All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur'an as one connected whole — why this verse follows that, and this surah that.

Al-Falaq 113:3 Juzʾ 30 Page 604

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏

And from the evil of darkness when it settles

Read in the muṣḥaf

ولَمّا كانَ عَطْفُ الخاصِّ عَلى العامِّ يُعْرَفُ بِأنَّ ذَلِكَ الخاصَّ أوْلى أفْرادِ العامِ بِما ذَكَرَ لَهُ مِنَ الحُكْمِ، وكانَ شَرَّ الأشْياءِ الظَّلامُ، فَإنَّهُ أصْلُ كُلِّ فَسادِ، وكانَتْ شَرارَتُهُ مَعَ ذَلِكَ وشَرارَةُ السِّحْرِ والحَسَدِ خُفْيَةً، خَصَّها بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ ما عَمَّهُ الخَلْقُ لِأنَّ الخَفِيَّ يَأْتِي مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ الإنْسانُ فَيَكُونُ أضَرَّ. ولِذا قِيلَ: شَرُّ العُداةِ المُداجِي، وكانَتْ مادَّةُ ”غَسَقَ“ تَدُورُ عَلى الظَّلامِ والِانْصِبابِ، فالغَسَقُ - مُحَرِّكَةٌ: ظُلْمَةُ أوَّلِ اللَّيْلِ، وغَسَقَتِ العَيْنُ: أظْلَمَتْ أوْ دَمَعَتْ، واللَّبَنُ: انْصَبَّ مِنَ الضَّرْعِ، واللَّيْلُ: اشْتَدَّتْ ظُلْمَتُهُ، والغَسَقانُ - مُحَرَّكَةٌ: الِانْصِبابُ، والغاسِقُ: القَمَرُ، وكَأنَّهُ سُمِّيَ بِهِ لِسُرْعَةِ سَيْرِهِ وانْصِبابِهِ في البُرُوجِ ولِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِن نَفْسِهِ إلّا الإظْلامُ، والثُّرَيّا - إذا سَقَطَتْ - واللَّهُ أعْلَمُ، قالَ في القامُوسِ: لِكَثْرَةِ الطَّواعِينِ والأسْقامِ عِنْدَ سُقُوطِها، والذِّكْرُ - إذا قامَ، كَما قالَهُ جَماعَةٌ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ (p-٤١٠)عَنْهُما، وهو سَبَبٌ لِلْجَهْلِ الَّذِي هو ظَلامٌ كُلُّهُ، فَقالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ أيْ مُظْلِمٍ بارِدٍ مُنْصَبٍّ ظَلامُهُ وبَرْدُهُ سَواءٌ كانَ أصْلًا في الظَّلامِ حِسِّيًّا أوْ مَعْنَوِيًّا أوْ كانَ حامِلًا عَلَيْهِ مِثْلَ الذَّكَرِ إذا قامَ لِما يَجُرُّ إلَيْهِ مِنَ الوَساوِسِ الرَّدِيئَةِ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ واسْتِحْكامِ سُلْطانِ الهَوى، ومِثْلُ القَمَرِ لِما يَحْدُثُ مِنهُ مِنَ الرُّطُوباتِ المُفْسِدَةِ لِلْأبْدانِ وغَيْرِ ذَلِكَ انْصِبابًا لَهُ غايَةُ القُوَّةِ كانْصِبابِ ما يَفِيضُ عَنِ امْتِلاءٍ في انْحِدارٍ، ونَكَّرَهُ إشارَةً إلى أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ غاسِقٍ مَذْمُومًا - واللَّهُ أعْلَمُ.

ولَمّا كانَ الشَّيْءُ الَّذِي اتَّصَفَ بِالظَّلامِ يُكَثِّفُ فَيَشْتَدُّ انْصِبابُهُ وأخْذُهُ في السُّفُولِ إلى أنْ يَسْتَقِرَّ ويَسْتَحْكِمَ فِيما صَوَّبَ إلَيْهِ مُجْتَمَعًا جِدًّا كاجْتِماعِ الشَّيْءِ في الوَقْبَةِ وهي النَّقْرَةُ في الصَّخْرَةِ، وكانَ الظَّلامُ لا يَشْتَدُّ أذاهُ إلّا إذا اسْتَقَرَّ وثَبَتَ، قالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّحَقُّقِ: ‏‏‏ ‏‏‏ أيِ اعْتَكَرَ ظَلامُهُ ودَخَلَ في الأشْياءِ بِغايَةِ القُوَّةِ كَمَدْخُولِ الثَّقِيلِ الكَثِيفِ المُنَصَّبِ في النَّقْرَةِ الَّتِي تَكُونُ كالبِئْرِ في الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ المَلْساءِ، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَسْهُلُ عِلاجُهُ وزَوالُهُ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ، وفي الحَدِيثِ «لَمّا رَأى الشَّمْسَ قَدْ وقَبَتْ قالَ: هَذا حِينَ حَلِّها» - يَعْنِي صَلاةَ المَغْرِبِ، وفِيهِ (p-٤١١)عِنْد أبِي يَعْلى «أنَّهُ قالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَنِ القَمَرِ: ”تَعَوَّذِي بِاللَّهِ مِن شَرِّ هَذا الغاسِقِ إذا وقَبَ»“ وأكْثَرُ الأقْوالِ أنَّهُ اللَّيْلُ، خُصَّ بِالِاسْتِعاذَةِ لِأنَّ المَضارَّ فِيهِ تَكْثُرُ ويَعْسُرُ دَفْعُها، وأصْلُ الغَسَقِ الظَّلامُ، ويَلْزَمُ مِنهُ الِامْتِلاءُ، وقِيلَ: إنَّ الِامْتِلاءَ هو الأصْلُ، وأصْلُ الوُقُوبِ الدُّخُولُ في وقْبَةٍ أوْ ما هو كالوَقْبَةِ وهي النَّقْرَةُ.

The same ayah, in another commentary

Al-Falaq 113:3