All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Mursalāt 77:50 Juzʾ 29 Page 581

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

الفاءُ فَصِيحَةٌ تُنْبِئُ عَنْ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا القُرْآنِ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ، وقَدْ دَلَّ عَلى تَعْيِينِ هَذا المُقَدَّرِ ما تَكَرَّرَ في آياتِ (‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [المرسلات: ١٥]) فَإنَّ تَكْذِيبَهم بِالقُرْآنِ وما جاءَ فِيهِ مِن وُقُوعِ البَعْثِ.

والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ التَّعْجِيبِيِ مِن حالِهِمْ، أيْ إذا لَمْ يُصَدِّقُوا بِالقُرْآنِ مَعَ وُضُوحِ حُجَّتِهِ فَلا يُؤْمِنُونَ بِحَدِيثِ غَيْرِهِ.
والمَقْصُودُ أنَّ القُرْآنَ بالِغُ الغايَةِ في وُضُوحِ الدِّلالَةِ ونُهُوضِ الحُجَّةِ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ لا يُؤْمِنُونَ بِكَلامٍ يَسْمَعُونَهُ عَقِبَ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ بَعْدَهُ يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ صِفَةَ حَدِيثٍ فَهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، والمُرادُ بِالبُعْدِيَّةِ: تَأخَّرُ الزَّمانِ، ويُقَدَّرُ مَعْنى بالِغٍ أوْ مَسْمُوعٍ بَعْدَ بُلُوغِ القُرْآنِ أوْ سَماعِهِ سَواءٌ كانَ حَدِيثًا مَوْجُودًا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ، أوْ حَدِيثًا يُوجَدُ بَعْدَ القُرْآنِ، فَلَيْسَ المَعْنى أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِحَدِيثٍ جاءَ قَبْلَ القُرْآنِ مِثْلَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وغَيْرِهِما مِنَ المَواعِظِ والأخْبارِ، بَلِ المُرادُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِحَدِيثٍ غَيْرِهِ بَعْدَ أنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالقُرْآنِ لِأنَّهُ لا يَقَعُ إلَيْهِمْ كَلامٌ أوَضَحُ دَلالَةً وحُجَّةً مِنَ القُرْآنِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (بَعْدَهُ) مُتَعَلِّقًا بِـ يُؤْمِنُونَ فَهو ظَرْفُ لَغْوٍ ويَبْقى لَفْظُ (حَدِيثٍ) مَنفِيًّا بِلا قَيْدِ وصْفِ أنَّهُ بَعْدَ القُرْآنِ، والمَعْنى: لا يُؤْمِنُونَ بَعْدَ القُرْآنِ بِكُلِّ حَدِيثٍ.

وضَمِيرُ ”بَعْدَهُ“ عائِدٌ إلى القُرْآنِ ولَمْ يَتَقَدَّمْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ في هَذِهِ السُّورَةِ لِيَكُونَ مُعادًا لِلضَّمِيرِ ولَكِنَّهُ اعْتُبِرَ كالمَذْكُورِ لِأنَّهُ مَلْحُوظٌ لِأذْهانِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ مِن أيّامِ دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهم بِهِ.

وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في أواخِرِ سُورَةِ الأعْرافِ فَضُمَّهُ إلى ما هُنا.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ”بَعْدَهُ“ عائِدًا إلى القَوْلِ المَأْخُوذِ مِن (‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [المرسلات: ٤٨]) فَإنَّ أمْرَهم بِالرُّكُوعِ الَّذِي هو كِنايَةٌ عَنِ الإيمانِ كانَ بِأقْوالِ القُرْآنِ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النَّبَأِ

سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في أكْثَرِ المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ وكُتُبِ السُّنَّةِ (سُورَةَ النَّبَأِ) لِوُقُوعِ كَلِمَةِ (النَّبَأِ) في أوَّلِها.

وسُمِّيَتْ في بَعْضِ المَصاحِفِ وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ وفي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ والكَشّافِ (سُورَةَ عَمَّ يَتَساءَلُونَ)، وفي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ سَمّاها (سُورَةَ عَمَّ)، أيْ: بِدُونِ زِيادَةِ (يَتَساءَلُونَ) تَسْمِيَةً لَها بِأوَّلِ جُمْلَةٍ فِيها.

وتُسَمّى (سُورَةَ التَّساؤُلِ) لِوُقُوعِ يَتَساءَلُونَ في أوَّلِها. وتُسَمّى (سُورَةَ المُعْصِراتِ) لِقَوْلِهِ تَعالى فِيها: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [النبإ: ١٤] فَهَذِهِ خَمْسَةُ أسْماءٍ. واقْتَصَرَ الإتْقانُ عَلى أرْبَعَةِ أسْماءٍ: عَمَّ، والنَّبَأُ، والتَّساؤُلُ، والمُعْصِراتُ.

وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.

وعُدَّتِ السُّورَةَ الثَّمانِينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ المَعارِجِ وقَبْلَ سُورَةِ النّازِعاتِ.

وفِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ ما يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في أوَّلِ البَعْثِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: " كانَتْ قُرَيْشٌ تَجْلِسُ لَمّا نَزَلَ القُرْآنُ فَتَتَحَدَّثُ فِيما بَيْنَها؛ فَمِنهُمُ المُصَدِّقُ ومِنهُمُ المُكَذِّبُ بِهِ، فَنَزَلَتْ (﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١]).

وعَنِ الحَسَنِ لَمّا بُعِثَ النَّبِيءُ ﷺ جَعَلُوا يَتَساءَلُونَ بَيْنَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ١]، يَعْنِي: الخَبَرَ العَظِيمَ.

وعَدَّ آيَها أصْحابُ العَدَدِ مِن أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ والبَصْرَةِ أرْبَعِينَ، وعَدَّها أهْلُ مَكَّةَ وأهْلُ الكُوفَةِ إحْدى وأرْبَعِينَ آيَةً.

اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى وصْفِ خَوْضِ المُشْرِكِينَ في شَأْنِ القُرْآنِ وما جاءَ بِهِ مِمّا يُخالِفُ مُعْتَقَداتِهِمْ، ومِن ذَلِكَ إثْباتُ البَعْثِ، وسُؤالُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنِ الرَّأْيِ في وُقُوعِهِ مُسْتَهْزِئِينَ بِالإخْبارِ عَنْ وُقُوعِهِ.
وتَهْدِيدُهم عَلى اسْتِهْزائِهِمْ.

وفِيها إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ بِخَلْقِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي هي أعْظَمُ مِن خَلْقِ الإنْسانِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وبِالخَلْقِ الأوَّلِ لِلْإنْسانِ وأحْوالِهِ.

ووَصْفُ الأهْوالِ الحاصِلَةِ عِنْدَ البَعْثِ مِن عَذابِ الطّاغِينَ مَعَ مُقابَلَةِ ذَلِكَ بِوَصْفِ نَعِيمِ المُؤْمِنِينَ.

وصِفَةُ يَوْمِ الحَشْرِ إنْذارًا لِلَّذِينَ جَحَدُوا بِهِ والإيماءُ إلى أنَّهم يُعاقَبُونَ بِعَذابٍ قَرِيبٍ قَبْلَ عَذابِ يَوْمِ البَعْثِ.

وأُدْمِجَ في ذَلِكَ أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، ومِن جُمْلَةِ الأشْياءِ أعْمالُ النّاسِ.