All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

At-Taghābun 64:6 Juzʾ 28 Page 556

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ارْتِقاءٌ في التَّعْرِيضِ إلى ضَرْبٍ مِنهُ قَرِيبٍ مِنَ الصَّرِيحِ. وهو المُسَمّى في الكِنايَةِ بِالإشارَةِ. كانَتْ مَقالَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ مُماثِلَةً لِمَقالَةِ المُخاطَبِينَ فَإذا كانَتْ هي سَبَبُ ما ذاقُوهُ مِنَ الوَبالِ فَيُوشِكُ أنْ يَذُوقَ مُماثِلُوهم في المَقالَةِ مِثْلَ ذَلِكَ الوَبالِ.

فاسْمُ الإشارَةِ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ مِنَ الوَبالِ والعَذابِ الألِيمِ.

فَهَذا عَدٌّ لِكُفْرٍ آخَرَ مِن وُجُوهِ كُفْرِهِمْ وهو تَكْذِيبُهُمُ الرَّسُولَ ﷺ وتَكْذِيبُهم بِالقُرْآنِ فَإنَّ القُرْآنَ بَيِّنَةٌ مِنَ البَيِّناتِ لِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ.
والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ في مَوْقِعِ العِلَّةِ. والضَّمِيرُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ لِقَصْدِ تَهْوِيلِ ما يُفَسِّرُ الضَّمِيرُ، وهو جُمْلَةُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إلى آخِرِها.
والِاسْتِفْهامُ في (‏‏‏‏) اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وإبْطالٍ فَهم أحالُوا أنْ يَكُونَ بَشَرٌ مِثْلُهم يَهْدُونَ بَشَرًا أمْثالَهم، وهَذا مِن جَهْلِهِمْ بِمَراتِبِ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ ومَن يَصْطَفِيهِ اللَّهُ مِنها، ويَخْلُقُهُ مُضْطَلِعًا بِتَبْلِيغِ رِسالَتِهِ إلى عِبادِهِ. كَما قالَ ﴿وقالُوا ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧] وجَهِلُوا أنَّهُ لا يَصْلُحُ لِإرْشادِ النّاسِ إلّا مَن هو مِن نَوْعِهِمْ قالَ تَعالى ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الإسراء: ٩٥] ولَمّا أحالُوا أنْ يَكُونَ البَشَرُ أهْلًا لِهِدايَةِ بَشَرٍ مِثْلِهِ جَعَلُوا ذَلِكَ كافِيًا في إعْراضِهِمْ عَنْ قَبُولِ القُرْآنِ والتَّدَبُّرِ فِيهِ.

والبَشَرُ: اسْمُ جِنْسٍ لِلْإنْسانِ يَصْدُقُ عَلى الواحِدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الكهف: ١١٠] ويُقالُ عَلى الجَمْعِ كَما هُنا. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [يوسف: ٣١] في سُورَةِ يُوسُفَ وفي سُورَةِ مَرْيَمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [مريم: ١٧].

وتَنْكِيرُ (﴿بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧]) لِلنَّوْعِيَّةِ لِأنَّ مَحَطَّ الإنْكارِ عَلى كَوْنِهِمْ يَهْدُونَهم، وهو نَوْعُ البَشَرِيَّةِ.

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِقَصْدِ تَقَوِّي حُكْمِ الإنْكارِ، وما قالُوا ذَلِكَ حَتّى اعْتَقَدُوهُ فَلِذَلِكَ أقْدَمُوا عَلى الكُفْرِ بِرُسُلِهِمْ إذْ قَدِ اعْتَقَدُوا اسْتِحالَةَ إرْسالِ اللَّهِ إيّاهم فَجَزَمُوا بِكَذِبِهِمْ في دَعْوى الرِّسالَةِ فَلِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ (‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏).

والتَّوَلِّي أصْلُهُ: الِانْصِرافُ عَنِ المَكانِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْإعْراضِ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ رُسُلِهِمْ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [البقرة: ٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

(‏‏‏‏‏‏) غَنِيَ فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ (﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ [عبس: ٥]). والمَعْنى: غَنِيَ اللَّهُ عَنْ إيمانِهِمْ قالَ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الزمر: ٧].

والواوُ واوُ الحالِ، أيْ والحالُ أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهم مِن زَمَنٍ مَضى فَإنَّ غِنى اللَّهِ عَنْ إيمانِهِمْ مُقْرَرٌ في الأزَلِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: (واسْتَغْنى اللَّهُ) عَنْ إعادَةِ دَعْوَتِهِمْ لِأنَّ فِيما أظْهَرَ لَهم مِنَ البَيِّناتِ عَلى أيْدِي رُسُلِهِمْ ما هو كافٍ لِحُصُولِ التَّصْدِيقِ بِدَعْوَةِ رُسُلِهِمْ لَوْلا المُكابَرَةُ فَلِذَلِكَ عُجِّلَ لَهم بِالعَذابِ.
وعَلى الوَجْهَيْنِ فَمُتَعَلِّقُ (اسْتَغْنى) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (فَكَفَرُوا). وقَوْلُهُ (بِالبَيِّناتِ) والتَّقْدِيرُ: واسْتَغْنى اللَّهُ عَنْ إيمانِهِمْ.

وجُمْلَةُ (‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏) تَذْيِيلٌ، أيْ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فِيما طَلَبَ مِنهم، حَمِيدٌ لِمَنِ امْتَثَلَ وشَكَرَ.