All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Ṣād 38:3 Juzʾ 23 Page 453

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ العِزَّةَ عَنِ الحَقِّ والشِّقاقَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ﷺ مِمّا يُثِيرُ في خاطِرِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ عَنْ جَزاءِ ذَلِكَ فَوَقَعَ هَذا بَيانًا لَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ص: ٢]، وبَيْنَ جُمْلَةِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ص: ٤].

وكانَ هَذا البَيانُ إخْبارًا مُرْفَقًا بِحُجَّةٍ مِن قَبِيلِ قِياسِ تَمْثِيلٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ”مِن قَبْلِهِمْ“ يُؤْذِنُ بِأنَّهم مِثْلُهم في العِزَّةِ والشِّقاقِ، ومُتَضَمِّنًا تَحْذِيرًا مِنَ التَّرَيُّثِ عَنْ إجابَةِ دَعْوَةِ الحَقِّ، أيْ يَنْزِلُ بِهِمُ العَذابُ فَلا يَنْفَعُهم نَدَمٌ ولا مَتابٌ كَما لَمْ يَنْفَعِ القُرُونَ مِن قَبْلِهِمْ. فالتَّقْدِيرُ: سَيُجازَوْنَ عَلى عِزَّتِهِمْ وشِقاقِهِمْ بِالهَلاكِ كَما جُوزِيَتْ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ مِن قَبْلِهِمْ في ذَلِكَ، فَلْيَحْذَرُوا ذَلِكَ فَإنَّهم إنْ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ لَمْ يَنْفَعْهم مَتابٌ كَما لَمْ يَنْفَعِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مَتابٌ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ.

و(كَمْ) اسْمٌ دالٌّ عَلى عَدَدٍ كَثِيرٍ. و”مِن قَرْنٍ“ تَمْيِيزٌ لِإبْهامِ العَدَدِ، أيْ: عَدَدًا كَثِيرًا مِنَ القُرُونِ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالمَفْعُولِيَّةِ لِ ”أهْلَكْنا“.

والقَرْنُ: الأُمَّةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المؤمنون: ٤٢]، و”مِن قَبْلِهِمْ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا جُعِلَ صِفَةً لِ ”قَرْنٍ“ مُقَدَّمَةً عَلَيْهِ فَوَقَعَتْ حالًا، وإنَّما قُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِهِ لِيُفِيدَ الِاهْتِمامَ إيماءً إلى أنَّهم أُسْوَةٌ لَهم في العِزَّةِ والشِّقاقِ وأنَّ ذَلِكَ سَبَبُ إهْلاكِهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِ ”أهْلَكْنا“ عَلى أنَّهُ ظَرْفُ لَغْوٍ، وقُدِّمَ عَلى مَفْعُولِ فِعْلِهِ
مَعَ أنَّ المَفْعُولَ أوْلى بِالسَّبْقِ مِن بَقِيَّةِ مَعْمُولاتِ الفِعْلِ لِيَكُونَ تَقْدِيمُهُ اهْتِمامًا بِهِ إيماءً إلى الإهْلاكِ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ.
وفَرَّعَ عَلى الإهْلاكِ أنَّهم نادَوْا فَلَمْ يَنْفَعْهم نِداؤُهم، تَحْذِيرًا مِن أنْ يَقَعَ هَؤُلاءِ في مِثْلِ ما وقَعَتْ فِيهِ القُرُونُ مِن قَبْلِهِمْ إذْ أضاعُوا الفُرْصَةَ فَنادَوْا بَعْدَ فَواتِها فَلَمْ يُفِدْهم نِداؤُهم ولا دُعاؤُهم.

والمُرادُ بِالنِّداءِ في ”فَنادَوْا“ نِداؤُهُمُ اللَّهَ تَعالى تَضَرُّعًا، وهو الدُّعاءُ كَما حُكِيَ عَنْهم في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الدخان: ١٢].

وقَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المؤمنون: ٦٤].

وجُمْلَةُ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ في مَوْضِعِ الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ، أيْ نادَوْا في حالٍ لا حِينَ مَناصٍ لَهم.

و(لاتَ) حَرْفُ نَفْيٍ بِمَعْنى لا المُشَبَّهَةِ بِ (لَيْسَ)، و(لاتَ) حَرْفٌ مُخْتَصٌّ بِنَفْيِ أسْماءِ الأزْمانِ وما يَتَضَمَّنُ مَعْنى الزَّمانِ مِن إشارَةٍ ونَحْوِها.

وهِيَ مُرَكَّبَةٌ مِن (لا) النّافِيَةِ وُصِلَتْ بِها تاءٌ زائِدَةٌ لا تُفِيدُ تَأْنِيثًا لِأنَّها لَيْسَتْ هاءً وإنَّما هي كَزِيادَةِ التّاءِ في قَوْلِهِمْ: رُبَّتْ وثُمَّتْ.

والنَّفْيُ بِها لِغَيْرِ الزَّمانِ ونَحْوِهِ خَطَأٌ في اللُّغَةِ وقَعَ فِيهِ أبُو الطَّيِّبِ إذْ قالَ:

لَقَدْ تَصَبَّرْتُ حَتّى لاتَ مُصْطَبَرٍ والآنَ أُقْحِمُ حَتّى لاتَ مُقْتَحَمِ
وأغْفَلَ شارِحُو دِيوانِهِ كُلُّهم وقَدْ أدْخَلَ (لاتَ) عَلى غَيْرِ اسْمِ زَمانٍ.
وأيًّا ما كانَ فَقَدْ صارَتْ (لا) بِلُزُومِ زِيادَةِ التّاءِ في آخِرِها حَرْفًا مُسْتَقِلًّا خاصًّا بِنَفْيِ أسْماءِ الزَّمانِ فَخَرَجَتْ عَنْ نَحْوِ: رُبَّتْ وثُمَّتْ.

وزَعَمَ أبُو عُبَيدٍ القاسِمُ بْنُ سَلامٍ أنَّ التّاءَ في ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ مُتَّصِلَةٌ بِ ”حِينَ“ وأنَّهُ رَآها في مَصاحِفَ عُثْمانَ مُتَّصِلَةً بِ ”حِينَ“ وزَعَمَ أنَّ هَذِهِ التّاءَ
تَدْخُلُ عَلى: حِينٍ وأوانٍ وآنٍ، يُرِيدُ أنَّ التّاءَ لاحِقَةٌ لِأوَّلِ الِاسْمِ الَّذِي بَعْدَ (لا) ولَكِنَّهُ لَمْ يُفَسِّرْ لِدُخُولِها مَعْنًى. وقَدِ اعْتَذَرَ الأيِمَّةُ عَنْ وُقُوعِ التّاءِ مُتَّصِلَةً بِ (حِينَ) في بَعْضِ نُسَخِ المُصْحَفِ الإمامِ بِأنَّ رَسْمَ المُصْحَفِ قَدْ يُخالِفُ القِياسَ، عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يُوجَدُ في غَيْرِ المُصْحَفِ الَّذِي رَآهُ أبُو عُبَيدٍ مِنَ المَصاحِفِ المُعاصِرَةِ لِذَلِكَ المُصْحَفِ والمَرْسُومَةِ بَعْدَهُ.
والمَناصُ: النَّجاءُ والفَوْتُ، وهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، يُقالُ: ناصَّهُ، إذا فاتَهُ.

والمَعْنى: فَنادَوْا مُبْتَهِلِينَ في حالٍ لَيْسَ وقْتَ نَجاءٍ وفَوْتٍ، أيْ قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ الهَلاكُ كَما قالَ تَعالى ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [غافر: ٨٥].