْيانُ بَعْدَ (قَدْ) بِالمُضارِعِ هُنا لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ عِلْمَهم بِذَلِكَ مُجَدَّدٌ بِتَجَدُّدِ الآياتِ والوَحْيِ، وذَلِكَ أجْدى بِدَوامِ امْتِثالِهِ لِأنَّهُ لَوْ جِيءَ بِفِعْلِ المُضِيَّ لَمّا دَلَّ عَلى أكْثَرِ مِن حُصُولِ ذَلِكَ العِلْمِ فِيما مَضى. ولَعَلَّهُ قَدْ طَرَأ عَلَيْهِ ما يُبْطِلُهُ، وهَذا كالمُضارِعِ في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأحزاب: ١٨] في سُورَةِ الأحْزابِ.

والزَّيْغُ: المَيْلُ عَنِ الحَقِّ، أيْ لَمّا خالَفُوا ما أمَرَهم رَسُولُهم جَعَلَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ زَيْغًا، أيْ تَمَكَّنَ الزَّيْغُ مِن نُفُوسِهِمْ فَلَمْ يَنْفَكُّوا عَنِ الضَّلالِ.

وجُمْلَةُ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَذْيِيلٌ، أيْ وهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في النّاسِ فَكانَ قَوْمُ مُوسى الَّذِينَ آذَوْهُ مِن أهْلِ ذَلِكَ العُمُومِ.

وذُكِرَ وصْفُ (الفاسِقِينَ) جارِيًا عَلى لَفْظِ (القَوْمِ) لِلْإيماءِ إلى الفُسُوقِ الَّذِي دَخَلَ في مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ. كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ في البَقَرَةِ.

فالمَعْنى: الَّذِينَ كانَ الفُسُوقُ عَنِ الحَقِّ سَجِيَّةً لَهم لا يَلْطُفُ اللَّهُ بِهِمْ ولا يَعْتَنِي بِهِمْ عِنايَةً خاصَّةً تَسُوقُهم إلى الهُدى، وإنَّما هو طَوْعُ الأسْبابِ والمُناسَباتِ.