ولَمّا ذَكَرَ الأمْنَ الَّذِي هو مَلاكُ العافِيَةِ الَّتِي بِها لَذَّةُ العَيْشِ، أتْبَعَهُ الرِّفْعَةَ الَّتِي بِها كَمالُ النَّعِيمِ، فَقالَ: ﴿ ﴾ أيْ بَعْدَما اسْتَقَرَّتْ بِهِمُ الدّارُ بِدُخُولِ مِصْرَ مُسْتَوِيِينَ ﴿ ﴾ أيِ السَّرِيرِ الرَّفِيعِ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: أصْلُهُ الرَّفْعُ.
﴿﴾ أيِ انْحَطُّوا ﴿ ﴾ الأبَوانِ والإخْوَةُ تَحْقِيقًا لِرُؤْياهُ مِمَّنْ هو غالِبٌ عَلى كُلِّ أمْرٍ، والسُّجُودُ - وأصْلُهُ: الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ - كانَ مُباحًا في تِلْكَ الأزْمِنَةِ ﴿﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿يا أبَتِ﴾ مُلَذِّذًا لَهُ بِالخِطابِ بِالأُبُوَّةِ ﴿﴾ أيِ الَّذِي وقَعَ مِنَ السُّجُودِ ﴿ ﴾ الَّتِي رَأيْتُها، ودَلَّ عَلى قَصْرِ الزَّمَنِ الَّذِي رَآها فِيهِ بِالجارِّ فَقالَ: ﴿ ﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿ ﴾ أيِ الَّذِي رَبّانِي بِما أوْصَلَنِي إلَيْها ﴿﴾ أيْ بِمُطابَقَةِ الواقِعِ لِتَأْوِيلِها، وتَأْوِيلِ ما أخْبَرْتَنِي بِهِ أنْتَ تُحَقِّقُ [أيْضًا] مَنِ اجْتِبائِي وتَعْلِيمِي وإتْمامِ النِّعْمَةِ عَلَيَّ؛ والتَّأْوِيلُ: تَفْسِيرُ (p-٢١٨)ما يُؤُولُ إلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ؛ وعَنْ سَلْمانَ \رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ ما بَيْنَ تَأْوِيلِها ورُؤْياها أرْبَعُونَ سَنَةً.
﴿ ﴾ أيْ أوْقَعَ إحْسانَهُ ﴿﴾ تَصْدِيقًا لِما بَشَّرَتْنِي بِهِ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ، [وتَعْدِيَةِ ﴿﴾ بِالباءِ أدُلُّ عَلى القُرْبِ مِنَ المُحْسِنِ مِنَ التَّعْدِيَةِ بِـ ”إلى“ وعَبَّرَ بِقَوْلِهِ:-] ﴿ ﴾ مُعْرِضًا عَنْ لَفْظِ ”الجُبِّ“ حَذَرًا مِن إيحاشِ إخْوَتِهِ مَعَ أنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ احْتِمالًا خَفِيًّا ﴿ ﴾ وقِيلَ: إنَّهم كانُوا أهْلُ عُمَدٍ وأصْحابُ مَواشٍ، يَتَنَقَّلُونَ في المِياهِ والمَناجِعِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ ﴾ مِن أطْرافِ بادِيَةِ فِلَسْطِينَ، وذَلِكَ مِن أكْبَرِ النِّعَمِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ ”مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يَنْقُلْهُ مِنَ البادِيَةِ إلى الحاضِرَةِ“ والبَدْوُ: بَسِيطٌ مِنَ الأرْضِ يُرى فِيهِ الشَّخْصُ مِن بَعِيدٍ، وأصْلُهُ مِنَ الظُّهُورِ، وأنِسَ إخْوَتُهُ أيْضًا بِقَوْلِهِ مُثْبِتًا الجارَّ لِأنَّ مَجِيئَهم في بَعْضِ أزْمانِ البُعْدِ: ﴿ ﴾ عَبَّرَ بِالماضِي لِيَفْهَمَ أنَّهُ انْقَضى ﴿﴾ أيْ أفْسَدَ البَعِيدَ المُحْتَرِقَ بِوَسْوَسَتِهِ الَّتِي هي كالنَّخْسِ ﴿ ﴾ حَيْثُ قَسَّمَ النَّزْعَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم ولَمْ يُفَضِّلْ أحَدًا مِنَ (p-٢١٩)الفَرِيقَيْنِ فِيهِ، ولَمْ يُثْبِتِ الجارُّ إشارَةً إلى عُمُومِ الإفْسادِ لِلْبَنِينِ، كُلُّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَحَقُّقٍ ما بَشَّرَ بِهِ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ وكَمالِ العِلْمِ والحِكْمَةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ الإحْسانَ إلَيْهِمْ أجْمَعِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيَّ عَلى وُجُوهٍ فِيها خَفاءٌ ﴿﴾ - أيْ يَعْلَمُ دَقائِقَ المَصالِحِ وغَوامِضَها، ثُمَّ يَسْلُكُ - في إيصالِها [إلى] المُسْتَصْلَحِ - سَبِيلَ الرِّفْقِ دُونَ العُنْفِ، فَإذا اجْتَمَعَ الرِّفْقُ في الفِعْلِ واللُّطْفِ في الإدْراكِ فَهو اللَّطِيفُ - قالَهُ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ. وهو سُبْحانُهُ فاعِلُ اللُّطْفِ في تَدْبِيرِهِ ورَحْمَتِهِ ﴿ ﴾ لا يُعْسَرُ عَلَيْهِ أمْرٌ؛ ثُمَّ عَلَّلَ هَذِهِ العِلَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ﴾ أيْ وحْدَهِ ﴿﴾ أيِ البَلِيغُ العِلْمِ لِلدَّقائِقِ والجَلائِلِ ﴿﴾ أيِ البَلِيغُ الإتْقانِ لِما يَصْنَعُهُ طِبْقَ ما خَتَمَ بِهِ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بُشْراهُ في أوَّلِ السُّورَةِ، أيْ هو مُنْفَرِدٌ بِالِاتِّصافِ بِذَلِكَ لا يُدانِيهِ أحَدٌ في عِلْمٍ لِيَتَعَرَّضَ إلى إبْطالِ ما يُقِيمُهُ مِنَ الأسْبابِ، ولا في حِكْمَةٍ لِيَتَوَقَّعَ الخَلَلُ في شَيْءٍ مِنها.