All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur’an as one whole — why this verse follows that.

Al-Anʿām 6:112 Juzʾ 8 Page 142

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
نظم الدرر Al-Biqāʿī

ولَمّا كانَ مَضْمُونَ ما تَقَدَّمَ إثْباتُ عَداوَةِ الكُفّارِ لِلنَّبِيِّ ﷺ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ تَسْلِيَةً لَهُ وتَثْبِيتًا لِفُؤادِهِ: فَقَدْ جَعَلْناهم أعْداءً لَكَ لِأنَّكَ عالِمٌ، والجاهِلُونَ لِأهْلِ العِلْمِ أعْداءُ ‏‏‏‏‏ أيْ: ومِثْلُ ما جَعَلْنا لَكَ أعْداءً مِن كُفّارِ الإنْسِ والجِنِّ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ أيْ: مِمَّنْ كانَ قَبْلَكَ، وعَبَّرَ عَنِ الجَمْعِ بِالمُفْرَدِ - والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ - إشارَةً إلى أنَّهم يَدٌ واحِدَةٌ في العَداوَةِ، فَقالَ: ‏‏‏‏ وبَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، وأنَّهم أهْلُ الشَّرِّ فَقالَ مُبْدِلًا: ‏‏‏‏ أيْ: أشْرارَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ المُتَمَرِّدِينَ مِنهم، ورُبَّما اسْتَعانَ شَيْطانُ الجِنِّ شَيْطانَ الإنْسِ لِقُرْبِ قَلْبِهِ مِنهُ، أمْ يَكُونُ نَوْعُهُ إلَيْهِ أمْيَلُ، وأشارَ إلى هَوانِ أمْرِهِمْ وسُوءِ عاقِبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: الشَّياطِينِ مِنَ النَّوْعَيْنِ ‏‏ ‏‏‏ أيْ: يُكَلِّمُهُ في خَفاءٍ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: مُزَيَّنِهِ ومُنَمَّقِهِ.

ولَمّا كانَ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ - لِكَوْنِهِ لا حَقِيقَةَ لَهُ - لَوْلا الزَّخْرَفَةُ ما قِيلَ - زادَهُ بَيانًا بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: لِأجْلِ أنْ يَغُرُّوهم بِذَلِكَ، أيْ: يَخْدَعُوهم فَيَصِيرُوا لِقَبُولِهِمْ كَلامِهِمْ كالغافِلِينَ الَّذِينَ شَأْنُهم عَدَمُ التَّحَفُّظِ، والغَرُورُ هو الَّذِي يُعْتَقَدُ فِيهِ النَّفْعُ ولَيْسَ بِنافِعٍ.

ولَمّا كانَ أوَّلُ الآيَةِ مُعْلِمًا أنَّ هَذا كانَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وجَعْلِهِ - أيَّدَ ذَلِكَ ومَكَّنَهُ في آخِرِها بِأنَّهُ لَوْ شاءَ ما كانَ، وكُلُّ ذَلِكَ غَيْرَةً عَلى مَقامِ الإلَهِيَّةِ وتَنْزِيهًا لِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ أنْ يَخْرُجَ شَيْءٌ عَنْها فَيَدُلُّ عَلى الوَهَنِ، ويَجُرُّ قَطْعًا إلى اعْتِقادِ العَجْزِ، فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏ ولَمّا كانَ في بَيانِ أعْدائِهِ ﷺ والمُسَلَّطِينَ عَلَيْهِ - أشارَ إلى أنَّ ذَلِكَ لِإكْرامِهِ وإعْزازِهِ، لا لِهَوانِهِ، فَقالَ ‏‏‏ أيْ: بِما لَهُ إلَيْكَ مِن حُسْنِ التَّرْبِيَةِ وغَزِيرِ الإحْسانِ مَعَ ما لَهُ مِن تَمامِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ، أنْ لا يَفْعَلُوهُ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: هَذا الَّذِي أنْبَأْتُكَ بِهِ مِن عَداوَتِهِمْ وما تَفَرَّعَ عَلَيْها.

ولَمّا قَرَّرَ أنَّ هَذا مِن بابِ التَّرْبِيَةِ فَعاقِبَتُهُ إلى خَيْرٍ، سَبَّبَ عَنْهُ قَطْعًا قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏ أيْ: اتْرُكْهم عَلى أيِّ حالَةٍ اتَّفَقَتْ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ كَذِبَهُ واخْتِلافَهُ، واذْكُرْ ما لِرَبِّكَ عَلَيْكَ مِنَ العاطِفَةِ لِتَعْلَمَ أنَّ الَّذِي سَلَّطَهم عَلى هَذا في غايَةِ الرَّأْفَةِ بِكَ والرَّحْمَةِ لَكَ وحُسْنِ التَّرْبِيَةِ كَما لا يَخْفى عَلَيْكَ، فَثِقْ بِهِ واعْلَمْ أنَّ لَهُ في هَذا لَطِيفَ سَرِيرَةٍ تَدُقُّ عَنِ الأفْكارِ، بِخِلافِ الآياتِ الآتِيَةِ الَّتِي عَبَّرَ فِيها بِاسْمِ الجَلالَةِ، فَإنَّها في عَظِيمِ تَجَرُّئِهِمْ عَلى مَقامِ الإلَهِيَّةِ.