﴿ ﴾ ومِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ العَجِيبِ جَعَلْناكم. فالكافُ: لِلتَّشْبِيهِ، وذا: جَرٌّ بِالكافِ، واللامُ: لِلْفَرْقِ بَيْنَ الإشارَةِ إلى القَرِيبِ والإشارَةِ إلى البَعِيدِ، والكافُ: لِلْخِطابِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.
﴿ ﴾ خِيارًا. وقِيلَ لِلْخِيارِ: وسَطٌ، لِأنَّ الأطْرافَ يَتَسارَعُ إلَيْها الخَلَلُ، والأوْساطُ مَحْمِيَّةٌ، أيْ: كَما جَعَلْتُ قِبْلَتَكم خَيْرَ القِبَلِ جَعَلْتُكم خَيْرَ الأُمَمِ، وعِلَّةُ الجَعْلِ أيْ: لِتَعْلَمُوا بِالتَأمُّلِ فِيما نُصِبَ لَكم مِنَ الحُجَجِ، وأنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ أنَّهُ تَعالى ما بَخِلَ عَلى أحَدٍ وما ظَلَمَ، بَلْ أوْضَحَ السُبُلَ، وأرْسَلَ الرُسُلَ فَبَلَّغُوا ونَصَحُوا، ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا حَمَلَهُمُ الشَقاءُ عَلى اتِّباعِ الشَهَواتِ، والإعْراضِ عَنِ الآياتِ فَتَشْهَدُونَ بِذَلِكَ عَلى مُعاصِرِيكم وعَلى الَّذِينَ قَبْلَكم وبَعْدَكم. أوْ عُدُولًا، لِأنَّ الوَسَطَ عَدْلٌ بَيْنَ الأطْرافِ، لَيْسَ إلى بَعْضِها أقْرَبُ مِن بَعْضٍ، أيْ: كَما جَعَلْنا قِبْلَتَكم مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا بَيْنَ الغُلُوِّ والتَقْصِيرِ، فَإنَّكم لَمْ تَغْلُوا غُلُوَّ النَصارى حَيْثُ وصَفُوا المَسِيحَ بِالأُلُوهِيَّةِ، ولَمْ تُقَصِّرُوا تَقْصِيرَ اليَهُودِ حَيْثُ وصَفُوا مَرْيَمَ بِالزِنا، وعِيسى بِأنَّهُ ولَدُ الزِنا ﴿ ﴾ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِمَكانِ ألِفِ التَأْنِيثِ ﴿ ﴾ صِلَةُ شُهَداءَ ﴿ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿﴾ رُوِيَ أنَّ الأُمَمَ يَوْمَ القِيامَةِ يَجْحَدُونَ تَبْلِيغَ الأنْبِياءِ، فَيُطالِبُ اللهُ الأنْبِياءَ البَيِّنَةَ عَلى أنَّهم قَدْ بَلَّغُوا -وَهُوَ أعْلَمُ- فَيُؤْتى بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَشْهَدُونَ، فَيَقُولُ الأُمَمُ: مِن أيْنَ عَرَفْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: عَلِمْنا ذَلِكَ بِإخْبارِ اللهِ تَعالى في كِتابِهِ الناطِقِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ الصادِقِ، فَيُؤْتى بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَيُسْألُ عَنْ حالِ أُمَّتِهِ، فَيُزَكِّيهِمْ، ويَشْهَدُ بِعَدالَتِهِمْ. والشَهادَةُ قَدْ تَكُونُ بِلا مُشاهَدَةٍ، كالشَهادَةِ بِالتَسامُعِ في الأشْياءِ المَعْرُوفَةِ، ولَمّا كانَ الشَهِيدُ كالرَقِيبِ جِيءَ بِكَلِمَةِ الِاسْتِعْلاءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ﴾ [المائِدَةُ: ١١٧] وقِيلَ: ﴿ ﴾ في الدُنْيا فِيما لا يَصِحُّ إلّا بِشَهادَةِ العُدُولِ (p-١٣٨)الأخْيارِ ﴿ ﴾ يُزَكِّيكُمْ، ويَعْلَمُ بِعَدالَتِكم. واسْتَدَلَّ الشَيْخُ أبُو مَنصُورٍ -رَحِمَهُ اللهُ- بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ، لِأنَّ اللهَ تَعالى وصَفَ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالعَدالَةِ، والعَدْلُ: هو المُسْتَحِقُّ لِلشَّهادَةِ وقَبُولِها. فَإذا اجْتَمَعُوا عَلى شَيْءٍ، وشَهِدُوا بِهِ لَزِمَ قَبُولُهُ. وأُخِّرَتْ صِلَةُ الشَهادَةِ أوَّلًا وقُدِّمَتْ آخِرًا، لِأنَّ المُرادَ في الأوَّلِ إثْباتُ شَهادَتِهِمْ عَلى الأُمَمِ، وفي الآخِرِ اخْتِصاصُهم بِكَوْنِ الرَسُولِ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ ﴿ ﴾ أيْ: ﴿ ﴾ الجِهَةَ ﴿ ﴾ وهي الكَعْبَةُ. فالَّتِي كُنْتَ عَلَيْها لَيْسَتْ بِصِفَةٍ لِلْقِبْلَةِ، بَلْ هي ثانِي مَفْعُولَيْ جَعَلَ. رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ إلى الكَعْبَةِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالصَلاةِ إلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، تَأْلِيفًا لِلْيَهُودِ، ثُمَّ حُوِّلَ إلى الكَعْبَةِ. » [وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ نَسْخِ السُنَّةِ بِالكِتابِ بِخِلافِ ما يَقُولُهُ الشافِعِيُّ، لِأنَّ التَوَجُّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ ثَبَتَ بِوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ وقَدْ نُسِخَ بِالكِتابِ] ﴿ ﴾ أيْ: ﴿ ﴾ الَّتِي تُحِبُّ أنْ تَسْتَقْبِلَها، الجِهَةَ ﴿ ﴾ أوَّلًا بِمَكَّةَ، إلّا امْتِحانًا لِلنّاسِ وابْتِلاءً، لِنَعْلَمَ الثابِتَ عَلى الإسْلامِ الصادِقَ فِيهِ مِمَّنْ هو عَلى حَرْفٍ يَنْكِصُ ﴿ ﴾ لِقَلَقِهِ يَرْجِعُ فَيَرْتَدُّ عَنِ الإسْلامِ عِنْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ. قالَ الشَيْخُ أبُو مَنصُورٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿﴾ أيْ: لِنَعْلَمَ كائِنًا أوْ مَوْجُودًا ما قَدْ عَلِمْناهُ أنَّهُ يَكُونُ ويُوجَدُ. فاللهُ تَعالى عالِمٌ في الأزَلِ بِكُلِّ ما أرادَ وُجُودَهُ، أنَّهُ يُوجَدُ في الوَقْتِ الَّذِي شاءَ وُجُودَهُ فِيهِ. ولا يُوصَفُ بِأنَّهُ عالِمٌ في الأزَلِ بِأنَّهُ مَوْجُودٌ كائِنٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ في الأزَلِ فَكَيْفَ يَعْلَمُهُ مَوْجُودًا؟ فَإذا صارَ مَوْجُودًا يَدْخُلُ تَحْتَ عِلْمِهِ الأزَلِيِّ فَيَصِيرُ مَعْلُومًا لَهُ مَوْجُودًا كائِنًا. والتَغَيُّرُ عَلى المَعْلُومِ لا عَلى العِلْمِ. أوْ لِتُمَيِّزِ التابِعِ مِنَ الناكِصِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ ﴾ [الأنْفالُ: ٣٧] فَوُضِعَ العِلْمُ مَوْضِعَ التَمَيُّزِ، لِأنَّ العِلْمَ بِهِ يَقَعُ التَمَيُّزُ، أوْ لِيَعْلَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ والمُؤْمِنُونَ. وإنَّما أسْنَدَ عِلْمَهم إلى ذاتِهِ، لِأنَّهم (p-١٣٩)خَواصُّهُ، أوْ هو عَلى مُلاطَفَةِ الخِطابِ لِمَن لا يَعْلَمُ، كَقَوْلِكَ لِمَن يُنْكِرُ ذَوْبَ الذَهَبِ: فَلْنُلْقِهِ في النارِ لِنَعْلَمَ أيَذُوبُ؟ ﴿ ﴾ أيِ:التَحْوِيلَةُ، أوِ الجَعْلَةُ، أوِ القِبْلَةُ. وإنْ هي المُخَفَّفَةُ ﴿﴾ أيْ: ثَقِيلَةٌ شاقَّةٌ، وهي خَبَرُ كانَ، واللامُ فارِقَةٌ.
﴿ ﴾ أيْ: هَداهُمُ اللهُ، فَحَذَفَ العائِدَ، أيْ: إلّا عَلى الثابِتِينَ الصادِقِينَ في اتِّباعِ الرَسُولِ ﴿ ﴾ أيْ: صَلاتُكم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، سَمّى الصَلاةَ إيمانًا، لِأنَّ وُجُوبَها عَلى أهْلِ الإيمانِ، وقَبُولِها مِن أهْلِ الإيمانِ، وأداؤُها فى الجَماعَةِ دَلِيلُ الإيمانِ، لَمّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى الكَعْبَةِ قالُوا: كَيْفَ بِمَن ماتَ قَبْلَ التَحْوِيلِ مِن إخْوانِنا؟ فَنَزَلَتْ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ ﴾ مَهْمُوزٌ مُشْبَعٌ، حِجازِيٌّ، وشامِيٌّ، وحَفْصٌ. (رَؤُفٌ) غَيْرُهم بِوَزْنِ فَعُلٍ، وهُما لِلْمُبالَغَةِ.
﴿﴾ لا يُضِيعُ أُجُورَهُمْ، والرَأْفَةُ أشَدُّ مِنَ الرَحْمَةِ، وجَمَعَ بَيْنَهُما كَما في ﴿ ﴾ [الفاتِحَةُ: ٣].