All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur'an as one connected whole — why this verse follows that, and this surah that.

Al-Ḥujurāt 49:12 Juzʾ 26 Page 517

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

O you who have believed, avoid much [negative] assumption. Indeed, some assumption is sin. And do not spy or backbite each other. Would one of you like to eat the flesh of his brother when dead? You would detest it. And fear Allah; indeed, Allah is Accepting of repentance and Merciful.

Read in the muṣḥaf

ولَمّا كانَ الإنْسانُ رُبَّما دَعا صاحِبَهُ بِلَقَبٍ لَهُ شَيْءٌ غَيْرُ قاصِدٍ بِهِ عَيْبَهُ، أوْ فَعَلَ فِعْلًا يَتَنَزَّلُ عَلى الهُزْءِ غَيْرَ قاصِدٍ بِهِ الهُزْءَ، نَهى تَعالى عَنِ المُبادَرَةِ إلى الظَّنِّ مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن وضْعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها، الَّذِي هو مَعْنى الظُّلْمِ فَقالَ خاتِمًا بِالقَسَمِ الخامِسِ مُنَبِّهًا عَلى ما فِيهِ مِن (p-٣٧٨)المَعالِي والنَّفائِسِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ اعْتَرَفُوا بِالإيمانِ وإنْ كانُوا في أوَّلِ مَراتِبِهِ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: كَلِّفُوا أنْفُسَكم أنْ تَتْرُكُوا وتَبْعُدُوا وتَجْعَلُوا في جانِبٍ بَعِيدٍ عَنْكم ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: في النّاسِ وغَيْرِهِمْ فاحْتاطُوا في كُلِّ ظَنٍّ ولا تَمادَوْا مَعَهُ حَتّى تَجْزِمُوا بِهِ فَتَقَدَّمُوا بِسَبَبِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ مِنَ الشَّرِّ إلّا بَعْدَ التَّبَيُّنِ لِحَقِّهِ مِن باطِلِهِ بِأنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ أمارَةٌ صَحِيحَةٌ وسَبَبٌ ظاهِرٌ، والبَحْثُ عَنْ ذَلِكَ الَّذِي أوْجَبُ الظَّنِّ لَيْسَ بِمَنهِيٍّ عَنْهُ كَما فَتَّشَ النَّبِيُّ ﷺ في قِصَّةِ الإفْكِ وتَثَبَّتَ حَتّى جاءَهُ الخَبَرُ اليَقِينُ مِنَ اللَّهِ، وأفْهَمَ هَذا أنَّ كَثِيرًا مِنهُ مُجْتَنَبٌ كَما في الِاجْتِهادِ حَيْثُ لا قاطِعَ، وكَما في ظَنِّ الخَيْرِ بِاللَّهِ تَعالى، بَلْ [قَدْ] يَجِبُ كَما [قالَ] تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [النور: ١٢] وقَدْ أفادَ التَّنْكِيرُ شِياعَ النَّهْيِ في كُلِّ ظَنٍّ، فَكانَ بِمَعْنى ”بَعْضٍ“ مَعَ الكَفالَةِ بِأنَّ كَثِيرًا مِنهُ مَنهِيٌّ عَنِ الإقْدامِ عَلَيْهِ إلّا بَعْدَ تَبَيُّنِ أمْرِهِ، ولَوْ عُرِفَ لَأفْهَمَ أنَّهُ لا يُجْتَنَبُ إلّا إذا اتَّصَفَ بِالكَثْرَةِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: والنَّفْسُ لا تُصَدِّقُ، والقَلْبُ لا يُكَذِّبُ، والتَّمْيِيزُ بَيْنَ النَّفْسِ والقَلْبِ مُشْكِلٌ، ومَن بَقِيَتْ عَلَيْهِ مِن حُظُوظِهِ بَقِيَّةٌ وإنْ قَلَّتْ فَلَيْسَ لَهُ أنْ يُدْعى بَيانَ القَلْبِ، بَلْ هو بِنَفْسِهِ [ما] دامَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن بَقِيَّتِهِ، ويَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَتَّهِمَ نَفْسَهُ في كُلِّ ما يَقَعُ لَهُ مِن نُقْصانِ غَيْرِهِ، (p-٣٧٩)ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ مُثِيرًا إلى أنَّ العاقِلَ مَن يَكُفُّ نَفْسَهُ عَنْ أدْنى احْتِمالٍ مِنَ الضَّرَرِ احْتِمالًا مُؤَكَّدًا؛ لِأنَّ أفْعالَ النّاسِ عِنْدَ الظُّنُونِ أفْعالُ مَن هو جازِمٌ بِأنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الإثْمِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: ذَنْبٌ يُوصِلُ صاحِبَهُ لِاسْتِحْقاقِ العُقُوبَةِ كالظَّنِّ في أُصُولِ الدِّينِ، وحَيْثُ يُخالِفُهُ قاطِعٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: الهَمْزَةُ في الإثْمِ عَنِ الواوِ وكَأنَّهُ يَثِمُ الأعْمالَ أيْ يَكْسِرُها بِإحْباطِهِ.

