All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur’an as one whole — why this verse follows that.

At-Tawbah 9:124 Juzʾ 11 Page 207

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
نظم الدرر Al-Biqāʿī

ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ السُّورَةَ أيِ الطّائِفَةَ الحاضَّةَ بِصِيغَةِ ”لَوْلا“ عَلى النَّفْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الآمِرَةِ بِجِهادِ الكُفّارِ والغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ، وكانَ لا يُحْمَلُ عَلى ذَلِكَ إلّا ما أشارَ إلَيْهِ خَتَمَ الآيَةَ السّالِفَةَ مِنَ التَّقْوى بِتَجْدِيدِ الإيمانِ كُلَّما نَزَلَ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ، وكانَ قَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُخالِفِينَ لِأمْرِ الجِهادِ بِالتَّخَلُّفِ دُونَ أمْرِ الإيمانِ حِينَ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [التوبة: ٨٦] التَفَتَ إلى ذَلِكَ لِيَذْكُرَ القِسْمَ الآخَرَ وهو القاعِدُ عَنِ الإيمانِ فَقالَ: ‏‏‏ وأُكِّدَ بِزِيادَةِ النّافِي تَنْبِيهًا عَلى فَضْلِ الإيمانِ فَقالَ: ”ما“.

ولَمّا كانَ المَنكِيُّ لَهم \ مُطْلَقُ النُّزُولِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ قِطْعَةٌ مِنَ القُرْآنِ، أيْ في مَعْنًى مِنَ المَعانِي ‏‏‏‏‏ أيْ مِنَ المُنَزَّلِ إلَيْهِمْ ‏‏ ‏‏‏‏ [أيْ] إنْكارًا واسْتِهْزاءً، وهُمُ المُنافِقُونَ ‏‏‏‏ أيْ أيُّها العِصابَةُ المُنافِقَةُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إيهامًا لِأنَّهم مُتَّصِفُونَ بِأصْلِ الإيمانِ؛ لِأنَّ الزِّيادَةَ ضَمُّ الشَّيْءِ إلى غَيْرِهِ مِمّا يُشارِكُهُ في صِفَتِهِ، هَذا ما يُظْهِرُونَ تَسَتُّرًا، وأمّا حَقِيقَةُ حالِهِمْ عِنْدَ أمْثالِهِمْ فالِاسْتِهْزاءُ اسْتِبْعادًا لِكَوْنِها تَزِيدُ أحَدًا في حالِهِ شَيْئًا، وسَبَبُ شَكِّهِمْ واسْتِفْهامِهِمْ أنَّ سامِعِيها انْقَسَمُوا إلى قِسْمَيْنِ: مُؤْمِنِينَ ومُنافِقِينَ، ولِذَلِكَ أجابَ تَعالى بِقَوْلِهِ مُسَبَّبًا عَنْ إنْزالِها: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ أوْقَعُوا الإيمانَ حَقِيقَةً لِصِحَّةِ أمْزِجَةِ قُلُوبِهِمْ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ تِلْكَ السُّورَةُ ‏‏‏‏‏‏ أيْ بِإيمانِهِمْ بِها إلى ما كانَ لَهم مِنَ الإيمانِ بِغَيْرِها وبِتَدَبُّرِها ورِقَّةِ القُلُوبِ بِها وفَهْمِ ما فِيها مِنَ المَعارِفِ المُوجِبَةِ لِطُمَأْنِينَةِ القُلُوبِ وثَلْجِ الصُّدُورِ.

ولَمّا كانَ المُرادُ بِالإيمانِ الحَقِيقَةُ وكانَتِ الزِّيادَةُ مُفْهِمَةً لِمَزِيدٍ عَلَيْهِ، اسْتَغْنى عَنْ أنْ يَقُولَ: إلى إيمانِهِمْ، لِذَلِكَ ولِدَلالَةِ ”الَّذِينَ آمَنُوا“عَلَيْهِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: يَحْصُلُ لَهُمُ البِشْرُ بِما زادَتْهم مِنَ الخَيْرِ الباقِي الَّذِي لا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وبَيَّنَ أنَّ أشْرَفَ ما فِيهِمْ مَسْكَنُ الآفَةِ فَقالَ: ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ فَمَنعَهُمُ الإيمانُ وأثْبَتَ لَهُمُ الكُفْرانَ فَلَمْ يُؤْمِنُوا.

ولَمّا كانَ المُرادُ بِالمَرَضِ الفَسادَ المَعْنَوِيَّ المُؤَدِّيَ إلى خُبْثِ العَقِيدَةِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالرِّجْسِ فَقالَ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيِ اضْطِرابًا مُوجِبًا لِلشَّكِّ، وزادَ الأمْرَ بَيانًا بِأنَّ المُرادَ المَجازُ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ شَكِّهِمُ الَّذِي كانَ في غَيْرِها ﴿وماتُوا﴾ أيْ: واسْتَمَرَّ بِهِمْ ذَلِكَ لِتَمَكُّنِهِ عِنْدَهم إلى أنْ ماتُوا ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: عَرِيقُونَ في الكُفْرِ، وسُمِّي الشَّكُّ في الدِّينِ مَرَضًا؛ لِأنَّهُ فَسادٌ في الرُّوحِ يَحْتاجُ [إلى عِلاجٍ] كَفَسادِ البَدَنِ في الِاحْتِياجِ، ومَرَضُ القَلْبِ أعْضَلُ. وعِلاجُهُ أعْسَرُ وأشْكَلُ، ودَواؤُهُ أعَزُّ وأطِبّاؤُهُ أقَلُّ. ولَمّا زادَ الكُفّارَ بِالسُّورَةِ رِجْسًا مِن أجْلِ كُفْرِهِمْ بِها، كانَتْ [كَأنَّها] هي الَّتِي زادَتْهُمْ، وحَسُنَ وصْفُها بِذَلِكَ كَما حَسُنَ: كَفى بِالسَّلامَةِ داءً، وكَما قالَ الشّاعِرُ:

؎أرى بَصَرِي قَدْ رابَنِي بَعْدَ نُصْحِهِ وحَسْبُكَ داءً أنْ تَصِحَّ وتَسْلَما

قالَهُ الرُّمّانِيُّ، فالمُؤْمِنُونَ يُخْبِرُونَ عَنْ زِيادَةِ إيمانِهِمْ وهَؤُلاءِ يُخْبِرُونَ عَنْ عَدَمِهِ في وِجْدانِهِمْ، فَهَذا مُوجِبُ شَكِّهِمْ وتَمادِيهِمْ في غَيِّهِمْ وإفْكِهِمْ، ولَوْ أنَّهم رَجَعُوا إلى حاكِمِ العَقْلِ لِأزالَ شَكَّهم وعَرَّفَهم صِدْقَ المُؤْمِنِينَ بِالفَرْقِ بَيْنَ حالَتَيْهِمْ، فَإنَّ ظُهُورَ الثَّمَراتِ مُزِيلٌ لِلشُّبُهاتِ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: إثْباتُ الإيمانِ أوَّلًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ ثانِيًا، وإثْباتُ المَرَضِ ثانِيًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِ الصِّحَّةِ أوَّلًا.