All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Anbiyāʾ 21:3 Juzʾ 17 Page 322

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏

جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنبياء: ١] إلى آخِرِها؛ لِأنَّ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مَسُوقَةٌ لِذِكْرِ أحْوالِ تَلَقِّي المُشْرِكِينَ لِدَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ والبُهْتانِ والتَّآمُرِ عَلى رَفْضِها. فالَّذِينَ ظَلَمُوا هُمُ المُرادُ بِالنّاسِ كَما تَقَدَّمَ، وواوُ الجَماعَةِ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمائِرُ الغَيْبَةِ الرّاجِعَةُ إلى ”لِلنّاسِ“ ولَيْسَتْ جُمْلَةُ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنبياء: ٢]؛ لِأنَّ مَضْمُونَها لَيْسَ في مَعْنى التَّقْيِيدِ لِما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ.
و”الَّذِينَ ظَلَمُوا“ بَدَلٌ مِن واوِ الجَماعَةِ؛ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ أنَّهُمُ المَقْصُودُ مِنَ النَّجْوى؛ ولِما في المَوْصُولِ مِنَ الإيماءِ إلى سَبَبِ تَناجِيهِمْ بِما ذُكِرَ وأنَّ سَبَبَ ذَلِكَ كُفْرُهم وظُلْمُهم أنْفُسَهم، ولِلنِّداءِ عَلى قُبْحِ ما هم مُتَّصِفُونَ بِهِ. وجُمْلَةُ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بَدَلٌ مِنَ ”النَّجْوى“؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو ما تَناجَوْا بِهِ. فَهو بَدَلٌ مُطابِقٌ. ولَيْسَتْ هي كَجُمْلَةِ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [طه: ٦٣] مِن جُمْلَةِ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [طه: ٦٢] في سُورَةِ طَهَ، فَإنَّ تِلْكَ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ هو آخِرُ ما أسْفَرَتْ عَلَيْهِ النَّجْوى.
ووَجْهُ إسْرارِهِمْ بِذَلِكَ الكَلامِ قَصْدُهم أنْ لا يَطَّلِعَ المُسْلِمُونَ عَلى ما تَآمَرُوا بِهِ؛ لِئَلّا يَتَصَدّى الرَّسُولُ ﷺ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ حُجَّتَهم في ذَلِكَ واهِيَةٌ، يَرُومُونَ بِها أنْ يُضَلِّلُوا الدَّهْماءَ، أوْ أنَّهم أسَرُّوا بِذَلِكَ لِفَرِيقٍ رَأوْا مِنهم مَخائِلَ التَّصْدِيقِ لِما جاءَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ لَمّا تَكاثَرَ بِمَكَّةَ الَّذِينَ أسْلَمُوا، فَخَشَوْا أنْ يَتَتابَعَ دُخُولُ النّاسِ في الإسْلامِ، فاخْتَلُوا بِقَوْمٍ ما زالُوا عَلى الشِّرْكِ وناجَوْهم بِذَلِكَ لِيُدْخِلُوا الشَّكَّ في قُلُوبِهِمْ.

والنَّجْوى: المُحادَثَةُ الخَفِيَّةُ. والإسْرارُ: هو الكِتْمانُ والكَلامُ الخَفِيُّ جِدًّا. وقَدْ تَقَدَّمَ الجَمْعُ بَيْنَهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [التوبة: ٧٨] في سُورَةِ بَراءَةَ، وتَقَدَّمَ وجْهُ جَعْلِ النَّجْوى مَفْعُولًا لِـ ”أسَرُّوا“ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ في ”سُورَةِ طَهَ“، أيْ جَعَلُوا نَجْواهم مَقْصُودَةً بِالكِتْمانِ، وبالَغُوا في إخْفائِها؛ لِأنَّ شَأْنَ التَّشاوُرِ في المُهِمِّ كِتْمانُهُ؛ كَيْلا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ المُخالِفُ فَيُفْسِدَهُ.

والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إنْكارِيٌّ يَقْتَضِي أنَّهم خاطَبُوا مَن قارَبَ أنْ يُصَدِّقَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أيْ فَكَيْفَ تُؤْمِنُونَ بِنُبُوءَتِهِ وهو أحَدٌ مِنكم.
وكَذَلِكَ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إنْكارِيٌّ، وأرادَ بِالسِّحْرِ الكَلامَ الَّذِي يَتْلُوهُ عَلَيْكم. والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا كانَ بَشَرًا مِثْلَكم فَما تَصْدِيقُكم لِنُبُوءَتِهِ إلّا مِن أثَرِ سِحْرٍ سَحَرَكم بِهِ، فَتَأْتُونَ السِّحْرَ بِتَصْدِيقِكم بِما يَدْعُوكم إلَيْهِ.
وأُطْلِقَ الإتْيانُ عَلى القَبُولِ والمُتابَعَةِ عَلى طَرِيقِ المَجازِ أوِ الِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّ الإتْيانَ لِشَيْءٍ يَقْتَضِي الرَّغْبَةَ فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالإتْيانِ هُنا حُضُورُ النَّبِيءِ ﷺ لِسَماعِ دَعْوَتِهِ، فَجَعَلُوهُ إتْيانًا؛ لِأنَّ غالِبَ حُضُورِ المَجالِسِ أنْ يَكُونَ بِإتْيانٍ إلَيْها، وجَعَلُوا كَلامَهُ سِحْرًا؛ فَنَهَوْا مَن ناجَوْهم عَنِ الِاسْتِماعِ إلَيْهِ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [فصلت: ٢٦] في سُورَةِ فُصِّلَتْ.

وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ تَأْتُونَ السِّحْرَ وبَصَرُكم سَلِيمٌ، وأرادُوا بِهِ العِلْمَ البَدِيهِيَّ، فَعَبَّرُوا عَنْهُ بِالبَصَرِ؛ لِأنَّ المُبْصَراتِ لا يَحْتاجُ إدْراكُها إلى تَفْكِيرٍ.