All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Ṣād 38:2 Juzʾ 23 Page 453

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ و(بَلِ) لِلْإضْرابِ الإبْطالِيِّ وهَذا نَوْعٌ مِنَ الإضْرابِ الإبْطالِيِّ نَبَّهَ عَلَيْهِ الرّاغِبُ في مُفْرَداتِ القُرْآنِ وأشارَ إلَيْهِ في الكَشّافِ، وتَحْرِيرُهُ أنَّهُ لَيْسَ إبْطالًا مَحْضًا لِلْكَلامِ السّابِقِ بِحَيْثُ يَكُونُ حَرْفُ (بَلْ) فِيهِ بِمَنزِلَةِ حَرْفِ النَّفْيِ كَما هو غالِبُ الإضْرابِ الإبْطالِيِّ، ولا هو إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ، ولَكِنَّ هَذا إبْطالٌ لِتَوَهُّمٍ يَنْشَأُ عَنِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ إذْ دَلَّ وصْفُ القُرْآنِ بِ ”‏‏ ‏‏‏‏ [ص: ١]“ أنَّ القُرْآنَ مُذَكِّرٌ سامِعِيهِ تَذْكِيرًا ناجِعًا، فَعَقَّبَ بِإزالَةِ تَوَهُّمِ مَن يَتَوَهَّمُ أنَّ عَدَمَ تَذَكُّرِ الكُفّارِ لَيْسَ لِضَعْفٍ في تَذْكِيرِ القُرْآنِ ولَكِنْ لِأنَّهم مُتَعَزِّزُونَ مُشاقُّونَ، فَحَرْفُ (بَلِ) في مِثْلِ هَذا بِمَنزِلَةِ حَرْفِ الِاسْتِدْراكِ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَحْقِيقُ أنَّهُ ذُو ذِكْرٍ، وإزالَةُ الشُّبْهَةِ الَّتِي قَدْ تَعْرِضُ في ذَلِكَ.

ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ [ق: ١] ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [ق: ٢]، أيْ
لَيْسَ امْتِناعُهم مِنَ الإيمانِ بِالقُرْآنِ لِنَقْصٍ في عُلُوِّهِ ومَجْدِهِ ولَكِنْ لِأنَّهم عَجِبُوا أنْ جاءَهم بِهِ رَجُلٌ مِنهم.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (بَلِ) إضْرابَ انْتِقالٍ مِنَ الشُّرُوعِ في التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ إلى بَيانِ سَبَبِ إعْراضِ المُعْرِضِينَ عَنْهُ؛ لِأنَّ في بَيانِ ذَلِكَ السَّبَبِ تَحْقِيقًا لِلتَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ كَما يُقالُ: دَعْ ذا وخُذْ في حَدِيثٍ..، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

فَدَعْ ذا وسَلِّ الهَمَّ عَنْكَ بِجَسْرَةٍ ذُمُولٍ إذا صامَ النَّهارُ وهَجَّرا
وقالَ زُهَيْرٌ:

دَعْ ذا وعَدِّ القَوْلَ في هَرَمٍ ∗∗∗ خَيْرِ البُداةِ وسَيِّدِ الحَضَرِ
وقَوْلِ الأعْشى:

فَدَعْ ذا ولَكِنْ ما تَرى رَأْيَ كاشِحٍ ∗∗∗ يَرى بَيْنَنا مِن جَهْلِهِ دَقَّ مَنشَمِ
وقَوْلِ العَجّاجِ:

دَعْ ذا وبَهِّجْ حَسَبًا مُبَهَّجا
ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ الكَلامَ أخَذَ في الثَّناءِ عَلى القُرْآنِ ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما هو أهَمُّ وهو بَيانُ سَبَبِ إعْراضِ المُعْرِضِينَ عَنْهُ لِاعْتِزازِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ وشِقاقِهِمْ، فَوَقَعَ العُدُولُ عَنْ جَوابِ القَسَمِ اسْتِغْناءً بِما يُفِيدُ مُفادَ ذَلِكَ الجَوابِ.
وإنَّما قِيلَ ”الَّذِينَ كَفَرُوا“ دُونَ (الكافِرُونَ) لِما في صِلَةِ المَوْصُولِ مِنَ الإيماءِ إلى الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم في عِزَّةٍ وشِقاقٍ. والعِزَّةُ تَحُومُ إطْلاقاتُها في الكَلامِ حَوْلَ مَعانِي المَنَعَةِ والغَلَبَةِ والتَّكَبُّرِ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ جارِيًا عَلى أسْبابٍ واقِعَةٍ فَهي العِزَّةُ الحَقِيقِيَّةُ، وإنْ كانَ عَنْ غُرُورٍ وإعْجابٍ بِالنَّفْسِ فَهي عِزَّةٌ مُزَوَّرَةٌ، قالَ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٠٦]، أيْ أخَذَتْهُ الكِبْرِياءُ وشِدَّةُ العِصْيانِ، وهي هُنا عِزَّةٌ باطِلَةٌ أيْضًا لِأنَّها إباءٌ مِنَ الحَقِّ وإعْجابٌ بِالنَّفْسِ. وضِدُّ العِزَّةِ الذِّلَّةُ، قالَ تَعالى ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [المائدة: ٥٤] وقالَ السَّمَوْألُ أوْ غَيْرُهُ:

وما ضَرَّنا أنّا قَلِيلٌ وجارُنا ∗∗∗ عَزِيزٌ وجارُ الأكْثَرِينَ ذَلِيلُ
و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ مُسْتَعارَةٌ لِقُوَّةِ التَّلَبُّسِ بِالعِزَّةِ. والمَعْنى: مُتَلَبِّسُونَ بِعِزَّةٍ عَلى الحَقِّ.
والشِّقاقُ: العِنادُ والخِصامُ. والمُرادُ: وشِقاقٌ لِلَّهِ بِالشِّرْكِ ولِرَسُولِهِ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ. والمَعْنى: أنَّ الحائِلَ بَيْنَهم وبَيْنَ التَّذْكِيرِ بِالقُرْآنِ هو ما في قَرارَةِ نُفُوسِهِمْ مِنَ العِزَّةِ والشِّقاقِ.