And if only they upheld [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to them from their Lord, they would have consumed [provision] from above them and from beneath their feet. Among them are a moderate community, but many of them - evil is that which they do.
The commentary
نظم الدرر
Al-Biqāʿī
ولَمّا كانَ المَعْنى: ما فَعَلُوا ذَلِكَ؛ فَألْزَمْناهُمُ الخِزْيَ في الدُّنْيا؛ والعَذابَ الدّائِمَ في الآخِرَةِ؛ وكانَ هَذا إجْمالًا لِحالَتِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ والأُخْرَوِيَّةِ؛ وكانَ مَحَطُّ نَظَرِهِمُ الأمْرَ الدُّنْيَوِيَّ؛ رَجَعَ - بَعْدَ إرْشادِهِمْ إلى إصْلاحِ الحالَةِ الأُخْرَوِيَّةِ؛ لِأنَّها أهَمُّ في نَفْسِها - إلى سَبَبِ قَوْلِهِمْ تِلْكَ الكَلِمَةَ الشَّنْعاءَ؛ والدّاهِيَةَ القَبِيحَةَ الصَّلْعاءَ؛ وهو تَقْتِيرُ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ؛ وبَيَّنَ أنَّ السَّبَبَ إنَّما هو مِن أنْفُسِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿ ﴾ ؛ أيْ: قَبْلَ إنْزالِ الإنْجِيلِ؛ بِالعَمَلِ بِجَمِيعِ ما دَعَتْ إلَيْهِ؛ مِن أصْلٍ وفَرْعٍ؛ وثَباتٍ عَلَيْها؛ وانْتِقالٍ عَنْها؛ ﴿ ﴾ ؛ أيْ: بَعْدَ إنْزالِهِ كَذَلِكَ؛ وفي إقامَتِهِ إقامَةُ التَّوْراةِ؛ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ؛ ﴿ ﴾ ؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِمْ؛ مِن أسْفارِ الأنْبِياءِ المُبَشِّرَةِ بِعِيسى؛ ومُحَمَّدٍ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ومِنَ القُرْآنِ بَعْدَ إنْزالِهِ؛ وفي إقامَتِهِ إقامَةُ جَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مُبَشِّرٌ بِهِ؛ وداعٍ إلَيْهِ؛ ﴿ ﴾ ؛ أيْ: لِتَيَسَّرَ لَهُمُ الرِّزْقُ؛ وعَبَّرَ بِـ ”مِن“؛ لِأنَّ المُرادَ بَيانُ جِهَةِ المَأْكُولِ؛ (p-٢٢٦)لا الأكْلُ؛ ﴿ ﴾ ؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ عِظَمِ التَّوْسِعَةِ؛ قالَ - مُوَضِّحًا لَهُ؛ مُعَبِّرًا بِالأحْسَنِ؛ لِيُفْهَمَ غَيْرُهُ بِطَرِيقِ الأوْلى -: ﴿ ﴾ ؛ أيْ: تَيَسُّرًا واسِعًا جِدًّا؛ مُتَّصِلًا؛ لا يُحْصَرُ؛ أوْ يَكُونُ كِنايَةً عَنْ بَرَكاتِ السَّماءِ والأرْضِ؛ فَبَيَّنَ ذَلِكَ أنَّهُ ما ضَرَبَهم بِالذُّلِّ والمَسْكَنَةِ إلّا تَصْدِيقًا لِما تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِهِ في التَّوْراةِ؛ قالَ مُتَرْجِمُها في السِّفْرِ الخامِسِ ”الدُّعاءُ والبَرَكاتُ“: (وإنْ أنْتُمْ سَمِعْتُمْ قَوْلَ اللَّهِ رَبِّكُمْ؛ وحَفِظْتُمْ؛ وعَمِلْتُمْ بِجَمِيعِ الوَصايا الَّتِي آمُرُكم بِها اليَوْمَ؛ يُصَيِّرُكُمُ الرَّبُّ فَوْقَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ؛ فَتَصِيرُوا إلى هَذا الدُّعاءِ؛ يُبارِكُ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنكم في القَرْيَةِ؛ والحَقْلِ؛ يُبارِكُ في أوْلادِكُمْ؛ وأرْضِكُمْ؛ يُبارِكُ لَكم في بَهائِمِكُمْ؛ وما يَضَعُ في أقَطاعِ بَقَرِكُمْ؛ وأحْزابِ غَنَمِكُمْ؛ ويُبارِكُ فِيكم إذا دَخَلْتُمْ؛ ويُبارِكُ فِيكم إذا خَرَجْتُمْ؛ ويَدْفَعُ إلَيْكُمُ اللَّهُ أعْداءَكم أُسارى؛ يَخْرُجُونَ إلَيْكم في طَرِيقٍ واحِدٍ؛ ويَهْرُبُونَ مِنكم في سَبْعَةِ طُرُقٍ؛ يَأْمُرُ اللَّهُ بِبَرَكاتِهِ في أهْرائِكُمْ؛ وفي جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي تَمُدُّونَ أيْدِيَكم إلَيْها؛ ويَنْظُرُ إلَيْكم جَمِيعُ شُعُوبِ الأرْضِ؛ ويَعْلَمُونَ أنَّ اسْمَ الرَّبِّ عَلَيْكُمْ؛ وقَدْ وُسِمْتُمْ بِهِ؛ فَيَخافُونَكُمْ؛ ويَزِيدُكُمُ الرَّبُّ خَيْرًا؛ ويُبارِكُ في ثِمارِ أرْضِكُمْ؛ يَفْتَحُ اللَّهُ رَبُّكم أهْراءَ السَّماءِ؛ ويَهْبِطُ المَطَرُ عَلى أهْلِهِ في زَمانِهِ؛ وتَتَسَلَّطُونَ عَلى شُعُوبٍ كَثِيرَةٍ؛ ولا يَتَسَلَّطُ عَلَيْكم أحَدٌ؛ ويُصَيِّرُكُمُ الرَّبُّ رَأْسًا؛ ولا يُصَيِّرُكم ذَنَبًا؛ وتَصِيرُونَ فَوْقَ؛ ولا تَصِيرُونَ (p-٢٢٧)أسْفَلَ؛ إذا عَمِلْتُمْ بِجَمِيعِ وصايا اللَّهِ رَبِّكُمْ؛ ولَمْ تَرُوغُوا عَنْها يُمْنَةً ولا يُسْرَةً؛ ولا تَتَّبِعُوا الشُّعُوبَ؛ ولا تَعْبُدُوا آلِهَتَها؛ وإنْ أنْتُمْ لَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ اللَّهِ رَبِّكُمْ؛ ولَمْ تَحْفَظُوا؛ ولَمْ تَعْمَلُوا بِجَمِيعِ سُنَنِهِ؛ ووَصاياهُ الَّتِي آمُرُكم بِها اليَوْمَ؛ يُنْزِلُ بِكم هَذا اللَّعْنَ الَّذِي أقُصُّ عَلَيْكم كُلَّهُ؛ ويُدْرِكُكُمُ العِقابُ؛ وتَكُونُونَ مَلْعُونِينَ في القَرْيَةِ)؛ إلى آخِرِ اللَّعْنِ الَّذِي تَقَدَّمَ قَرِيبًا؛ وقالَ في الثّالِثِ: (إذا سَلَكْتُمْ بِسُنَّتِي؛ وحَفِظْتُمْ وصايايَ؛ وعَمِلْتُمْ بِها؛ أُدِيمُ أمَطارَكم في وقْتِها؛ وتَبْذُلُ الأرْضُ لَكم غَلّاتِها؛ وتَبْذُلُ لَكُمُ الشَّجَرُ ثِمارَها؛ ويُدْرِكُ الدُّرّاسُ القِطافَ؛ والقِطافُ يُدْرِكُ الزَّرْعَ؛ وتَأْكُلُونَ خُبْزًا؛ وتَشْبَعُونَ؛ وتَسْكُنُونَ أرْضَكم مُطَمْئِنِينَ؛ ولا يَكُونُ مَن يُخْرِجُكُمْ؛ وأصْرِفُ عَنْ أرْضِكُمُ السِّباعَ الضّارِيَةَ؛ وتَطْرُدُونَ أعْداءَكُمُ؛ الخَمْسَةُ مِنكم يَهْزِمُونَ مِائَةً؛ والمِائَةُ مِنكم يَهْزِمُونَ عَشْرَةَ آلافٍ؛ وتَقَعُ أعْداؤُكم قَتْلى بَيْنَ أيْدِيكم في الحَرْبِ؛ وأُقْبِلُ إلَيْكُمْ؛ وأُكَثِّرُكُمْ؛ وأُدِيمُ مَقْدِسِي بَيْنَكُمْ؛ ولا أُدْبِرُ عَنْكُمْ؛ بَلْ أكُونُ مَعَكُمْ؛ وأسِيرُ بَيْنَكُمْ؛ وإنْ لَمْ تُطِيعُونِي؛ وتَسْمَعُوا قَوْلِي؛ ولَمْ تَعْمَلُوا بِهَذِهِ الوَصايا؛ وأبْطَلْتُمْ عُهُودِي؛ أنا أيْضًا أصْنَعُ بِكم مِثْلَ صَنِيعِكُمْ؛ وآمُرُ بِكُمُ البَلايا والبَرَصَ والبَهَقَ المُقَشِّرَ الَّذِي لا يُبْرَأُ؛ والسُّلَّ الَّذِي يُطْفِئُ البَصَرَ؛ ويُهْلِكُ النَّفْسَ؛ ويَكُونُ تَعَبُكم في الزَّرْعِ باطِلًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ أعْداءَكم يَأْكُلُونَ ما تَزْرَعُونَ؛ وأُنْزِلُ بِكم غَضَبِي؛ ويَهْزِمُكم أعْداؤُكُمْ؛ ويَتَسَلَّطُ (p-٢٢٨)عَلَيْكم شُنّاؤُكُمْ؛ وتَنْهَزِمُونَ مِن غَيْرِ أنْ يَهْزِمَكم أحَدٌ؛ وأُصَيِّرُ السَّماءَ فَوْقَكم مِثْلَ الحَدِيدِ؛ والأرْضَ تَحْتَكم مِثْلَ النُّحاسِ؛ ولا تَغُلُّ لَكم أرْضُكم غَلّاتِها؛ ولا تُثْمِرُ الشَّجَرُ ثِمارَها؛ وأُرْسِلُ عَلَيْكُمُ السِّباعَ الضّارِيَةَ فَتُهْلِكَكم وتُهْلِكُ بَهائِمَكُمْ؛ ويُسْتَوْحَشُ الطُّرُقُ مِنكُمْ؛ وأُسَلِّطُ عَلَيْكُمُ المَوْتَ؛ وأدْفَعُكم إلى أعْدائِكُمْ؛ وتَأْكُلُونَ ولا تَشْبَعُونَ؛ وتَصِيرُوا إلى ضِيقٍ حَتّى تَأْكُلُوا لُحُومَ بَناتِكُمْ؛ وأُخَرِّبُ مَنازِلَكُمْ؛ وأُفَرِّقُكم بَيْنَ الأُمَمِ؛ وتُخَرَّبُ قُراكُمْ؛ فَحِينَئِذٍ تُهْوِي الأرْضُ أسْباتَها؛ وتَسْبِتُ كُلَّ أيّامِ وحْشَتِها ما لَمْ تَسْبِتْ؛ حَيْثُ كُنْتُمْ فِيها عُصاةً لا تَسْبِتُونَ؛ والَّذِينَ يَبْقَوْنَ مِنكم أُلْقِي في قُلُوبِهِمْ فَزْعَةً؛ ويَطْرُدُهم صَوْتُ ورَقَةٍ تُحَرَّكُ؛ ويَهْرُبُونَ مِن صَوْتِ الوَرَقَةِ؛ كَما يَهْرُبُونَ مِنَ السَّيْفِ؛ ويُعَنَّفُونَ بِإثْمِهِمْ؛ ويُعاقَبُونَ بِإثْمِ آبائِهِمْ؛ ومِن بَعْدِ ذَلِكَ تَنْكَسِرُ قُلُوبُهُمُ الغُلْفُ).
