All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur'an as one whole — why this verse follows that.

Al-Māʾidah 5:103 Juzʾ 7 Page 124

‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Allah has not appointed [such innovations as] bahirah or sa'ibah or wasilah or ham. But those who disbelieve invent falsehood about Allah, and most of them do not reason.

Read in the muṣḥaf

ولَمّا فَرَغَ مِن زَجْرِهِمْ عَنْ أنْ يَشْرَعُوا لِأنْفُسِهِمْ؛ أوْ يَسْألُوهُ عَنْ أنْ يَشْرَعَ لَهُمْ؛ وأنْ يَسْألُوا مَن رَحِمَهم بِابْتِدائِهِمْ بِهَذا الشَّرْعِ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ اعْتِمادًا عَلى أنَّهُ ما ابْتَدَأ بِذَلِكَ إلّا وهو غَيْرُ مُخْفٍ عَنْهم شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ؛ ولا مُبْدٍ لَهم شَيْئًا يَضُرُّهُمْ؛ لِأنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ - كَما تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلى ذَلِكَ -؛ قالَ - مُعَلِّلًا بِخِتامِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها -: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ فَلا يَشْرَعُ شَيْئًا إلّا وهو عَلى غايَةِ الحِكْمَةِ؛ وأغْرَقَ (p-٣١٩)فِي النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏؛ وأكَّدَ النَّفْيَ بِإعادَةِ النّافِي؛ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏؛ دالًّا بِذَلِكَ عَلى أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَقَعُ في شَرْعِهِ لِنَفْسِهِ عَلى الخَبِيثِ؛ دُونَ الطِّيبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكُفّارَ شَرَعُوا لِأنْفُسِهِمْ هَذا؛ وظَنُّوا أنَّهُ مِن مَحاسِنِ الأعْمالِ؛ فَإذا هو مِمّا لا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ؛ بَلْ ومِمّا يُعَذِّبُ عَلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ أوْقَعَهم فِيما كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِأنَّهُ أقْبَحُ القَبائِحِ؛ وهو الكَذِبُ؛ بَلْ في أقْبَحِ أنْواعِهِ؛ وهو الكَذِبُ عَلى مَلِكِ المُلُوكِ؛ ثُمَّ صارَ لَهم دِينًا؛ وصارُوا أرْسَخَ النّاسِ فِيهِ؛ وهو عَيْنُ الكُفْرِ؛ وهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ ما شَرَعَهُ إلّا عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ؛ وهو أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إبْراهِيمَ - كَما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”إنَّ عَمْرًا أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إسْماعِيلَ؛ فَنَصَبَ الأوْثانَ؛ وبَحَرَ البَحِيرَةَ؛ وسَيَّبَ السَّوائِبَ؛ ووَصَلَ الوَصِيلَةَ؛ وحَمّى الحامِيَ“؛» ورَواهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في مَسْنَدِهِ؛ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - وفي آخِرِهِ: «”وكانَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ أوَّلَ مَن حَمَلَ العَرَبَ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ“؛» ورَواهُ البُخارِيُّ في المَناقِبِ مِن صَحِيحِهِ؛ ومُسْلِمٌ في صِفَةِ النّارِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”رَأيْتُ عَمْرَو بْنَ عامِرٍ الخُزاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النّارِ؛ وكانَ أوَّلَ مَن سَيَّبَ السَّوائِبَ“؛» قالَ ابْنُ هِشامٍ في السِّيرَةِ: (p-٣٢٠)والبَحِيرَةُ عِنْدَهُمُ النّاقَةُ تُشَقُّ أُذُنُها؛ فَلا يُرْكَبُ ظَهْرُها؛ ولا يُجَزُّ وبَرُها؛ ولا يَشْرَبُ لَبَنَها إلّا ضَيْفٌ؛ أوْ يُتَصَدَّقُ بِهِ؛ وتُهْمَلُ لِآلِهَتِهِمْ؛ ورَوى البُخارِيُّ؛ في المَناقِبِ؛ ومُسْلِمٌ؛ في صِفَةِ النّارِ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: البَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ؛ ولا يَحْلِبُها أحَدٌ مِنَ النّاسِ؛ والسّائِبَةُ الَّتِي كانُوا يُسَيِّبُونَها لِآلِهَتِهِمْ؛ فَلا يُحْمَلُ عَلَيْها شَيْءٌ؛ وكَذا رَواهُ البُخارِيُّ أيْضًا في التَّفْسِيرِ؛ وقالَ: والوَصِيلَةُ النّاقَةُ البِكْرُ تُبَكِّرُ في أوَّلِ نِتاجِ الإبِلِ؛ ثُمَّ تُثَنِّي بَعْدُ بِأُنْثى؛ وكانُوا يُسَيِّبُونَها لِطَواغِيتِهِمْ إنْ وصَلَتْ إحْداهُما بِالأُخْرى؛ لَيْسَ بَيْنَهُما ذَكَرٌ؛ وقالَ البُرْهانُ السَّفاقُسِيُّ في إعْرابِهِ: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهي النّاقَةُ إذا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ؛ في الآخِرِ ذَكَرٌ؛ شَقُّوا أُذُنَها؛ وخَلَّوْا سَبِيلَها؛ لا تُرْكَبُ؛ ولا تُحْلَبُ - وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ -؛ وقالَ أبُو حَيّانَ في النَّهْرِ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السّائِبَةُ هي الَّتِي تُسَيَّبُ لِلْأصْنامِ؛ أيْ: تُعْتَقُ؛ وكانَ الرَّجُلُ يُسَيِّبُ مِن مالِهِ شَيْئًا فَيَجِيءُ بِهِ إلى السَّدَنَةِ؛ وهم خَدَمُ آلِهَتِهِمْ؛ فَيُطْعِمُونَ مِن لَبَنِها لِلسَّبِيلِ؛ والوَصِيلَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّها الشّاةُ تُنْتِجُ سَبْعَةَ أبْطُنٍ؛ فَإنْ كانَ السّابِعُ أُنْثى لَمْ تَنْتَفِعِ النِّساءُ مِنها بِشَيْءٍ؛ إلّا أنْ تَمُوتَ؛ فَيَأْكُلَها الرِّجالُ والنِّساءُ؛ وإنْ كانَ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ؛ وأكَلُوهُ جَمِيعًا؛ (p-٣٢١)وإنْ كانَ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا: وصَلَتْ أخاها؛ فَتُتْرَكُ مَعَ أخِيها؛ فَلا تُذْبَحُ؛ ومَنافِعُها لِلرِّجالِ؛ دُونَ النِّساءِ؛ فَإذا ماتَتِ اشْتَرَكَ الرِّجالُ والنِّساءُ فِيها؛ وقالَ ابْنُ هِشامٍ: والحامِي: الفَحْلُ إذا نَتَجَ لَهُ عَشْرُ إناثٍ مُتَتابِعاتٍ؛ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ؛ حَمى ظَهْرَهُ؛ فَلَمْ يُرْكَبْ ظَهْرُهُ؛ ولَمْ يُجَزَّ وبَرُهُ؛ وخُلِّيَ في إبِلِهِ يَضْرِبُ فِيها؛ لا يُنْتَفَعُ مِنهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ وقالَ السَّفاقُسِيُّ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهم - واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ؛ والزَّجّاجُ -: هو الفَحْلُ يَنْتِجُ مِن صُلْبِهِ عَشْرَةَ أبْطُنٍ؛ فَيَقُولُونَ: قَدْ حَمى ظَهْرَهُ؛ فَيُسَيِّبُونَهُ لِأصْنامِهِمْ؛ فَلا يُحْمَلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.

