All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Ḥujurāt 49:17 Juzʾ 26 Page 517

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ أُرِيدَ بِهِ إبْطالُ ما أظْهَرَهُ بَنُو أسَدٍ لِلنَّبِيءِ ﷺ مِن مَزِيَّتِهِمْ إذْ أسْلَمُوا مِن دُونِ إكْراهٍ بِغَزْوٍ.

والمَنُّ: ذِكْرُ النِّعْمَةِ والإحْسانِ لِيُراعِيَهُ المُحْسَنُ إلَيْهِ لِلذّاكِرِ، وهو يَكُونُ صَرِيحًا مِثْلَ قَوْلِ سَبْرَةَ بْنِ عَمْرٍو الفَقْعَسِيِّ:

أتَنْسى دِفاعِي عَنْكَ إذْ أنْتَ مُسْلَمٌ وقَدْ سالَ مِن ذُلٍّ عَلَيْكَ قَراقِرُ

ويَكُونُ بِالتَّعْرِيضِ بِأنْ يَذْكُرَ المانُّ مِن مُعامَلَتِهِ مَعَ المَنُونِ عَلَيْهِ ما هو نافِعُهُ مَعَ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ مُجَرَّدَ الإخْبارِ مِثْلَ قَوْلِ الرّاعِي مُخاطِبًا عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ:

فَآزَرَتُ آلَ أبِي خُبَيْبٍ وافِدًايَوْمًا أُرِيدَ لِبَيْعَتِي تَبْدِيلا

أبُو خُبَيْبٍ: كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ.

وكانَتْ مَقالَةُ بَنِي أسَدٍ مُشْتَمِلَةً عَلى النَّوْعَيْنِ مِنَ المَنِّ لِأنَّهم قالُوا ولَمْ نُقاتِلْكَ كَما قاتَلَكَ مُحارِبٌ وغَطَفانُ وهَوازِنُ وقالُوا: وجِئْناكَ بِالأثْقالِ والعِيالِ.

و”أنْ أسْلَمُوا“ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ التَّعْدِيَةِ، يُقالُ: مَنَّ عَلَيْهِ
بِكَذا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم إلّا أنَّ الأوَّلَ مُطَّرِدٌ مَعَ (أنْ) و(أنْ) والثّانِي سَماعِيٌّ وهو كَثِيرٌ.
وهم قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ: ”آمَنّا“ كَما حَكاهُ اللَّهُ آنِفًا، وسَمّاهُ هُنا إسْلامًا لِقَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الحجرات: ١٤] أيْ أنَّ ما مَنَّوْا بِهِ عَلَيْكَ إسْلامٌ لا إيمانٌ.

وأُثْبِتَ بِحَرْفِ (بَلْ) أنَّ ما مَنَّوْا بِهِ إنْ كانَ إسْلامًا حَقًّا مُوافِقًا لِلْإيمانِ فالمِنَّةُ لِلَّهِ لِأنْ هَداهم إلَيْهِ فَأسْلَمُوا عَنْ طَواعِيَةٍ.

وسَمّاهُ الآنَ إيمانًا مُجاراةً لِزَعْمِهِمْ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ كَوْنِ المِنَّةِ لِلَّهِ فَمُناسَبَةُ مُسابَرَةِ زَعْمِهِمْ أنَّهم آمَنُوا، أيْ لَوْ فُرِضَ أنَّكم آمَنتُمْ كَما تَزْعُمُونَ فَإنَّ إيمانَكم نِعْمَةٌ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْكم.

ولِذَلِكَ ذَيَّلَهُ بِقَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فَنَفى أوَّلًا أنْ يَكُونَ ما يَمُنُّونَ بِهِ حَقًّا، ثُمَّ أفادَ ثانِيًا أنْ يَكُونَ الفَضْلُ فِيما ادَّعَوْهُ لَهم لَوْ كانُوا صادِقِينَ بَلْ هو فَضْلُ اللَّهِ.

وقَدْ أُضِيفَ إسْلامٌ إلى ضَمِيرِهِمْ لِأنَّهم أتَوْا بِما يُسَمّى إسْلامًا لِقَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الحجرات: ١٤].

وأُتِيَ بِالإيمانِ مُعَرَّفًا بِلامِ الجِنْسِ لِأنَّهُ حَقِيقَةٌ في حَدِّ ذاتِهِ وأنَّهم مُلابِسُوها.

وجِيءَ بِالمُضارِعِ في يَمُنُّونَ مَعَ أنَّ مَنَّهم بِذَلِكَ حَصَلَ فِيما مَضى لِاسْتِحْضارِ حالَةِ مَنِّهِمْ كَيْفَ يَمُنُّونَ بِما لَمْ يَفْعَلُوا مِثْلَ المُضارِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢١٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجِيءَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِأنَّهُ مَنٌّ مَفْرُوضٌ لِأنَّ المَمْنُونَ بِهِ لَمّا يَقَعْ.

وفِيهِ مِنَ الإيذانِ بِأنَّهُ سَيَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِالإيمانِ ما في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الحجرات: ١٤]، وهَذا مِنَ التَّفَنُّنِ البَدِيعِ في الكَلامِ لِيَضَعَ السّامِعَ مَعَ كُلِّ فَنٍّ مِنهُ في قَرارِهِ، ومِثْلُهم مَن يَتَفَطَّنُ لِهَذِهِ الخَصائِصِ.

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ التَّقْوِيَةِ مِثْلُ: هو يُعْطِي الجَزِيلَ، كَما مَثَّلَ بِهِ عَبْدُ القاهِرِ.