All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur'an as one connected whole — why this verse follows that, and this surah that.

Al-ʿAnkabūt 29:45 Juzʾ 20 Page 401

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Recite, [O Muhammad], what has been revealed to you of the Book and establish prayer. Indeed, prayer prohibits immorality and wrongdoing, and the remembrance of Allah is greater. And Allah knows that which you do.

Read in the muṣḥaf

ولَمّا أفادَ هَذا الخَبَرُ كُلُّهُ القُرْآنَ الَّذِي لا حَقَّ أحَقُّ مِنهُ، ودَلَّ عَلى أنَّ فَهْمَ أمْثالِهِ يَحْتاجُ إلى مَزِيدِ عِلْمٍ، وأنَّ مِفْتاحَ العِلْمِ بِهِ سُبْحانَهُ رُسُوخُ الإيمانِ، خاطَبَ رَأْسَ أهْلِ الإيمانِ لِأنَّهُ أعْظَمُ الفاهِمِينَ لَهُ لِيَقْتَدِيَ بِهِ الأتْباعَ فَقالَ: (p-٤٤٧)‏‏‏ ‏‏ أيْ: تابِعْ قِراءَتَهُ؛ ودَلَّ عَلى شَرَفِهِ لِاخْتِصاصِهِ بِهِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ إذِ الوَحْيُ الإلْقاءُ سِرًّا ‏‏ ‏‏‏‏‏ [أيْ: ] الجامِعِ لِكُلِّ خَيْرٍ، فَإنَّهُ المُفِيدُ لِلْإيمانِ، مَعَ أنَّهُ أحَقُّ الحَقِّ الَّذِي خُلِقَتِ السَّماواتُ والأرْضُ لِأجْلِهِ، والإكْثارُ في تِلاوَتِهِ يَزِيدُ بَصِيرَةً في أمْرِهِ، ويَفْتَحُ كُنُوزَ الدَّقائِقِ مِن عِلْمِهِ، وهو أكْرَمُ مِن أنْ يُنِيلَ قارِئَهُ فائِدَةً وأجَلُّ مِن أنْ يُعْطِيَ قِيادَ فَوائِدِهِ ويَرْفَعُ الحِجابَ عَنْ جَواهِرِهِ وفَرائِدِهِ في أوَّلِ مَرَّةٍ، بَلْ كُلَّما رَدَّدَهُ القارِئُ بِالتَّدَبُّرِ حَباهُ بِكَنْزٍ مِن أسْرارِهِ، ومَهْما زادَ زادَهُ [مِن] لَوامِعِ أنْوارِهِ، إلى أنْ يَقْطَعَ بِأنَّ عَجائِبَهُ لا تُعَدُّ، وغَرائِبَهُ لا تُحَدُّ.

ولَمّا أرْشَدَ إلى مِفْتاحِ العِلْمِ، دَلَّ قانُونُ العَمَلِ الَّذِي لا يَصِحُّ إلّا بِالقُرْآنِ، وهو ما يَجْمَعُ الهَمَّ، فَيَحْضُرُ القَلْبُ، فَيَنْشَرِحُ الصَّدْرُ، فَيَنْبَعِثُ الفِكْرُ في رِياضِ عُلُومِهِ، فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: الَّتِي هي أحَقُّ العِباداتِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ دالًّا بِالتَّأْكِيدِ عَلى فَخامَةِ أمْرِها، وأنَّهُ مِمّا يَخْفى عَلى غالِبِ النّاسِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: تُوجِدُ النَّهْيَ وتُجِدِّدُهُ لِلْمُواظِبِ عَلى إقامَتِها بِجَمِيعِ حُدُودِها ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: الخِصالِ ألَّتَيْ بَلَغَ قُبْحُها ‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: الَّذِي فِيهِ نَوْعُ قُبْحٍ وإنْ دَقَّ، وأقَلُّ ما فِيها مِنَ النَّهْيِ النَّهْيُ عَنْ تَرْكِها الَّذِي هو كُفْرٌ، ومَنِ انْتَهى (p-٤٤٨)عَنْ ذَلِكَ انْشَرَحَ صَدْرُهُ، واتَّسَعَ فِكْرُهُ، فَعُلِمَ مِن أسْرارِ القُرْآنِ ما لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [البقرة: ٢٨٢]

