All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

At-Taghābun 64:8 Juzʾ 28 Page 556

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ المَأْمُورِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ.

والفاءُ فَصِيحَةٌ تُفْصِحُ عَنْ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، والتَّقْدِيرُ: فَإذا عَلِمْتُمْ هَذِهِ الحُجَجَ وتَذَكَّرْتُمْ ما حَلَّ بِنُظَرائِكم مِنَ العِقابِ وما سَتُنَبَّئُونَ بِهِ مِن أعْمالِكم فَآمَنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ والقُرْآنِ، أيْ بِنَصِّهِ.
والمُرادُ بِالنُّورَ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ القُرْآنَ، وُصِفَ بِأنَّهُ نُورٌ عَلى نُورٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّهُ أشْبَهَ النُّورَ في إيضاحِ المَطْلُوبِ بِاسْتِقامَةِ حُجَّتِهِ وبَلاغَةِ كَلامِهِ قالَ تَعالى ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [النساء: ١٧٤]. وأشْبَهَ النُّورَ في الإرْشادِ إلى السُّلُوكِ القَوِيمِ وفي هَذا الشَّبَهِ الثّانِي تَشارُكُهُ الكُتُبُ السَّماوِيَّةُ، قالَ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المائدة: ٤٤]، وقَرِينَةُ الِاسْتِعارَةِ قَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، لِأنَّهُ مِن مُناسِباتِ المُشَبَّهِ لِاشْتِهارِ القُرْآنِ بَيْنَ النّاسِ كُلِّهِمْ بِالألْقابِ المُشْتَقَّةِ مِنَ الإنْزالِ والتَّنْزِيلِ عَرَفَ ذَلِكَ المُسْلِمُونَ والمُعانِدُونَ. وهو إنْزالٌ مَجازِيٌّ أُرِيدَ بِهِ تَبْلِيغُ مُرادِ اللَّهِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [البقرة: ٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي آياتٍ كَثِيرَةٍ.
وإنَّما جُعِلَ الإيمانُ بِصِدْقِ القُرْآنِ داخِلًا في حَيِّزِ فاءِ التَّفْرِيعِ لِأنَّ ما قَبْلَ الفاءِ تَضَمَّنَ أنَّهم كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ مِن قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [التغابن: ٦] كَما قالَ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ والإيمانُ بِالقُرْآنِ يَشْمَلُ الإيمانَ بِالبَعْثِ فَكانَ قَوْلُهُ تَعالى (‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) شامِلًا لِما سَبَقَ الفاءَ مِن قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [التغابن: ٧] إلَخْ.

وفِي قَوْلِهِ (‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُتَكَلِّمِ لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ في الإيمانِ بِالقُرْآنِ تَذْكِيرًا بِأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ لِأنَّ ضَمِيرَ التَّكَلُّمِ أشَدُّ دَلالَةً عَلى مَعادِهِ مِن ضَمِيرِ الغائِبِ، ولِتَقْوِيَةِ داعِي المَأْمُورِ.

وجُمْلَةُ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ يَقْتَضِي وعْدًا إنْ آمَنُوا ووَعِيدًا إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.

وفِي ذِكْرِ اسْمِ الجَلالَةِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً جارِيَةً مَجْرى المَثَلِ والكَلِمِ الجَوامِعِ، ولِأنَّ الِاسْمَ الظّاهِرَ أقْوى دَلالَةً مِنَ الضَّمِيرِ لِاسْتِغْنائِهِ عَنْ تَطَلُّبِ المَعادِ. وفِيهِ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ ما في قَوْلِ الخَلِيفَةِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ يَأْمُرُكم بِكَذا.

والخَبِيرُ: العَلِيمُ، وجِيءَ هُنا بِصِفَةِ الخَبِيرُ دُونَ: البَصِيرُ، لِأنَّ ما يَعْلَمُونَهُ مِنهُ مَحْسُوساتٍ ومِنهُ غَيْرُ مَحْسُوساتٍ كالمُعْتَقَداتِ، ومِنها الإيمانُ بِالبَعْثِ، فَعُلِّقَ بِالوَصْفِ الدّالِّ عَلى تَعَلُّقِ العِلْمِ الإلَهِيِّ بِالمَوْجُوداتِ كُلِّها، بِخِلافِ قَوْلِهِ فِيما
تَقَدَّمَ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [التغابن: ٢] فَإنَّ لِكُفْرِ الكافِرِينَ وإيمانِ المُؤْمِنِينَ آثارًا ظاهِرَةً مَحْسُوسَةً فَعُلِّقَتْ بِالوُصْفِ الدّالِّ عَلى تَعَلُّقِ العِلْمِ الإلَهِيِّ بِالمَحْسُوساتِ.