All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur'an as one connected whole — why this verse follows that, and this surah that.

Ash-Shūrā 42:3 Juzʾ 25 Page 483

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Thus has He revealed to you, [O Muhammad], and to those before you - Allah, the Exalted in Might, the Wise.

Read in the muṣḥaf

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الحُرُوفُ - واللهُ أعْلَمُ - مُشِيرَةٌ إلى الِاجْتِماعِ كَما أشارَ إلَيْهِ آخِرُ السُّورَةِ الماضِيَةِ، قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ‏‏‏‏ أيْ مِثْلُ هَذا الإيحاءِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي أخْبَرَكَ بِهِ رَبُّكَ صَرِيحًا أوَّلُ ”فُصِّلَتْ“ مِن أنَّ الإلَهَ إلَهٌ واحِدٌ وآخِرُها مِن أنَّهُ ما يُقالُ لَكَ (p-٢٣٨)إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مَن قَبْلِكَ، ومِن أنَّهُ يَجْمَعُ أُمَّتَكَ عَلى هَذا الدِّينِ بِما يَتَبَيَّنُ لَهم أنَّ هَذا القُرْآنَ هو الحَقُّ بِما يُرِيهِمْ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ والدَّلالاتِ الواضِحاتِ في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ وبِشَهادَتِهِ سُبْحانَهُ بِإعْجازِ القُرْآنِ لِجَمِيعِ الإنْسِ والجانِّ ولا سِيَّما إذا أقْدَمَ ضالٌّ عَلى مُعارَضَتِهِ كَمُسَيْلِمَةَ فَإنَّهُ يَتَبَيَّنُ لَهُمُ الأمْرُ بِذَلِكَ غايَةَ البَيانِ ”وبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأشْياءُ“ ورَمَزَ لَكَ بِهِ سُبْحانَهُ تَلْوِيحًا أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ بِهَذِهِ الأحْرُفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي هي أعْلى وأغْلى مِنَ الجَواهِرِ المُرَصَّعَةِ - إلى مِثْلِ ذَلِكَ، فَهُما نَوْعانِ مِنَ الوَحْيِ: صَرِيحٌ وعِبارَةٌ، وتَلْوِيحٌ وإشارَةٌ.

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الإفْهامَ لِأنَّ الإيحاءَ مِنهُ سُبْحانَهُ عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ إلى جَمِيعِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ والبِشارَةِ لَهُ ﷺ بِتَجْدِيدِهِ لَهُ، مُدَّةَ حَياتِهِ تَثْبِيتًا لِفُؤادِهِ، ودَلالَةً عَلى دَوامِ وِدادِهِ، عَبَّرَ بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، وتَقَدَّمَ في أوَّلِ البَقَرَةِ نَقْلًا عَنْ أبِي حَيّانَ ومِن قَبْلِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ أنَّهُ قَدْ لا يُلاحِظُ مِنهُ زَمَنٌ مُعَيَّنٌ، بَلْ يُرادُ مُطْلَقَ الوُجُودِ فَقالَ: ”يُوحى إلَيْك“ أيْ سابِقًا ولاحِقًا ما دُمْتُ حَيًّا لا يَقْطَعُ ذَلِكَ عَنْكَ أصْلًا تَوْدِيعًا ولا قَلى بِما يُرِيدُ مِن أمْرِهِ مِمّا يُعْلِي لَكَ مِقْدارَكَ، ويَنْشُرُ أنْوارَكَ ويُعْلِي مَنارَكَ. (p-٢٣٩)ولَمّا كانَ الِاهْتِمامُ بِالوَحْيِ لِمَعْرِفَةِ أنَّهُ حَقٌّ - كَما أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ - والمُوحِي إلَيْهِ لِمَعْرِفَةِ أنَّهُ رَسُولٌ حَقًّا وكانَ المُرادُ بِالمُضارِعِ مُجَرَّدَ إيقاعِ مَدْلُولِهِ لا يُفِيدُ الِاسْتِقْبالَ صَحَّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ مُقَدَّمًا عَلى الفاعِلِ: ‏‏ ‏‏‏‏ والقائِمُ مَقامَ الفاعِلِ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ”كَذَلِكَ“ .