ولَمّا كانَ ما مَضى مِن ذَمِّهِمْ رُبَّما أفْهَمَ أنَّهُ لِكُلِّهِمْ؛ قالَ - مُسْتَأْنِفًا؛ جَوابًا لِمَن يَسْألُ عَنْ ذَلِكَ -: ﴿ ﴾ ؛ أيْ: أهْلِ الكِتابِ؛ ﴿ ﴾ ؛ أيْ: جَماعَةٌ هي جَدِيرَةٌ بِأنْ تَقْصِدَ؛ ﴿ ﴾ ؛ أيْ: مُجْتَهِدَةٌ في العَدْلِ؛ لا غُلُوَّ ولا تَقْصِيرَ؛ وهُمُ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ بِحُسْنِ تَحَرِّيهِمْ؛ واجْتِهادِهِمْ؛ ﴿ ﴾ ؛ أيْ: بَنِي إسْرائِيلَ؛ ﴿ ﴾ ؛ أيْ: ما أسْوَأ (p-٢٢٩)فِعْلَهُمُ الَّذِي هم فِيهِ مُسْتَمِرُّونَ عَلى تَجْدِيدِهِ! فَفِيهِ مَعْنى التَّعْجِيبُ؛ والتَّعْبِيرُ بِالعَمَلِ؛ لِأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهُ لا يَصْدُرُ مِنهم إلّا عَنْ عِلْمٍ؛ وهُمُ الَّذِينَ حَرَّفُوا الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ؛ وارْتَكَبُوا العَظائِمَ في عَداوَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ.
67
O Messenger, announce that which has been revealed to you from your Lord, and if you do not, then you have not conveyed His message. And Allah will protect you from the people. Indeed, Allah does not guide the disbelieving people.
نظم الدرر Al-Biqāʿī ولَمّا أتَمَّ ذَلِكَ - سُبْحانَهُ -؛ وعُلِمَ مِنهُ أنَّ مَن أُرِيدَتْ سَعادَتُهُ يُؤْمِنُ؛ ولا بُدَّ؛ ومَن أُرِيدَتْ شَقاوَتُهُ لا يُؤْمِنُ أصْلًا؛ ومَن أقامَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ سَعِدَ؛ ومَن كَفَرَ بِشَيْءٍ مِنهُ شَقِيَ؛ وكانَ ذَلِكَ رُبَّما فَتَرَ عَنِ الإبْلاغِ؛ قَرَنَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١]؛ قَوْلَهُ - حاثًّا عَلى الإبْلاغِ لِإسْعادِ مَن أُرِيدَ لِلسَّعادَةِ؛ وهُمُ الأُمَّةُ المُقْتَصِدَةُ مِنهُمْ؛ وإنْ كانُوا قَلِيلًا؛ وكَذا إبْلاغِ جَمِيعِ مَن عَداهم -: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ﴾ ؛ أيْ: الَّذِي مَوْضُوعُ أمْرِهِ البَلاغُ؛ ﴿ ﴾ ؛ أيْ: أوْصِلْ إلى مَن أُرْسِلْتَ إلَيْهِمْ؛ ﴿ ﴾ ؛ أيْ: كُلَّهُ؛ ﴿ ﴾ ؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإنْزالِهِ؛ غَيْرَ مُراقِبٍ أحَدًا؛ ولا خائِفٍ شَيْئًا؛ لِتَعْلَمَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ؛ ويُهْدى عَلى يَدِكَ مَن أرادَ اللَّهُ هِدايَتَهُ؛ فَيَكُونَ لَكَ مِثْلُ أجْرِهِ.
ولَمّا كانَ إبْلاغُ ما يُخالِفُ الأهْواءَ مِنَ الشِّدَّةِ عَلى النُّفُوسِ بِمَكانٍ لا يَعْلَمُهُ إلّا ذَوُو الهِمَمِ العالِيَةِ؛ والأخْلاقِ الزّاكِيَةِ؛ كانَ المَقامُ شَدِيدَ الِاقْتِضاءِ لِتَأْكِيدِ الحَثِّ عَلى الإبْلاغِ؛ فَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالِاعْتِراضِ بَيْنَ الحالِ؛ والعامِلِ فِيها؛ (p-٢٣٠)بِالتَّعْبِيرِ بِالفِعْلِ الدّالِّ عَلى داعِيَةٍ؛ هي الرَّدْعُ؛ بِأنْ قالَ: ﴿ ﴾ ؛ أيْ: وإنْ لَمْ تُبَلِّغْ جَمِيعَ ذَلِكَ؛ أوْ إنْ لَمْ تَعْمَلْ بِهِ؛ ﴿ ﴾ ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ ”ما“؛ تَقَعُ عَلى كُلِّ جُزْءٍ مِمّا أُنْزِلَ؛ فَلَوْ تُرِكَ مِنهُ حَرْفٌ واحِدٌ صَدَقَ نَفْيُ البَلاغِ لِما أنْزَلَ؛ ولِأنَّ بَعْضَها لَيْسَ بِأوْلى بِالإبْلاغِ مِن بَعْضٍ؛ فَمَن أغْفَلَ شَيْئًا مِنها فَكَأنَّهُ أغْفَلَ الكُلُّ؛ كَما أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِبَعْضِها لَمْ يُؤْمِن بِكُلِّها؛ لِإدْلاءِ كُلٍّ مِنها بِما يُدْلِيهِ الآخَرُ؛ فَكانَتْ لِذَلِكَ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ؛ والمَعْنى: فَلَنُجازِيَنَّكَ؛ ولَكِنَّهُ كَنّى بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبِّبِ؛ إجْلالًا لَهُ ﷺ وإفادَةً لِأنَّ المُؤاخَذَةَ تَقَعُ عَلى الكُلِّ؛ لِأنَّهُ يَنْتَفِي بِانْتِفاءِ الجُزْءِ.
ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّهم يُسَعِّرُونَ الحُرُوبَ؛ ويَسْعَوْنَ في إيقاعِ أشَدِّ الكُرُوبِ؛ وكانَ ذَلِكَ - وإنْ وعَدَ - سُبْحانَهُ - بِإخْمادِهِ عِنْدَ إيقادِهِ - لا يَمْنَعُ مِن تَجْوِيزِ أنَّهُ لا يُخْمَدُ إلّا بَعْدَ قَتْلِ ناسٍ وجِراحِ آخَرِينَ؛ وكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا بَلَغَ ذَلِكَ وهو يُنَقِّصُ أدْيانَهم خِيفَ عَلَيْهِ؛ قالَ: ﴿ ﴾ ؛ أيْ: بَلِّغْ أنْتَ والحالُ أنَّ الَّذِي أمَرَكَ بِذَلِكَ؛ وهو المَلِكُ الأعْلى؛ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿ ﴾ ؛ أيْ: يَمْنَعُكَ مَنعًا تامًّا؛ ﴿ ﴾ ؛ أيْ: مِن أنْ يَقْتُلُوكَ قَبْلَ إتْمامِ البَلاغِ؛ وظُهُورِ الدِّينِ؛ فَلا مانِعَ مِن إبْلاغِ شَيْءٍ مِنها لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ؛ كائِنًا مَن كانَ. (p-٢٣١)ولَمّا آذَنَ ضَمانَ العِصْمَةِ بِالمُخالَفَةِ المُؤْذِنَةِ بِأنَّ فِيهِمْ مَن لا يَنْفَعُهُ البَلاغُ؛ فَهو لا يُؤْمِنُ؛ فَلا يَزالُ يَبْغِي الغَوائِلَ؛ أقَرَّ عَلى هَذا الفَهْمِ بِتَعْلِيلِ عَدَمِ الإيمانِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ ﴾ ؛ أيْ: الَّذِي لا أمْرَ لِغَيْرِهِ؛ ﴿ ﴾ ؛ أيْ: المَطْبُوعِ عَلى قُلُوبِهِمْ في عِلْمِ اللَّهِ؛ مُطابَقَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ ﴾ [المائدة: ٤١]؛ ويَهْدِي المُؤْمِنِينَ في عِلْمِهِ؛ المُشارَ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ [المائدة: ٤٠]؛ والحاصِلُ أنَّهُ تَبَيَّنَ مِنَ الآيَةِ الإرْشادَ إلى أنَّ لِتَرْكِ البَلاغِ سَبَبَيْنِ؛ أحَدُهُما خَوْفُ فَواتِ النَّفْسِ؛ والآخَرُ خَوْفُ فَواتِ ثَمَرَةِ الدُّعاءِ؛ فَنَفْيُ الأوَّلِ بِضَمانِ العِصْمَةِ؛ والثّانِي بِخِتامِ الآيَةِ؛ أيْ: لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ؛ فَلا يَحْزُنْكَ مَن لا يُقْبِلُ؛ فَلَيْسَ إعْراضُهُ لِقُصُورٍ في إبْلاغِكَ؛ ولا حَظِّكَ؛ بَلْ لِقُصُورِ إدْراكِهِ وحَظِّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ حَتَّمَ بِكُفْرِهِ؛ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ؛ لِما عَلِمَ مِن فَسادِ طَبْعِهِ؛ واللَّهُ لا يَهْدِي مِثْلَهُ؛ وتَلْخِيصُهُ: بَلِّغْ؛ فَمَن أجابَكَ مِمَّنْ أُشِيرَ إلَيْهِ - فِيما سَلَفَ؛ مِن غَيْرِ الكَثِيرِ الَّذِينَ يَزِيدُهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ عَمًى عَلى عَماهُمْ؛ ومِنَ الأُمَّةِ المُقْتَصِدَةِ؛ وغَيْرِهِمْ - فَهو حَظُّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ ومَن أبى فَلا يَحْزُنْكَ أمْرُهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي أرادَ ضَلالَهُ؛ فالتَّقْدِيرُ: ”بَلِّغْ؛ فَلَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ؛ وإلى اللَّهِ الهُدى والضَّلالُ؛ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ؛ ويَهْدِي القَوْمَ المُؤْمِنِينَ“؛ أوْ: ”فَإذا بَلَّغْتَ هَدى بِكَ رَبُّكَ مَن أرادَ إيمانَهُ؛ لِيَكْتُبَ لَكَ مِثْلَ أجْرِهِمْ؛ وأضَلَّ مَن شاءَ كُفْرانَهُ؛ ولا يَكُونُ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن (p-٢٣٢)وِزْرِهِمْ؛ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ“؛ والمَعْنى - كَما تَقَدَّمَ -: يَعْصِمُكَ مِن أنْ يَنالُوكَ بِما يَمْنَعُكَ مِنَ الإبْلاغِ؛ حَتّى يَتِمَّ دِينُكَ؛ ويَظْهَرَ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ؛ كَما وعَدْتُكَ؛ وعَلى مِثْلِ هَذا دَلَّ كَلامُ إمامِنا الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ قالَ في الجُزْءِ الثّالِثِ مِن ”الأُمُّ“: ويُقالُ - واللَّهُ أعْلَمُ: إنَّ أوَّلَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﷺ
﴿ ﴾ [العلق: ١]؛ ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْهِ بَعْدَها ما لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِأنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ المُشْرِكِينَ؛ فَمَرَّتْ لِذَلِكَ مُدَّةٌ؛ ثُمَّ يُقالُ: أتاهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِأنْ يُعْلِمَهم نُزُولَ الوَحْيِ عَلَيْهِ؛ ويَدْعُوَهم إلى الإيمانِ؛ فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ وخافَ التَّكْذِيبَ؛ وأنْ يُتَناوَلَ؛ فَنَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ ؛ مِن قِبَلِهِمْ أنْ يَقْتُلُوكَ حَتّى تُبَلِّغَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ؛ انْتَهى.