ولَمّا كانَ النّاهِي في الحَقِيقَةِ إنَّما هو ذِكْرُ اللَّهِ، أتْبَعَ ذَلِكَ الحَثَّ عَلى رُوحِ الصَّلاةِ والمَقْصِدِ الأعْظَمِ مِنها، وهو المُراقَبَةُ لِمَن يُصَلِّي [لَهُ] حَتّى كَأنَّهُ يَراهُ لِيَكُونَ بِذَلِكَ في أعْظَمِ الذِّكْرِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏ أيْ: ولِأنَّ ذِكْرَ المُسْتَحِقِّ لِكُلِّ صِفَةِ كَمالٍ ‏‏‏‏‏ أيْ: مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَمَنِ اسْتَحْضَرَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ هانَ عِنْدَهُ كُلُّ شَيْءٍ سِواهُ: ”إنَّ عَبْدِي كُلَّ عَبْدِي لَلَّذِي يَذْكُرُنِي عِنْدَ لِقاءِ قِرْنِهِ“، أوْ يَكُونُ المُرادُ أنَّ مَن واظَبَ عَلى الصَّلاةِ ذَكَرَ اللَّهَ، ومَن ذَكَرَهُ أوْشَكَ أنْ يَرِقَّ قَلْبُهُ، ومَن رَقَّ قَلْبُهُ اسْتَنارَ لُبُّهُ، فَأوْشَكَ أنْ يَنْهاهُ هَذا الذِّكْرُ المُثْمِرُ لِهَذِهِ الثَّمَرَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، فَكانَ ذِكْرُ الذّاكِرِ لَهُ سُبْحانَهُ أكْبَرَ نَهْيًا لَهُ عَنِ المُنْكَرِ مِن نَهْيِ الصَّلاةِ لَهُ، وكانَ ذِكْرُهُ لَهُ سُبْحانَهُ كَبِيرًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وإذا كانَ هَذا شَأْنَ ذِكْرِ العَبْدِ لِمَوْلاهُ، فَما ظَنُّكَ بِذِكْرِ مَوْلاهُ لَهُ كُلَّما أقْبَلَ عَلَيْهِ بِصَلاةٍ فَإنَّهُ جَدِيرٌ بِأنْ يَرْفَعَهُ إلى حَدٍّ لا يُوصَفُ، ويُلْبِسُهُ مِن أنْوارِهِ مَلابِسَ لا تُحْصَرُ.

(p-٤٤٩)ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى عِلاجٍ لِمُعْوَجِّ الطِّباعِ ومُنْحَرِفِ المِزاجِ، وتَمَرُّنٍ عَلى شاقِّ الكُلَفِ، ورِياضَةٍ لِجِماحِ النُّفُوسِ، وكانَ ﷺ قَدْ نُزِّهَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِما جُبِلَ عَلَيْهِ مِن أصْلِ الفِطْرَةِ، ثُمَّ [بِما] غَسَلَ بِهِ قَلْبَهُ مِن ماءِ الحِكْمَةِ، [وغَيْرِ ذَلِكَ] مِن جَلِيلِ النِّعْمَةِ، عَدَلَ إلى خِطابِ الأتْباعِ يَحُثُّهم عَلى المُجاهَدَةِ فَقالَ: ‏‏‏ أيْ: المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً ‏‏‏‏ أيْ: في كُلِّ وقْتٍ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، مُعَبِّرًا بِلَفْظِ الصَّنْعَةِ الدّالِّ عَلى مُلازَمَةِ العَمَلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ إقامَةَ ما ذَكَرَ تَحْتاجُ إلى تَمَرُّنٍ عَلَيْهِ وتَدَرُّبٍ، حَتّى يَصِيرَ طَبْعًا صَحِيحًا، ومَقْصُودًا صَرِيحًا.

The same ayah, in another commentary

Al-ʿAnkabūt 29:45