ولَمّا كانَ الرُّسُلُ بَعْضُ مَن تَقَدَّمَ في بَعْضِ أزْمِنَةِ القَبْلِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ مِنَ الرُّسُلِ الكِرامِ والأنْبِياءِ الأعْلامِ، بِأنَّ أُمَّتَكَ أكْثَرُ الأُمَمِ وأنَّكَ أشْرَفُ الأنْبِياءِ، وأخَذَ عَلى كُلٍّ مِنهُمُ العَهْدَ بِاتِّباعِكَ، وأنْ يَكُونَ مِن أنْصارِكَ وأشْياعِكَ. ولَمّا قَدَّمَ ما هو الأهَمُّ مِنَ الوَحْيِ والمُوحى إلَيْهِ، أتى بِفاعِلِ ‏‏‏ في قِراءَةِ العامَّةِ فَقالَ: ‏‏ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ. . وهو مَرْفُوعٌ عِنْدَ ابْنِ كَثِيرٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ الَّذِي يُوحِيهِ. ولَمّا كانَ نُفُوذُ الأمْرِ دائِرًا عَلى العِزَّةِ والحِكْمَةِ قالَ: ‏‏‏‏‏‏ أيِ الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ ‏‏‏‏‏ الَّذِي يَضَعُ ما يَصْنَعُهُ في أتْقَنِ مِحالِّهِ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ لا يَقْدِرُ عَلى نَقْضِ ما أبْرَمَهُ، ولا نَقْصِ (p-٢٤٠)ما أحْكَمَهُ.

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لِما تَضَمَّنَتْ سُورَةُ غافِرٍ ما تَقَدَّمَ مِن بَيانِ حالَيِ المُعانِدِينَ والجاحِدِينَ، وأعْقَبَتْ بِسُورَةِ السَّجْدَةِ بَيانًا أنَّ حالَ كُفّارِ العَرَبِ في ذَلِكَ كَحالِ مَن تَقَدَّمَهُ وإيضاحًا لِأنَّهُ الكِتابُ العَزِيزُ وعَظِيمٌ بُرْهانُهُ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَجِدْ عَلى مَن قَضى عَلَيْهِ تَعالى بِالكُفْرِ، اتَّبَعَتِ السُّورَتانِ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الشُّورى مِن أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إنَّما جَرى عَلى ما سَبَقَ في عِلْمِهِ تَعالى بِحُكْمِ الأزَلِيَّةِ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [الشورى: ٧] ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشورى: ٦] ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الشورى: ٨] ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الشورى: ٢١] ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الشورى: ٢٩] ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ [الشورى: ٣١] ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الشورى: ٤٦] ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشورى: ٤٨] ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الشورى: ٥٢] فَتَأمَّلْ هَذِهِ وما التَحَمَ بِها مِمّا لَمْ يَجْرِ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِنهُ إلّا النّادِرُ، ومُحْكَمُ ما اسْتَجَرَّهُ، وبِناءُ هَذِهِ السُّورَةِ (p-٢٤١)عَلى ذَلِكَ ومَدارُ آيِها، يُلِحُّ لَكَ وجْهُ اتِّصالِها بِما قَبْلَها والتِحامِها بِما جاوَرَها.

ولَمّا خُتِمَتْ سُورَةُ السَّجْدَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [فصلت: ٥٤] أعْقَبَها سُبْحانَهُ بِتَنْزِيهِهِ وتَعالِيهِ عَنْ رَيْبِهِمْ وشَكِّهِمْ، فَقالَ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الشورى: ٥] كَما أعْقَبَ بِمِثْلِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [مريم: ٨٨] ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [مريم: ٨٩] ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ [مريم: ٩٠] ولَمّا تَكَرَّرَ في سُورَةِ حم السَّجْدَةِ ذَكَرَ تَكَبُّرَ المُشْرِكِينَ وبُعْدَ انْقِيادِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ [فصلت: ٤] ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [فصلت: ٥] إلى ما ذَكَرَ تَعالى مِن حالِهِمُ المُنْبِئَةِ عَنْ بُعْدِ اسْتِجابَتِهِمْ فَقالَ تَعالى في سُورَةِ الشُّورى ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الشورى: ١٣] - انْتَهى.

The same ayah, in another commentary

Ash-Shūrā 42:3