ولَمّا كانُوا قَدْ حَرَّمُوا هَذِهِ الأشْياءَ؛ وكانَ التَّحْرِيمُ والتَّحْلِيلُ مِن خَواصِّ الإلَهِ؛ وكانَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ كانَ حُكْمُهم عَلَيْها بِالحُرْمَةِ نِسْبَةً لِذَلِكَ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - كَذِبًا؛ فَقالَ (تَعالى) - بَعْدَ أنْ نَفى أنْ يَكُونَ جَعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ -: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: سَتَرُوا ما دَلَّ عَلَيْهِ عَقْلُهم مِن أنَّ اللَّهَ ما جَعَلَ هَذا؛ لِأنَّهم لا وُصُولَ لَهم إلَيْهِ - سُبْحانَهُ؛ وعَزَّ شَأْنُهُ -؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ بِجَعْلِ هَذِهِ الأشْياءِ؛ مِن تَحْرِيمٍ؛ وتَحْلِيلٍ؛ ‏ ‏‏؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ ‏‏‏‏‏‏؛ فَيُحَرِّمُونَ ما لَمْ يُحَرِّمْهُ؛ (p-٣٢٢)ويُحَلِّلُونَ ما لَمْ يُحَلِّلْهُ؛ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَعَلُوا هَذِهِ الأشْياءَ؛ ‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم عَقْلٌ؛ وهُمُ الَّذِينَ ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ؛ ثُمَّ لَمّا حَرَّمُوا هَذِهِ الأشْياءَ اضْطُرُّوا إلى تَحْلِيلِ المَيْتَةِ؛ فَحَرَّمُوا الطَّيِّبَ؛ وأحَلُّوا الخَبِيثَ؛

