All commentaries

التفسير الوسيط

Ṭanṭāwī

محمد سيد طنطاوي (ت ١٤٣١ هـ)

Modern and plainly written — the sense, without the apparatus.

Aṣ-Ṣaff 61:14 Juzʾ 28 Page 552

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التفسير الوسيط Ṭanṭāwī

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بنداء ثالث وجهه إلى المؤمنين، دعاهم فيه إلى التشبه بالصالحين الصادقين من عباده فقال: ( ياأيها الذين آمَنُواْ... ).الحواريون: جمع حوارى. وهم أنصار عيسى - عليه السلام - الذين آمنوا به وصدقوه، وأخلصوا له ولازموه، وكانوا عونا له فى الدعوة إلى الحق، وكانوا اثنى عشر رجلا.يقال: فلان حوارى فلان، أى: هو من خاصة أصحابه، ومنه قول البنى - صلى الله عليه وسلم - فى الزبير بن العوام: " لكل نبى حوارى، وحواريى الزبير ".وأصل الحور: شدة البياض والصفاء، ومنه قولهم فى خالص لباب الدقيق: الحوارى، وفى النساء البيض الحسان: الحواريات والحوريات.وسمى الله - تعالى - أصفياء عيسى وأنصاره بذلك لشدة إخلاصهم له، وطهارة قلوبهم من الغش والنفاق، فصاروا فى نقائهم وصفائهم كالشىء الأبيض الخالص.والأنصار: جمع نصير، وهو من ينصر غيره نصرا شديدا مؤزرا.والمراد بنصر الله - تعالى -: نصر دينه وشريعته ونبيه الذى أرسله بالهدى، وديم الحق.وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: كونوا أنصاراً لله.والمعنى: يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان داوموا وواظبوا على أن تكونوا أنصاراً لدين الله فى كل حال، كما كان الحواريون كذلك، عندما دعاهم عيسى - عليه السلام - إلى نصرته والوقوف إلى جانبه.فالكلام محمول على المعنى، والمقصود منه حض المؤمنين على طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعلى الاستجابة التامة لما يدعوهم إليه، كما فعل الحواريون مع عيسى، حيث ثبتوا على دينهم، وصدقوا مع نبيهم، دون أن تنال منهم الفتن أو المصائب.قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما وجه صحة التشبيه - وظاهره تشبيه كونهم أنصاراً بقول عيسى ( مَنْ أنصاري إِلَى الله ).قلت التشبيه محمول على المعنى، وعليه يصح، والمراد كونوا أنصار الله، كما كان الحواريون أنصار عيسى كذلك حين قال لهم: من أنصارى إلى الله.فإن قتل: فما معنى قوله: ( مَنْ أنصاري إِلَى الله )؟ قلت: يجب أن يكون معناه مطابقا لجواب الحواريين: ( نَحْنُ أَنصَارُ الله ) والذى يطابقه أن يكون المعنى: من جندى متوجها إلى نصرة دين الله.والاستفهام فى قوله - تعالى -: ( مَنْ أنصاري إِلَى الله ) للحض على نصرته والوقوف إلى جانبه.وأضافهم - عليه السلام - إليه، باعتبارهم أنصار دعوته ودينه.وقوله: ( إِلَى الله ) متعلق بأنصارى، ومعنى " إلى " الانتهاء المجازى.أى: قال عيسى للحواريين على سبيل الامتحان لقوة إيمانهم: من الجند المخلصون الذين أعتمد عليهم بعد الله - تعالى - فى نصرة دينه، وفى التوجه إليه بالعبادة والطاعة وتبليغ رسالته...؟فأجابوه بقولهم: نحن أنصار دين الله - تعالى - ونحن الذين على استعداد أن نبذل نفوسنا وأموالنا فى سبيل تبليغ دعوته - عز وجل - ومن أجل إعلاء كلمته.وقوله - تعالى -: ( فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بني إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ ) مفرع على ما قبله، لبيان موقف قومه منه.أى: قال الحواريون لعيسى عندما دعاهم إلى اتباع الحق: نحن أنصار دين الله، ونحن الذين سنثبت على العهد... أما بقية بنى إسرائيل فقد افترقوا إلى فرقتين: فرقة آمنت بعيسى وبما جاء به من عند الله - تعالى -، وفرقة أخرى كفرت به وبرسالته.وقوله: ( فَأَيَّدْنَا الذين آمَنُواْ على عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ ).بيان للنتائج التى تحققت لكل طائفة من الطائفتين: المؤمنين والكافرين.وقوله: ( ظَاهِرِينَ ) من الظهور بمعنى الغلبة، يقال: ظهر فلان على فلان، إذا تغلب عليه وقهره.أى: كان من قوم عيسى من آمن به، ومنهم من كفر به، فأيدنا وقوينا ونصرنا الذين آمنوا به، على الذين كفروا به، فصار المؤمنون ظاهرين ومنتصرين على أعدائهم بفضله - تعالى - ومشيئته.والمقصود من هذا الخبر حض المؤمنون فى كل زمان ومكان، على الإيمان والعمل الصالح، لأن سنة الله - تعالى - قد اقتضت أن يجعل العاقبة لهم، كما جعلها لأتباع عيسى المؤمنين، على أعدائهم الكافرين.قال بعض العلماء: وتأويل هذا النص يمكن أن ينصرف إلى أحد معنيين: إما أن الذين آمنوا برسالة عيسى - عليه السلام -، هم المسيحيون إطلاقا، من استقام، ومن دخلت فى عقيدته الانحرافات، وقد أيدهم الله - تعالى - على اليهود الذين لم يؤمنوا به أصلا، كما حدث فى التاريخ.وإما أن الذين آمنوا: هم الذين أصروا على التوحيد فى وجه المؤهلين لعيسى، والمثلثين وسائر النحل التى انحرفت عن التوحيد.ومعنى: أنهم أصبحوا ظاهرين، أى: بالحجة والبرهان، أو أن التوحيد الذى هم عليه، هو الذى أظهره الله بهذا الدين الأخير - أى: دين الإسلام - وجعل له الجولة الأخيرة فى الأرض. كما وقع فى التاريخ.هذا المعنى الأخير هو الأرجح والأقرب فى هذا السياق.وبعد: فهذا تفسير لسورة " الصف " نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه، ونافعاً لعباده.وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.