ولَقَدْ وفّى - سُبْحانَهُ - بِما ضَمِنَ؛ ومَن أوْفى مِنهُ وعْدًا؛ وأصْدَقُ قِيلًا؟! فَلَمّا أتَمَّ الدِّينَ؛ وأرْغَمَ أُنُوفَ المُشْرِكِينَ؛ أنْفَذَ فِيهِ السُّمُّ الَّذِي تَناوَلَهُ بِخَيْبَرَ؛ قَبْلَ سِنِينَ؛ فَتَوَفّاهُ شَهِيدًا؛ كَما أحْياهُ سَعِيدًا؛ رَوى الشَّيْخانِ؛ البُخارِيُّ؛ في الهِبَةِ؛ ومُسْلِمٌ؛ في الطِّبِّ؛ وأبُو داوُدَ في الدِّياتِ؛ «عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - أنَّ امْرَأةً يَهُودِيَّةً أتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشاةٍ مَسْمُومَةٍ؛ فَأكَلَ مِنها؛ فَجِيءَ بِها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألَها عَنْ ذَلِكَ؛ فَقالَتْ: أرَدْتُ لِأقْتُلَكَ؛ فَقالَ: ”ما كانَ اللَّهُ (p-٢٣٣)لِيُسَلِّطَكِ عَلى ذَلِكَ“ - أوْ قالَ: ”عَلَيَّ“ - فَقالُوا: ألا تَقْتُلُها؟ قالَ: ”لا“؛ فَما زِلْتُ أعْرِفُها في لَهَواتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛» قالَ أبُو داوُدَ: هي أُخْتُ مُرَحِّبٍ اليَهُودِيِّ؛ قالَ الحافِظُ عَبْدُ العَظِيمِ المُنْذِرِيُّ؛ في مُخْتَصَرِ سُنَنِ أبُو داوُدَ: وذَكَرَهُ غَيْرُهُ أنَّها بِنْتُ أخِي مُرَحِّبٍ؛ وأنَّ اسْمَها زَيْنَبُ بِنْتُ الحارِثِ؛ وذَكَرَ الزَّهْرِيُّ أنَّها أسْلَمَتْ؛ ولِأبِي داوُدَ؛ والدّارِمِيِّ - وهَذا لَفْظُهُ - عَنْ أبِي سَلَمَةَ - وهو ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ الهَدِيَّةَ؛ ولا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ؛ فَأهْدَتْ لَهُ امْرَأةٌ مِن يَهُودِ خَيْبَرَ شاةً مَصْلِيَّةً؛ فَتَناوَلَ مِنها؛ وتَناوَلَ مِنها بِشْرُ بْنُ البَراءِ؛ ثُمَّ رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ؛ ثُمَّ قالَ: ”إنَّ هَذِهِ تُخْبِرُنِي أنَّها مَسْمُومَةٌ“؛ فَماتَ بِشْرُ بْنُ البَراءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ فَأرْسَلَ إلَيْها النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: ”ما حَمَلَكِ عَلى ما صَنَعْتِ؟“؛ فَقالَتْ: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ شَيْءٌ؛ وإنْ كُنْتَ مَلِكًا أرَحْتُ النّاسَ مِنكَ؛ قالَ أبُو داوُدَ: فَأمَرَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُتِلَتْ؛» زادَ الدّارِمِيُّ فَقالَ في مَرَضِهِ: «”ما زِلْتُ مِنَ الأكْلَةِ الَّتِي أكَلْتُ بِخَيْبَرَ؛ فَهَذا أوانُ انْقِطاعِ أبْهَرِي“؛» وهَذا مُرْسَلٌ؛ قالَ البَيْهَقِيُّ: ورَوَيْناهُ عَنْ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو؛ (p-٢٣٤)عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ قالَ البَيْهَقِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنَّهُ لَمْ يَقْتُلْها في الِابْتِداءِ؛ ثُمَّ لَمّا ماتَ بِشْرٌ أمَرَ بِقَتْلِها؛ وقِصَّةُ هَذِهِ الشّاةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَواها البُخارِيُّ في الجِزْيَةِ؛ والمَغازِي؛ والطِّبِّ؛ والدّارِمِيُّ في أوَّلِ المُسْنَدِ؛ بِغَيْرِ هَذا السِّياقِ - كَما مَضى في ”البَقَرَةِ“؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ ﴾ [البقرة: ٨٠]؛ وقَدْ مَضى في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ [المائدة: ١٣]؛ شَيْءٌ مِنهُ؛ ولِأبِي داوُدَ والدّارِمِيِّ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «كانَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - يُحَدِّثُ أنَّ يَهُودِيَّةً مِن أهْلِ خَيْبَرَ سَمَّمَتْ شاةً مَصْلِيَّةً؛ ثُمَّ أهْدَتْها لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الذِّراعَ؛ فَأكَلَ مِنها؛ وأكَلَ رَهْطٌ مِن أصْحابِهِ مَعَهُ؛ ثُمَّ قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ارْفَعُوا أيْدِيَكُمْ“؛ وأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى اليَهُودِيَّةِ؛ فَدَعاها؛ فَقالَ لَها: ”أسَمَّمْتِ هَذِهِ الشّاةَ؟“؛ قالَتِ اليَهُودِيَّةُ: مَن أخْبَرَكَ؟ قالَ: ”أخْبَرَتْنِي هَذِهِ في يَدِي - لِلذِّراعِ“؛ قالَتْ: نَعَمْ؛ قالَ: ”فَما أرَدْتِ؟“؛ قالَتْ: قُلْتُ: إنْ كانَ نَبِيًّا فَلَنْ يَضُرَّهُ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا اسْتَرَحْنا مِنهُ؛ فَعَفا عَنْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ ولَمْ يُعاقِبْها؛ وتُوُفِّيَ بَعْضُ أصْحابِهِ الَّذِينَ أكَلُوا مِنَ الشّاةِ؛ واحْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى كاهِلِهِ مِن أجْلِ الَّذِي أكَلَ مِنَ الشّاةِ؛ حَجَمَهُ أبُو هِنْدٍ (p-٢٣٥)بِالقَرْنِ والشَّفْرَةِ؛» وهو مَوْلًى لِبَنِي بَياضَةَ؛ مِنَ الأنْصارِ؛ قالَ الدّارِمِيُّ وهو مِن بَنِي ثُمامَةَ - وهم حَيٌّ مِنَ الأنْصارِ -؛ قالَ المُنْذِرِيُّ: وهَذا مُنْقَطِعٌ؛ الزُّهْرِيُّ لَمْ يَسْمَعْ مِن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ وفي غَزْوَةِ ”خَيْبَرَ“؛ مِن تَهْذِيبِ السِّيرَةِ لِابْنِ هِشامٍ: ”فَلَمّا اطْمَأنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أهْدَتْ لَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ الحارِثَةِ؛ امْرَأةُ سَلامِ بْنِ مِشْكَمٍ؛ شاةً مَصْلِيَّةً؛ وقَدْ سَألَتْ: أيُّ عُضْوٍ مِنَ الشّاةِ أحَبُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقِيلَ لَها: الذِّراعُ؛ فَأكْثَرَتْ فِيها مِنَ السُّمِّ؛ ثُمَّ سَمَّمَتْ سائِرَ الشّاةِ؛ ثُمَّ جاءَتْ بِها؛ فَلَمّا وضَعَتْها بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَناوَلَ الذِّراعَ؛ فَلاكَ مِنها مُضْغَةً؛ فَلَمْ يَسُغْها؛ ومَعَهُ بِشْرُ بْنُ البَراءِ بْنِ مَعْرُورٍ؛ قَدْ أخَذَ مِنها كَما أخَذَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ فَأمّا بِشْرٌ فَأساغَها؛ وأمّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَفَظَها؛ ثُمَّ قالَ:“إنَّ هَذا العَظْمَ لَيُخْبِرُنِي أنَّهُ مَسْمُومٌ”؛ ثُمَّ دَعاها فاعْتَرَفَتْ؛ فَقالَ:“ما حَمَلَكِ عَلى ذَلِكَ؟”؛ قالَتْ: بُلِّغْتُ مِن قَوْمِي ما لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ؛ فَقُلْتُ: إنْ كانَ مَلِكًا اسْتَرَحْتُ مِنهُ؛ وإنْ كانَ نَبِيًّا فَسَيُخْبَرُ؛ فَتَجاوَزَ عَنْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ وماتَ بِشْرٌ مِن أكْلَتِهِ الَّتِي أكَلَ؛ وذَكَرَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ أنَّ بِشْرًا - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - لَمْ يَسُغْ لُقْمَتَهُ حَتّى أساغَ النَّبِيُّ ﷺ لُقْمَتَهُ؛ وقالَ بَعْدَ (p-٢٣٦)أنْ أخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: والَّذِي أكْرَمَكَ؛ لَقَدْ وجَدْتُ ذَلِكَ في أكْلَتِي الَّتِي أكَلْتُ؛ فَما مَنَعَنِي أنْ ألْفِظَها إلّا أنِّي أعْظَمْتُ أنْ أُنَغِّصَكَ طَعامَكَ؛ فَلَمّا أسَغْتَ ما في فِيكَ لَمْ أكُنْ لِأرْغَبَ بِنَفْسِي عَنْ نَفْسِكَ.
ونَقَلْتُ مِن خَطِّ شَيْخِنا؛ حافِظِ عَصْرِهِ؛ أبِي الفَضْلِ أحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَجَرٍ الكِنانِيِّ الشّافِعِيِّ؛ ما نَصُّهُ: وأخْرَجَ الحافِظُ أبُو بَكْرٍ؛ أحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الخالِقِ البَزّارُ؛ في مُسْنَدِهِ المَشْهُورِ؛ وأبُو القاسِمِ سُلَيْمانُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ أيُّوبَ الطَّبَرانِيُّ؛ في مُعْجَمِهِ الكَبِيرِ؛ مِن حَدِيثِ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَأْكُلُ مِن هَدِيَّةٍ حَتّى يَأْمُرَ صاحِبَها أنْ يَأْكُلَ مِنها؛ لِلشّاةِ الَّتِي أُهْدِيَتْ لَهُ بِخَيْبَرَ؛» قالَ شَيْخُنا الحافِظُ أبُو الحَسَنِ الهَيْثَمِيُّ: رِجالُهُ ثِقاتٌ؛ قُلْتُ: وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقٍ؛ في السِّيرَةِ الكُبْرى؛ وكَذَلِكَ الواقِدِيُّ؛ في المَغازِي؛ انْتَهى؛ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: وحَدَّثَنِي مَرْوانُ بْنُ عُثْمانَ بْنِ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ قالَ في مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ؛ ودَخَلَتْ عَلَيْهِ أُمُّ بِشْرٍ؛ بِنْتُ البَراءِ بْنِ مَعْرُورٍ تَعُودُهُ:“يا أُمَّ بِشْرٍ؛ إنَّ هَذا الأوانَ وجَدْتُ انْقِطاعَ أبْهَرِي مِنَ الأكْلَةِ الَّتِي أكَلْتُ مَعَ أخِيكِ بِخَيْبَرَ ”؛» قالَ: فَإنْ كانَ المُسْلِمُونَ لَيَرَوْنَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ماتَ شَهِيدًا مَعَ ما أكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ؛ ولِابْنِ ماجَةَ؛ في الطِّبِّ؛ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: لا يَزالُ؛ يُصِيبُكَ في كُلِّ عامٍ وجَعٌ مِنَ الشّاةِ المَسْمُومَةِ الَّتِي أكَلْتَ؛ قالَ:“ما أصابَنِي (p-٢٣٧)شَيْءٌ مِنها إلّا وهو مَكْتُوبٌ عَلَيَّ وآدَمُ في طِينَتِهِ”؛» ولِلْبُخارِيِّ؛ في آخِرِ المَغازِي؛ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقُولُ في مَرَضِهِ الَّذِي ماتَ فِيهِ: «“يا عائِشَةُ؛ ما أزالُ أجِدُ ألَمَ الطَّعامِ الَّذِي أكَلْتُ بِخَيْبَرَ؛ فَهَذا أوانُ وجَدْتُ انْقِطاعَ أبْهَرِي مِن ذَلِكَ السُّمِّ”؛» قالَ ابْنُ فارِسٍ؛ في المُجْمَلِ: الأبْهَرُ عِرْقٌ مُسْتَبْطِنُ الصُّلْبِ؛ والقَلْبُ مُتَّصِلٌ بِهِ؛ وهو قَوْلُهُ ﷺ: «“هَذا أوانُ قَطَعَتْ أبْهَرِي”؛» وعِبارَةُ المُحْكَمِ: عِرْقٌ في الظَّهْرِ؛ يُقالُ: هو الوَرِيدُ في العُنُقِ؛ وبَعْضُهم يَجْعَلُهُ عِرْقًا مُسْتَبْطِنَ الصُّلْبِ؛ وقالَ ثابِتُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ؛ في كِتابِ“خَلْقُ الإنْسانِ”: وفي الصُّلْبِ الوَتِينُ؛ وهو عِرْقٌ أبْيَضُ غَلِيظٌ؛ كَأنَّهُ قَصَبَةٌ؛ وفي الصُّلْبِ الأبْهَرُ والأبْيَضُ؛ وهُما عِرْقانِ؛ وقالَ الزُّبَيْدِيُّ؛ في مُخْتَصَرِ العَيْنِ: والأبْهَرانِ عِرْقانِ مُكْتَنِفا الصُّلْبِ؛ وقِيلَ: هُما الأكْحَلانِ؛ وقالَ الفَيْرُوزْآبادِيُّ في قامُوسِهِ: والأبْهَرُ: الظَّهْرُ؛ وعِرْقٌ فِيهِ؛ ووَرِيدُ العُنُقِ؛ والأكْحَلُ؛ والكُلْيَةُ؛ والوَتِينُ: عِرْقٌ في القَلْبِ؛ إذا انْقَطَعَ ماتَ صاحِبُهُ؛ وقالَ ابْنُ الفُراتِ؛ في الوَفاةِ؛ مِنَ السِّيرَةِ؛ مِن تارِيخِهِ: قالَ الحَرْبِيُّ: العِرْقُ في الظَّهْرِ يُسَمّى الأبْهَرَ؛ وفي اليَدِ الأكْحَلَ؛ وفي العُنُقِ الوَرِيدَ؛ وفي الفَخْذِ النَّسا؛ وفي السّاقِ الأبْجَلَ؛ وفي العَيْنِ الشَّأْنَ؛ (p-٢٣٨)وهُوَ عِرْقٌ واحِدٌ؛ كُلُّهُ يُسَمّى الجَدْوَلَ؛ وقالَ ابْنُ كَيْسانَ أيْضًا: هو الوَتِينُ في القَلْبِ؛ والصّافِنُ.
وقالَ الإمامُ أبُو غالِبِ بْنُ التَّيّانِيِّ الأنْدَلُسِيُّ؛ في كِتابِهِ“المَوْعِبُ”: إسْماعِيلُ أبُو حاتِمٍ: الأبْهَرُ عِرْقٌ في الظَّهْرِ؛ وقالَ: هو الوَرِيدُ في العُنُقِ؛ ثُمَّ يُقالُ: والأبْهَرُ عِرْقٌ مُسْتَبْطِنُ المَتْنِ؛ الأصْمَعِيُّ: وفي الصُّلْبِ الأبْهَرُ؛ وهو عِرْقٌ؛ صاحِبُ العَيْنِ: الأبْهَرانِ: الأكْحَلانِ؛ ويُقالُ: هُما عِرْقانِ مُكْتَنِفا الصُّلْبِ مِن جانِبَيْهِ؛ وقالَ ﷺ: «“ما زالَتْ أكْلَةُ خَيْبَرَ تَعادُّنِي كُلَّ عامٍ؛ فالآنَ حِينُ قَطَعَتْ أبْهَرِي"؛» يَعْنِي عِرْقِي؛ ويُقالُ: الأبْهَرُ عِرْقٌ مُسْتَبْطِنُ الصُّلْبِ؛ وإذا انْقَطَعَ فَلا حَياةَ بَعْدَهُ؛ وهَذا اللَّفْظُ الَّذِي ذَكَرَهُ رَواهُ البُخارِيُّ؛ والطَّبَرانِيُّ؛ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -؛ ومَعْنى تَعادُّنِي: تُناظِرُنِي؛ وتُخالِفُنِي؛ ومِنَ العَدِيدِ بِمَعْنى النِّدِّ الَّذِي هو المِثْلُ؛ المُضادُّ والمُنافِرُ؛ أيْ: إنِّي كُلَّما زِدْتُ في جِسْمِي صِحَّةً؛ نَقَصَتْهُ بِما لَها مِنَ الضُّرِّ والأذى.
68
Say, "O People of the Scripture, you are [standing] on nothing until you uphold [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to you from your Lord." And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. So do not grieve over the disbelieving people.