ولَمّا نَهى عَنِ اتِّباعِ الظَّنِّ، أتْبَعَهُ ما يَتَفَرَّعُ عَنْهُ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: تَمَعَّنُوا في البَحْثِ عَنِ العَوْراتِ ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا في المَسْتُورِينَ.

ولَمّا كانَتِ الغِيبَةُ أعَمَّ مِنَ التَّجَسُّسِ، قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: يَتَعَمَّدْ أنْ يَذْكُرَ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ في غَيْبَتِهِ بِما يَكْرَهُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: ولَيْسَ تَحْصُلُ الغِيبَةُ مِنَ الخَلْقِ إلّا بِالغَيْبَةِ عَنِ الحَقِّ، وقالَ أبُو حَيّانَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الغِيبَةُ إدامُ كِلابِ النّاسِ.

ولَمّا كانَ تَمْزِيقُ عِرْضِ النّاسِ كَتَمْزِيقِ أدِيمِهِمْ ولا يَكُونُ ذَلِكَ ساتِرَ عَظَمَةِ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ كَما أنَّ عِرْضَهُ ساتِرٌ عَلَيْهِ، وكَوْنُهُ لا يَرُدُّ عَنْ نَفْسِهِ بِسَبَبِ غَيْبَتِهِ كَمَوْتِهِ وأعْمالِ الفَمِ والجَوْفِ في ذَلِكَ كُلِّهِ، (p-٣٨٠)وكانَ هَذا لَوْ تَأمَّلَهُ العاقِلُ كانَ مِنهُ عَلى غايَةِ النُّفْرَةِ، ولَكِنَّهُ لِخَفائِهِ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ، جَلّاهُ لَهُ في قَوْلِهِ تَقْرِيرًا وتَعْبِيرًا بِالحُبِّ عَمّا هو في غايَةِ الكَراهَةِ لِما لِلْمُغْتابِ مِنَ الشَّهْوَةِ [فِي الغِيبَةِ] لِيَكُونَ التَّصْوِيرُ بِذَلِكَ رادًّا لَهُ عَنْها ومُكَرِّهًا فِيها: ‏‏‏ وعَمَّ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ وعَبَّرَ بِأنْ والفِعْلِ تَصْوِيرًا لِلْفِعْلِ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ وزادَ في التَّنْفِيرِ بِجَعْلِهِ في إنْسانٍ هو أخٌ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ وأنْهى الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏

ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: لا يُحِبُّ أحَدٌ ذَلِكَ، أشارَ إلَيْهِ بِما سَبَّبَ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: بِسَبَبِ ما ذُكِرَ طَبْعًا فَأوْلى أنْ تَكْرَهُوا الغِيبَةَ المُحَرَّمَةَ عَقْلًا؛ لِأنَّ داعِيَ العَقْلِ بَصِيرٌ عالِمٌ، وداعِي الطَّبْعِ أعْمى جاهِلٌ، وقَدْ رَتَّبَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الحِكَمَ أبْدَعَ تَرْتِيبٍ، فَأمَرَ سُبْحانَهُ بِالتَّثَبُّتِ. وكانَ رُبَّما أحْدَثَ ضَغِينَةً، نَهى عَنِ العَمَلِ بِمُوجِبِهِ مِنَ السُّخْرِيَةِ واللَّمْزِ والنَّبْزِ والتَّمادِي مَعَ ما يَنْشُرُهُ ذَلِكَ مِنَ الظُّنُونِ، فَإنْ أبَتِ النَّفْسُ إلّا تَمادِيًا مَعَ الظَّنِّ فَلا يَصِلُ إلى التَّجَسُّسِ والبَحْثِ عَنِ المَعايِبِ، فَإنْ حَصَلَ الِاطِّلاعُ عَلَيْها كَفَّ عَنْ ذِكْرِها، وسَعى في سَتْرِها، وفَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ لِخَوْفِ اللَّهِ، لا شَيْءَ غَيْرُهُ، فَإنْ وقَعَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ بادَرَ المَتابَ رَجاءَ الثَّوابِ.

(p-٣٨١)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاتْرُكُوهُ بِسَبَبِ كَراهَتِهِمْ لِما صَوَّرْتُهُ، عَطَفَ عَلَيْهِ ما دَلَّ عَلى العِلَّةِ العُظْمى وهي خَوْفُ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ أيِ اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ المَلِكِ الأعْظَمِ وِقايَةً بِتَرْكِ ذَلِكَ وإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْكم إنْ تَرَكْتُمُوهُ، عَلَّلَهُ بِما دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ لَهُ مُتَكَرِّرَةُ التَّعَلُّقِ فَقالَ: ‏‏ ‏‏ أيِ: المَلِكَ الأعْظَمَ ‏‏‏‏ أيْ: مُكَرِّرٍ لِلتَّوْبَةِ، وهي الرُّجُوعُ عَنِ المَعْصِيَةِ إلى [ما] كانَ قَبْلَها مِن مُعامَلَةِ التّائِبِ وإنْ كَرَّرَ الذَّنْبَ، فَلا يَيْأسْ أحَدٌ وإنْ كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ وعَظُمَتْ ‏‏‏‏ يَزِيدُهُ عَلى ذَلِكَ أنْ يُكْرِمَهُ غايَةَ الإكْرامِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Ḥujurāt 49:12