All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur'an as one connected whole — why this verse follows that, and this surah that.

Hūd 11:3 Juzʾ 11 Page 221

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And [saying], "Seek forgiveness of your Lord and repent to Him, [and] He will let you enjoy a good provision for a specified term and give every doer of favor his favor. But if you turn away, then indeed, I fear for you the punishment of a great Day.

Read in the muṣḥaf

ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَشْمَلُ الأمْرَيْنِ بِقَوْلِهِ عَطْفًا عَلى ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [هود: ٢] مُشِيرًا إلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُقَدِّرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيِ اطْلُبُوا مَعَ الإخْلاصِ في العِبادَةِ أنْ يَغْفِرَ لَكُمُ المُحْسِنُ إلَيْكم ما فَرَّطْتُمْ فِيهِ؛ وأشارَ بِأداةِ التَّراخِي إلى عُلُوِّ رُتْبَةِ التَّوْبَةِ، وأنْ لا سَبِيلَ إلى طَلَبِ الغُفْرانِ إلّا بِها فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ أيِ ارْجِعُوا بِالظّاهِرِ والباطِنِ رُجُوعًا لا رَجْعَةَ فِيهِ [وإنْ كانَ المُرادُ بِها الدَّوامَ فَجَلِيلُ رُتْبَتِهِ غَيْرُ خَفِيٍّ] ‏‏‏‏‏‏ [أيْ يَمُدُّ في تَلْذِيذِكم بِالعَيْشِ مَدًّا، مِن مَتَعَ النَّهارُ: ارْتَفَعَ، والضُّحى: بَلَغَ غايَتَهُ، وأمْتَعَهُ اللَّهُ بِكَذا: أبْقاهُ وأنْشَأهُ إلى أنْ يَبْلُغَ شَبابَهُ]؛ و[لَمّا]، كانَ التَّمْتِيعُ - وهو المَتاعُ البالِغُ فِيهِ حَتّى لا يَكُونَ فِيهِ كَدَرٌ - لا يَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ فَلِذَلِكَ جُعِلَ المَصْدَرُ ‏‏‏‏ وأنَّهُ وضَعَ مَوْضِعَ ”تَمْتِيعًا“، هَذا المَصْدَرَ (p-٢٢٨)ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ أنْهى ما يَلِيقُ بِهَذِهِ الدّارِ، ولَقَدْ كانَ ما أُوتِيَهُ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم في زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الظَّفَرِ بِالإهْداءِ وسَعَةِ الدُّنْيا ورَغَدِ العَيْشِ كَذَلِكَ ‏‏ أيْ: مُمْتَدًّا إلى ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: في عِلْمِهِ إمّا بِالمَوْتِ لِكُلِّ واحِدٍ أوْ بِانْقِضاءِ ما ضَرَبَهُ مِنَ الأجَلِ لِلنِّعْمَةِ الَّتِي أشارَ إلَيْها ‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ أيْ: عَمَلٍ فاضِلٍ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: جَزاءَ ما قَصَدَ بِعَمَلِهِ عَلى وجْهِ التَّفْضِيلِ مِنهُ سُبْحانَهُ؛ فَإنَّهُ لا يَجِبُ لِأحَدٍ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وهو مَعَ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ التَّفْضِيلِ: الحَسَنَةُ بِعَشَرَةِ أمْثالِها؛ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وهَلَكَ مَن غَلَبَتْ آحادُهُ عَشَراتِهِ.

ولَمّا انْقَضى التَّبْشِيرُ مَجْزُومًا بِهِ، أتْبَعَهُ التَّحْذِيرَ مُخَوِّفًا مِنهُ لُطْفًا بِالعِبادِ واسْتِعْطافًا لَهم فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: تُكَلِّفُوا أنْفُسَكم ضِدَّ ما طَبَعَها اللَّهُ عَلَيْهِ مِن سَلامَةِ الفِطْرَةِ وسُهُولَةِ الِانْقِيادِ مِنَ الإعْراضِ ولَوْ أدْنى دَرَجاتِهِ بِما أشارَ إلَيْهِ حَذْفُ التّاءِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: والعاقِلُ مِن أبْعَدِ عَنِ المَخاوِفِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: لِكِبَرِ ما فِيهِ مِنَ العَذابِ مِمَّنْ قَدَرَ عَلى إثْباتِكُمْ، وخَصَّ اسْمُ الرَّبِّ تَذْكِيرًا بِما لَهُ مِنَ النِّعَمِ في الإيجادِ والإنْشاءِ والتَّرْبِيَةِ؛ ولَمّا كانَ الِاسْتِغْفارُ - وهو طَلَبُ الغُفْرانِ - مَطْلُوبًا في نَفْسِهِ لَكِنَّهُ لا يُعْتَبَرُ إلّا إذا قُرِنَ بِالتَّوْبَةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ (p-٢٢٩)بِ: ”ثُمَّ“ إشارَةً إلى عَظِيمِ رُتْبَتِها وعَلى مَنزِلَتِها وإنْ كانَ المُرادُ بِها الدَّوامَ عَلَيْها فَجَلِيلُ رُتْبَتِهِ غَيْرُ خَفِيٍّ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ العَمَلِ بِالفَضْلِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَمْ يَقَعِ التَّكْلِيفُ إلّا بِما في الوُسْعِ مَعَ أنَّهُ مِن مَعالِي الأخْلاقِ، لِأنَّ الفَضْلَ في الأصْلِ ما فَضَلَ عَنِ الإنْسانِ وتُعانِيهِ مِن كَرِيمِ الشَّمائِلِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو في الذُّرْوَةِ مِنَ الإحْكامِ؛ لِأنَّهُ مَنَعَ الفِعْلَ مِنَ الفَسادِ؛ والحَكِيمُ مِنَ الحِكْمَةِ وهي العِلْمُ بِما يَجْمَعُ عَلَيْهِ مِمّا يَمْنَعُ الفِعْلَ مِنَ الفَسادِ والنَّقْضِ، وبِها يُمَيَّزُ الحَسَنُ مِنَ القَبِيحِ والفاسِدِ مِنَ الصَّحِيحِ، وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ والتَّوْبَةَ سَبَبُ السِّعَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [المائدة: ٦٦] وأنَّ الإعْراضَ سَبَبُ الضِّيقِ، كَما قالَ ﷺ: ««إنَّ العَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ»».

‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إشارَةً إلى ثَوابِ الآخِرَةِ، فالتَّوْبَةُ سَبَبُ طِيبِ العَيْشِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ في كِتابِهِ في مُناسَبَةِ هَذِهِ السُّورَةِ لِلَّتِي قَبْلَها: ولَمّا كانَتْ سُورَةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ تَضَمَّنَتْ - مِن آيِ التَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ لِلْفِطَرِ ومِنَ العِظاتِ والتَّخْوِيفِ والتَّهْدِيدِ والتَّرْهِيبِ (p-٢٣٠)والتَّرْغِيبِ وتَقْرِيعِ المُشْرِكِينَ والجاحِدِينَ والقَطْعِ بِهِمْ والإعْلامِ بِالجَرَيانِ عَلى حُكْمِ السَّوابِقِ ووُجُوبِ التَّفْوِيضِ والتَّسْلِيمِ - ما لَمْ تَشْمَلْ عَلى مِثْلِهِ سُورَةٌ لِتَكَرُّرِ هَذِهِ الأغْراضِ فِيها، وسَبَبُ تَكَرُّرِ ذَلِكَ فِيها - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّها أُعْقِبَتْ بِها السَّبْعُ الطِّوالُ، وقَدْ مَرَّ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ سُورَةَ الأنْعامِ بِها وقْعُ اسْتِيفاءِ بَيانِ حالِ المُتَنَكِّبِينَ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ عَلى اخْتِلافِ أحْوالِهِمْ، ثُمَّ اسْتَوْفَتْ سُورَةُ الأنْعامِ ما وقَعَتِ الإحالَةُ عَلَيْهِ مِن أحْوالِ الأُمَمِ السّالِفَةِ كَما تَقَدَّمَ وبَسَطَتْ ما أُجْمِلَ مِن أمْرِهِمْ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِخِطابِ المُسْتَجِيبِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وحَذَّرُوا وأنْذَرُوا، وكَشَفَ عَنْ حالِ مَن تَلَبَّسَ بِهِمْ مِن عَدُوِّهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ، وتَمَّ المَقْصُودُ مِن هَذا في سُورَتَيِ الأنْفالِ وبَراءَةَ، ثُمَّ عادَ الخِطابُ إلى طَرِيقَةِ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ والتَّحْذِيرِ مِن عَذابِهِ بَعْدَ بَسْطِ ما تَقَدَّمَ، فَكانَ مَظِنَّةَ تَأْكِيدِ التَّخْوِيفِ والتَّرْهِيبِ لِإتْيانِ ذَلِكَ بَعْدَ بَسْطِ حالٍ وإيضاحِ أدِلَّةٍ، فَلِهَذا كانَتْ سُورَةُ يُونُسَ مُضَمَّنَةً مِن هَذا ما لَمْ يُضَمَّنْ غَيْرُها، ألا تَرى افْتِتاحَها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣] الآياتِ. ومُناسِبَةُ هَذا الِافْتِتاحِ دُعاءُ الخَلْقِ إلى اللَّهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] ثُمَّ قَدْ نُبِّهُوا هُنا كَما نُبِّهُوا هُناكَ فَقالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [يونس: ٣٨] ثُمَّ تَأكَّدَتِ المَواعِظُ والزَّواجِرُ والإشاراتُ إلى أحْوالِ المُكَذِّبِينَ والمُعانِدِينَ، (p-٢٣١)فَمِنَ التَّنْبِيهِ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣] ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [يونس: ٥] ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [يونس: ٦] ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [يونس: ٣٤] ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [يونس: ٣٥] ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] - إلى غَيْرِ هَذا، وعَلى هَذا السَّنَنِ تَكَرَّرَتِ العِظاتُ والأغْراضُ المُشارُ إلَيْها في هَذِهِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ١٠٨] فَحَصَلَ مِن سُورَةِ الأعْرافِ والأنْفالِ وبَراءَةَ ويُونُسَ تَفْصِيلُ ما كانَ أُجْمِلَ فِيما تَقَدَّمَها كَما حَصَلَ مِمّا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ أحْوالِ السّالِكِينَ والمُتَنَكِّبِينَ، فَلَمّا تَقَرَّرَ هَذا كُلُّهُ أتْبَعَ المَجْمُوعَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [هود: ١] وتَأمَّلْ مُناسَبَةَ الإتْيانِ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ الكَرِيمَيْنِ وهُما ”الحَكِيمُ الخَبِيرُ“ ثُمَّ تَأمَّلْ تَلاؤُمَ صَدْرِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ١٠٨] وقَدْ كانَ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [يونس: ٥٧] فَأتْبَعَ قَوْلَهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [يونس: ١٠٨] بِقَوْلِهِ في صَدْرِ سُورَةِ هُودٍ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [هود: ١] فَكَأنَّهُ في مَعْرِضِ بَيانِ الحَقِّ والمَوْعِظَةِ، وإذا كانَتْ مُحْكَمَةً مُفَصَّلَةً فَحُقَّ لَها أنْ تَكُونَ شِفاءً لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وحُقَّ تَوْبِيخُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [يونس: ٣٩] والعَجَبُ في عَمَهِهِمْ مَعَ \ إحْكامِهِ وتَفْصِيلِهِ ولَكِنَّ (p-٢٣٢)‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [يونس: ٩٦] وتَأمَّلْ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ آخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [هود: ١٢٠] فَكُلُّ الكِتابِ حَقٌّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى، وإنَّما الإشارَةُ - واللَّهُ أعْلَمُ - بِما أرادَ إلى ما تَقَرَّرَ الإيماءُ إلَيْهِ مِن كَمالِ بَيانِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ ومُلْتَزَماتِ مُتَّبِعِيهِ أخْذًا وتَرْكًا، وذِكْرِ أحْوالِ المُتَنَكِّبِينَ عَلى شَتّى طُرُقِهِمْ، واخْتِلافِ أهْوائِهِمْ وغاياتِهِمْ وشَرُّهم إبْلِيسُ؛ فَإنَّهُ مُتَّبِعُهم والقائِلُ لِجَمِيعِهِمْ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ [إبراهيم: ٢٢] وقَدْ بُسِطَ مَن أمْرِهِ وقِصَّتِهِ في البَقَرَةِ والأعْرافِ ما يَسَّرَ عَلى المُؤْمِنِينَ الحَذَرَ مِنهُ وعَرَّفَهم بِهِ، وذُكِرَ اليَهُودُ والنَّصارى والمُشْرِكُونَ والصّابِئُونَ والمُنافِقُونَ وغَيْرُهُمْ، وفَصَّلَ مُرْتَكَبَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنهم كَما اسْتَوْعَبَ ذِكْرَ أهْلِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، وفَصَّلَ أحْوالَهُمُ ابْتِداءً وانْتِهاءً والتِزامًا وتَرْكًا ما أوْضَحَ طَرِيقَهُمْ، وعَيَّنَ حِزْبَهم وفَرِيقَهم ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [الأنعام: ٩٠] وذَكَرَ أحْوالَ الأُمَمِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ وأخْذَ كُلٍّ مِنَ الأُمَمِ بِذَنْبِهِ مُفَصَّلًا، وذَكَرَ ابْتِداءَ الخَلْقِ في قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وحالَ المَلائِكَةِ في التَّسْلِيمِ والإذْعانِ وذَكَرَ فَرِيقَ الجِنَّ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ وأمْرَ الآخِرَةِ وانْتِهاءَ حالِ الخَلائِقِ واسْتِقْرارَهُمُ الأُخْرَوِيَّ وتَكْرِيرَ دُعاءِ الخَلْقِ إلى اللَّهِ تَعالى طَمَعًا فِيهِ ورَحْمَةً وإعْلامَ الخَلْقِ بِما هو عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وما يَجِبُ (p-٢٣٣)لَهُ مِنَ الصِّفاتِ العُلى والأسْماءِ الحُسْنى، ونَبَّهَ العِبادَ عَلى الِاعْتِبارِ وعَلِمُوا طُرُقَ الِاسْتِدْلالِ ورَغِبُوا ورَهِبُوا وبَشَّرُوا وأنْذَرُوا وأعْلَمُوا بِافْتِقارِ المَخْلُوقاتِ بِجُمْلَتِها إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما هو المُتَفَرِّدُ بِخَلْقِهِمْ إلى ما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِمّا يَعْجِزُ الخَلائِقُ عَنْ حَصْرِهِ والإحاطَةِ بِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٤] فَلَمّا تَقَدَّمَ هَذا كُلُّهُ في السَّبْعِ الطِّوالِ وما تَلاها أعْقَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [هود: ١] ثُمَّ أتْبَعَ هَذا بِالإيماءِ إلى فُصُولٍ ثَلاثَةٍ عَلَيْها مَدارُ آيِ الكُتُبِ، وهي فَصْلُ الإلَهِيَّةِ، وفَصْلُ الرِّسالَةِ، وفَصْلُ التَّكالِيفِ، أمّا الأوَّلُ فَأشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [هود: ٢] وأمّا فَصْلُ الرِّسالَةِ فَأشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [هود: ٢] وأمّا فَصْلُ التَّكالِيفِ فَأشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ وهَذِهِ الفُصُولُ الثَّلاثَةُ هي الَّتِي تَدُورُ عَلَيْها آيُ القُرْآنِ وعَلَيْها مَدارُ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، فَلَمّا حَصَلَ اسْتِيفاءُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِيما تَقَدَّمَ ولَمْ يَبْقَ وجْهُ شُبْهَةٍ لِلْمُعانِدِ ولا تَعَلُّقَ لِلْجاحِدِ واتَّضَحَ الحَقُّ وبانَ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [هود: ١٢٠] إشارَةً إلى كَمالِ المَقْصُودِ وبَيانِ المَطْلُوبِ واسْتِيفاءِ التَّعْرِيفِ بِوُضُوحِ الطَّرِيقِ وقَدْ وضَحَ مِن هَذا تِلاءُ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ لِما تَقَدَّمَها، ومِمّا يَشْهَدُ لِهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [هود: ١٧] وقَوْلُهُ تَعالى]: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [هود: ١١٢] (p-٢٣٤)فَقَدْ وضَحَ طَرِيقُكَ وفازَ بِالفَلاحِ حِزْبُكَ وفَرِيقُكَ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [هود: ١١٣] فَقَدْ عَرَفْتُمْ سَبِيلَهم ومَصِيرَهم فَقَدْ بانَ طَرِيقُ الحَقِّ، وكَيْفَ يَنْكِبُ مَن جَزَمَ سُلُوكَهُ مِنَ الخَلْقِ! ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [هود: ١٢٠] عَقِبَ ما ذَكَرَ سُبْحانَهُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] وقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ [الإنفطار: ١٩] فَتَأمَّلْ [ذَلِكَ] واللَّهُ المُسْتَعانُ - انْتَهى.

The same ayah, in another commentary

Hūd 11:3