All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

ʿAbasa 80:6 Juzʾ 30 Page 585

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏

تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (أمّا) في سُورَةِ النّازِعاتِ أنَّها بِمَعْنى: مَهْما يَكُنْ شَيْءٌ، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ تَفْسِيرُهُ مَهْما يَكُنِ الَّذِي اسْتَغْنى فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى، أيْ: مَهْما يَكُنْ شَيْءٌ فالَّذِي اسْتَغْنى تَتَصَدّى لَهُ، والمَقْصُودُ: أنْتَ تَحْرِصُ عَلى التَّصَدِّي لَهُ، فَجُعِلَ مَضْمُونُ الجَوابِ وهو التَّصَدِّي لَهُ مُعَلَّقًا عَلى وُجُودِ مَنِ اسْتَغْنى ومُلازِمًا لَهُ مُلازَمَةَ التَّعْلِيقِ الشَّرْطِيِّ عَلى طَرِيقَةِ المُبالَغَةِ.

والِاسْتِغْناءُ: عَدُّ الشَّخْصِ نَفْسَهُ غَنِيًّا في أمْرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ: قَوْلٌ أوْ فِعْلٌ أوْ عِلْمٌ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْحُسْبانِ، أيْ: حَسِبَ نَفْسَهُ غَنِيًّا. وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ الِاسْتِغْناءُ في التَّكَبُّرِ والِاعْتِزازِ بِالقُوَّةِ.

فالمُرادُ بِـ (مَنِ اسْتَغْنى) هُنا: مَن عَدَّ نَفْسَهُ غَنِيًّا عَنْ هَدْيِكَ بِأنْ أعْرَضَ عَنْ قَبُولِهِ؛ لِأنَّهُ أجابَ قَوْلَ النَّبِيءِ ﷺ لَهُ (هَلْ تَرى بِما أقُولُ بَأْسًا، بِقَوْلِهِ: لا والدِّماءِ...) كِنايَةً عَلى أنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ يُرِيدُ ولَكِنِّي غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ.

ولَيْسَ المُرادُ بِـ (مَنِ اسْتَغْنى) مَنِ اسْتَغْنى بِالمالِ؛ إذْ لَيْسَ المَقامُ في إيثارِ صاحِبِ مالٍ عَلى فَقِيرٍ.
وهَذا الَّذِي تَصَدّى النَّبِيءُ ﷺ لِدَعْوَتِهِ وعَرَضَ القُرْآنَ عَلَيْهِ هو - عَلى أشْهَرِ الأقْوالِ المَرْوِيَّةِ عَنْ سَلَفِ المُفَسِّرِينَ - الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيُّ كَما تَقَدَّمَ.
والإتْيانُ بِضَمِيرِ المُخاطَبِ مُظْهَرًا قَبْلَ المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ دُونَ اسْتِتارِهِ في الفِعْلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّقَوِّي، كَأنَّهُ قِيلَ: تَتَصَدّى لَهُ تَصَدِّيًا. فَمَناطُ العِتابِ هو التَّصَدِّي القَوِيُّ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِلِاخْتِصاصِ، أيْ: فَأنْتَ لا غَيْرُكَ تَتَصَدّى لَهُ، أيْ: ذَلِكَ التَّصَدِّي لا يَلِيقُ بِكَ. وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِمْ: مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ، أيْ: لَوْ تَصَدّى لَهُ غَيْرُكَ لَكانَ هَوْنًا، فَأمّا أنْتَ فَلا يَتَصَدّى مِثْلُكَ لِمِثْلِهِ. فَمَناطُ العِتابِ هو أنَّهُ وقَعَ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ في جَلِيلِ قَدْرِهِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ التّاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ عَلى إدْغامِ إحْدى التّاءَيْنِ في الصّادِ. والباقُونَ بِالفَتْحِ وتَخْفِيفِ الصّادِ عَلى حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ.

والتَّصَدِّي: التَّعَرُّضُ، أُطْلِقَ هُنا عَلى الإقْبالِ الشَّدِيدِ مَجازًا.