نظم الدرر Al-Biqāʿī ولَمّا أمَرَ - سُبْحانَهُ - بِالتَّبْلِيغِ العامِّ؛ أمَرَهُ بِنَوْعٍ مِنهُ عَلى وجْهٍ يُؤَكِّدُ ما خُتِمَتْ بِهِ آيَةُ التَّبْلِيغِ مِن عَدَمِ الهِدايَةِ لِمَن حَتَّمَ بِكُفْرِهِ؛ ويُبْطِلُ - مَعَ تَأْكِيدِهِ - هَذِهِ الدَّعْوى؛ قَوْلَهُمْ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ؛ فَقالَ - مُرَهِّبًا لَهُمْ؛ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّرْغِيبِ في إقامَتِهِ -: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ ؛ (p-٢٣٩)؛ أيْ: مِنَ اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ ﴿ ﴾ ؛ أيْ: سارٍّ؛ أوْ يُعْتَدُّ بِهِ؛ مِن دُنْيا ولا آخِرَةٍ؛ لِأنَّهُ لِعَدَمِ نَفْعِهِ لِبُطْلانِهِ لا يُسَمّى شَيْئًا أصْلًا؛ ﴿ ﴾ ؛ أيْ: بِالعَمَلِ بِالقَلْبِ؛ والقالَبِ؛ ﴿ ﴾ ؛ وما فِيهِما مِنَ الإيمانِ بِعِيسى؛ ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالإشارَةِ إلى كُلٍّ مِنهُما بِالخُصُوصِ؛ بِنَحْوِ ما تَقَدَّمَ في الإشْراقِ مِن ساعِيرَ؛ والظُّهُورِ مِن فارانَ؛ وبِالإشارَةِ بِالعُمُومِ إلى تَصْدِيقِ كُلِّ مَن أتى بِالمُعْجِزِ؛ وصَدَّقَ ما قَبْلَهُ مِن مِنهاجِ الرُّسُلِ؛ ﴿ ﴾ ؛ ولَمّا كانَ ما عِنْدَهم إنَّما أُوتِيَ إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ الأنْبِياءِ؛ عَدّاهُ بِحَرْفِ الغايَةِ؛ فَقالَ: ﴿ ﴾ ؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكم بِإنْزالِهِ عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِكم مِنَ البِشارَةِ بِهِما؛ وعَلى لِسانِ هَذا النَّبِيِّ العَرَبِيِّ الكَرِيمِ؛ مِمّا يُصَدِّقُ ما قَبْلَهُ؛ فَإنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ؛ ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَهُ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ: ”لِأنَّ أكْثَرَهم هالِكٌ“؛ صَرَّحَ بِهِ دالًّا بِالعَطْفِ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ أنَّ التَّقْدِيرَ: ”فَلَيُؤْمِنَنَّ بِهِ مَن أرادَ اللَّهُ مِنهُمْ“؛ فَقالَ: ﴿ ﴾ ؛ أيْ: ما عِنْدَهم مِنَ الكُفْرِ بِما في كِتابِهِمْ؛ ﴿ ﴾ ؛ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإنْزالِهِ؛ ﴿ ﴾ ؛ تَجاوُزًا شَدِيدًا لِلْحَدِّ؛ ﴿ ﴾ ؛ أيْ: سَتْرًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ.
ولَمّا كانَ ﷺ شَدِيدَ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ؛ سَلّاهُ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ﴾ ؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ إعْلامِ اللَّهِ لَكَ بِذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ؛ ثُمَّ عَنْ وُقُوعِهِ كَما أخْبَرَ؛ أنْ تَعْلَمَ أنَّهُ بِإرادَتِهِ؛ وقُدْرَتِهِ؛ فَقالَ لَكَ: (p-٢٤٠)لا ﴿ ﴾ ؛ أيْ: تَحْزَنْ؛ ﴿ ﴾ ؛ أيْ: عَلى فَواتِ العَرِيقِينَ في الكُفْرِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَضُرُّوا إلّا أنْفُسَهُمْ؛ لِأنَّ رَبَّكَ العَلِيمَ القَدِيرَ لَوْ عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا لَأقْبَلَ بِهِمْ إلَيْكَ؛ والحاصِلُ أنَّهُ خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِمَعْلُولِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ”بَلِّغْ؛ فَإنَّ اللَّهَ هو الهادِي المُضِلُّ؛ فَلا تَحْزَنْ عَلى مَن أدْبَرَ“.
69
Indeed, those who have believed [in Prophet Muhammad] and those [before Him] who were Jews or Sabeans or Christians - those [among them] who believed in Allah and the Last Day and did righteousness - no fear will there be concerning them, nor will they grieve.
70
We had already taken the covenant of the Children of Israel and had sent to them messengers. Whenever there came to them a messenger with what their souls did not desire, a party [of messengers] they denied, and another party they killed.
71
And they thought there would be no [resulting] punishment, so they became blind and deaf. Then Allah turned to them in forgiveness; then [again] many of them became blind and deaf. And Allah is Seeing of what they do.
72
They have certainly disbelieved who say, "Allah is the Messiah, the son of Mary" while the Messiah has said, "O Children of Israel, worship Allah, my Lord and your Lord." Indeed, he who associates others with Allah - Allah has forbidden him Paradise, and his refuge is the Fire. And there are not for the wrongdoers any helpers.
73
They have certainly disbelieved who say, "Allah is the third of three." And there is no god except one God. And if they do not desist from what they are saying, there will surely afflict the disbelievers among them a painful punishment.
74
So will they not repent to Allah and seek His forgiveness? And Allah is Forgiving and Merciful.
75
The Messiah, son of Mary, was not but a messenger; [other] messengers have passed on before him. And his mother was a supporter of truth. They both used to eat food. Look how We make clear to them the signs; then look how they are deluded.
Previous
5:65
Next
5:67
The same ayah, in another commentary
Al-Māʾidah 5:66