All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Bayyinah 98:8 Juzʾ 30 Page 599

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏

تَذْيِيلٌ آتٍ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعْدِ لِلَّذِينِ آمَنُوا والوَعِيدِ لِلَّذِينِ كَفَرُوا بَيَّنَ بِهِ سَبَبَ العَطاءِ وسَبَبَ الحِرْمانِ، وهو خَشْيَةُ اللَّهِ تَعالى بِمَنطُوقِ الصِّلَةِ ومَفْهُومِها.

والإشارَةُ إلى الجَزاءِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ يَعْنِي: أنَّ السَّبَبَ الَّذِي أنالَهم ذَلِكَ الجَزاءَ هو خَشْيَتُهُمُ اللَّهَ، فَإنَّهم لَمّا خَشُوا اللَّهَ تَوَقَّعُوا غَضَبَهُ إذا لَمْ
يُصْغُوا إلى مَن يَقُولُ لَهم: إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم، فَأقْبَلُوا عَلى النَّظَرِ في دَلائِلِ صِدْقِ الرَّسُولِ فاهْتَدَوْا وآمَنُوا، وأمّا الَّذِينَ آثَرُوا حُظُوظَ الدُّنْيا، فَأعْرَضُوا عَنْ دَعْوَةِ رَسُولٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولَمْ يَتَوَقَّعُوا غَضَبَ مُرْسِلِهِ فَبَقُوا في ضَلالِهِمْ.
فَما صَدَقَ ﴿مَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ، واللّامُ لِلْمِلْكِ، أيْ: ذَلِكَ الجَزاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ خَشُوا رَبَّهم، فَإذا كانَ ذَلِكَ مِلْكًا لَهم لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنهُ مِلْكًا لِغَيْرِهِمْ، فَأفادَ حِرْمانَ الكَفَرَةِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم، وتَمَّ التَّذْيِيلُ.

وفِي ذِكْرِ الرَّبِّ هُنا دُونَ أنْ يُقالَ: ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ اللَّهَ - تَعْرِيضٌ بِأنَّ الكُفّارَ لَمْ يَرْعَوْا حَقَّ الرُّبُوبِيَّةِ إذا لَمْ يَخْشَوْا رَبَّهم فَهم عَبِيدُ سُوءٍ.

صفحة ٤٨٩
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ

سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في كَلامِ الصَّحابَةِ سُورَةَ (﴿إذا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١]) رَوى الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو نَزَلَتْ إذا زُلْزِلَتْ وأبُو بَكْرٍ قاعِدٌ فَبَكى الحَدِيثَ (١). وفي حَدِيثِ أنَسٍ بْنِ مالِكٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: «(﴿إذا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١]) تَعْدِلُ نِصْفَ القُرْآنِ». وكَذَلِكَ عَنْوَنَها البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ.

وسُمِّيَتْ في كَثِيرٍ مِن المَصاحِفِ، ومِن كُتُبِ التَّفْسِيرِ (سُورَةَ الزِّلْزالِ).

وسُمِّيَتْ في مُصْحَفٍ بِخَطٍّ كُوفِيٍّ قَدِيمٍ مِن مَصاحِفِ القَيْرَوانِ (زُلْزِلَتْ)، وكَذَلِكَ سَمّاها في الإتْقانِ في السُّوَرِ المُخْتَلِفِ في مَكانِ نُزُولِها، وكَذَلِكَ تَسْمِيَتُها في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ، ولَمْ يَعُدَّها في الإتْقانِ في عِدادِ السُّوَرِ ذَواتِ أكْثَرَ مِنِ اسْمٍ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَرَ هَذِهِ ألْقابًا لَها، بَلْ جَعَلَها حِكايَةَ بَعْضِ ألْفاظِها، ولَكِنَّ تَسْمِيَتَها سُورَةَ الزَّلْزَلَةِ تَسْمِيَةٌ بِالمَعْنى لا بِحِكايَةِ بَعْضِ كَلِماتِها.

واخْتُلِفَ فِيها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ والضَّحاكُ: هي مَكِّيَّةٌ. وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: مَدَنِيَّةٌ ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والأصَحُّ أنَّها مَكِّيَّةٌ واقْتَصَرَ عَلَيْهِ البَغَوِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ النَّيْسابُورِيُّ في تَفاسِيرِهِمْ. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنْ جابِرٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، ولَعَلَّهُ يَعْنِي: جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الصَّحابِيَّ؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، فَإنَّها مَعْدُودَةٌ في نَوْلِ السُّوَرِ المَدَنِيَّةِ فِيما رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: آخِرُها وهو ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الزلزلة: ٧] الآيَةَ. نَزَلَ في رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ اهـ. وسَتَعْلَمُ أنَّهُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ذَلِكَ.
وقَدْ عُدَّتِ الرّابِعَةَ والتِّسْعِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ فِيما رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ ونَظَمَهُ الجَعْبَرِيُّ وهو بِناءٌ عَلى أنَّها مَدَنِيَّةٌ جَعَلَها بَعْدَ سُورَةِ النِّساءِ وقَبْلَ سُورَةِ الحَدِيدِ.
وعَدَدُ آيِها تِسْعٌ عِنْدَ جُمْهُورِ أهْلِ العَدَدِ، وعَدَّها أهْلُ الكُوفَةِ ثَمانِيَ لِلِاخْتِلافِ في أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الزلزلة: ٦] آيَتانِ أوْ آيَةٌ واحِدَةٌ.

إثْباتُ البَعْثِ وذِكْرُ أشْراطِهِ وما يَعْتَرِيِ النّاسَ عِنْدَ حُدُوثِها مِنَ الفَزَعِ.
وحُضُورُ النّاسِ لِلْحَشْرِ وجَزائِهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وهو تَحْرِيضٌ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ واجْتِنابِ الشَّرِّ.