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And when it is said to them, "Come to what Allah has revealed and to the Messenger," they say, "Sufficient for us is that upon which we found our fathers." Even though their fathers knew nothing, nor were they guided?

ولَمّا اتَّخَذُوهُ دِينًا؛ واعْتَقَدُوهُ شَرْعًا؛ ومَضى عَلَيْهِ أسْلافُهُمْ؛ دَعَتْهُمُ الحُظُوظُ؛ والأنَفَةُ مِن نِسْبَةِ آبائِهِمْ إلى الضَّلالِ؛ والشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِالسَّفَهِ؛ إلى الإصْرارِ عَلَيْهِ؛ وعَدَمِ الرُّجُوعِ عَنْهُ؛ بَعْدَ انْكِشافِ قَباحَتِهِ؛ وبَيانِ شَناعَتِهِ؛ حَتّى أفْنى أكْثَرَهُمُ السَّيْفُ؛ ووَطِئَتْهُمُ الدَّواهِي؛ فَوَطَّأتْ أكْتافَهُمْ؛ وذَلَّلَتْ أعْناقَهُمْ؛ وأكْنافَهُمْ؛ فَقالَ (تَعالى) - دالًّا عَلى خِتامِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلُ؛ مِن عَدَمِ عَقْلِهِمْ -: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: مِن أيِّ قائِلٍ كانَ؛ ولَوْ أنَّهُ رَبُّهُمْ؛ بِما ثَبَتَ مِن كَلامِهِمْ بِالعَجْزِ عَنْهُ أنَّهُ كَلامُهُ؛ ﴿تَعالَوْا﴾؛ أيْ: ارْفَعُوا أنْفُسَكم عَنْ هَذا الحَضِيضِ السّافِلِ؛ ﴿إلى ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ؛ وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ أنْزَلَهُ بِعَجْزِكم عَنْهُ؛ ﴿وإلى الرَّسُولِ﴾؛ أيْ: الَّذِي مِن شَأْنِهِ - لِكَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - أرْسَلَهُ؛ أنْ يُبَلِّغَكم ما يُحِبُّهُ لَكُمْ؛ ويَرْضاهُ؛ ﴿قالُوا حَسْبُنا﴾؛ أيْ: يَكْفِينا؛ ﴿ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾؛ ولَمّا كانُوا عالِمِينَ بِأنَّهُ لَيْسَ في آبائِهِمْ عالِمٌ؛ وأنَّهُ مَن تَأمَّلَ أدْنى تَأمُّلٍ عَرَفَ أنَّ الجاهِلَ لا يَهْتَدِي إلى شَيْءٍ؛ قالَ - مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ؛ مُوَبِّخًا لَهُمْ:- (p-٣٢٣)﴿أوَلَوْ﴾؛ أيْ: يَكْفِيهِمْ ذَلِكَ إذا قالُوا ذَلِكَ؛ ولَوْ ﴿كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾؛ أيْ: مِنَ الأشْياءِ؛ حَقَّ عِلْمِهِ؛ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَأْخُذُوهُ عَنِ اللَّهِ؛ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ الواصِلَةِ إلَيْهِ؛ ولَمّا كانَ مَن لا يَعْلَمُ قَدْ يَشْعُرُ بِجَهْلِهِ؛ فَيَتَعَلَّمُ؛ فَيَهْتَدِي؛ فَيَصِيرُ أهْلًا لِلِاقْتِداءِ بِهِ؛ وقَدْ لا يَشْعُرُ لِكَوْنِ جَهْلِهِ مُرَكَّبًا؛ فَلا يَجُوزُ الِاقْتِداءُ بِهِ؛ بَيَّنَ أنَّهم مِن أهْلِ هَذا القِسْمِ؛ فَقالَ: ﴿ولا يَهْتَدُونَ﴾؛ أيْ: لا يَطْلُبُونَ الهِدايَةَ؛ فَلا تُوجَدُ هِدايَتُهم إلى صَوابٍ؛ لِأنَّ مَن لا يَعْلَمُ لا صَوابَ لَهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلْهُدى آلَةٌ سِوى العِلْمِ؛ وأدَلُّ دَلِيلٍ عَلى عَدَمِ هِدايَتِهِمْ أنَّهم ضَيَّعُوا الطَّيِّبَ مِن أمْوالِهِمْ؛ فاضْطَرَّهم ذَلِكَ إلى أكْلِ الخَبِيثِ مِنَ المَيْتَةِ؛ وأغْضَبُوا بِذَلِكَ خالِقَهُمْ؛ فَدَخَلُوا النّارَ؛ فَلا أقْبَحَ مِمّا يَخْتارُهُ لِنَفَسِهِ المَطْبُوعُ عَلى الكَدَرِ؛ ولا أحْسَنَ مِمّا يَشْرَعُهُ لَهُ رَبُّ البَشَرِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ (تَعالى) - في سُورَةِ ”النِّساءِ“ -: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [النساء: ١١٧]؛ إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [النساء: ١١٩]؛ فالتَفَتَ حِينَئِذٍ إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المائدة: ٩٠]؛ أيَّ التِفاتٍ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

O you who have believed, upon you is [responsibility for] yourselves. Those who have gone astray will not harm you when you have been guided. To Allah is you return all together; then He will inform you of what you used to do.

ولَمّا كانَ المانِعُ لَهم مِن قَبُولِ الهُدى كَوْنَ ذَلِكَ تَسْفِيهًا لِآبائِهِمْ؛ فَيَعُودُ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ؛ يُسَبُّونَ بِهِ؛ عَلى زَعْمِهِمْ؛ أعْلَمَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنَّ مُخالَفَةَ الغَيْرِ في قَبُولِ الهُدى لا تَضُرُّهم أصْلًا؛ بِأنْ عَقَّبَ آيَةَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ في التَّقَيُّدِ بِآبائِهِمْ؛ لِمُتابَعَتِهِمْ لَهم في الكُفْرِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: عاهَدُوا رَبَّهم ورَسُولَهُ عَلى الإيمانِ؛ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: الزَمُوا هِدايَتَها؛ (p-٣٢٤)وإصْلاحَها؛ ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا نُنْسَبُ بِآبائِنا؛ ونُنْسَبُ إلَيْهِمْ؛ فَرُبَّما ضَرَّتْنا نِسْبَتُنا إلَيْهِمْ عِنْدَ اللَّهِ؛ «كَما جَوَّزَ أكْثَمُ بْنُ الجَوْنِ الخُزاعِيُّ أنْ يَضُرَّهُ شَبَهُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ بِهِ؛ حَتّى سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؛ فَقالَ: ”لا؛ إنَّكَ مُؤْمِنٌ؛ وهو كافِرٌ“؛» كَما في أوائِلِ السِّيرَةِ الهِشامِيَّةِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ وكانَ ذَلِكَ رُبَّما وقَفَ بِأحَدٍ مِنهم عَنِ الإسْلامِ؛ قالَ: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏؛ أيْ: مِنَ المُخالِفِينَ بِكُفْرٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ بِنِسْبَتِكم إلَيْهِ؛ ولا بِقَوْلِ الكُفّارِ: إنَّكم سَفَّهْتُمْ آراءَكُمْ؛ ولا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الضَّرَرِ؛ وحَقَّقَ هِدايَتَهُمْ؛ بِشارَةً لَهُمْ؛ بِأداةِ التَّحْقِيقِ؛ فَقالَ - مُفْهِمًا لِوُجُودِ الضَّرَرِ عِنْدَ فَقْدِ الهِدايَةِ -: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: بِالإقْبالِ عَلى ما أنْزَلَ اللَّهُ؛ وعَلى الرَّسُولِ؛ حَتّى تَصِيرُوا عُلَماءَ؛ وتَعْمَلُوا بِعِلْمِكُمْ؛ فَتُخالِفُوا مَن ضَلَّ؛ فَإنْ كانَ مَوْجُودًا فَبِالِاجْتِهادِ في أمْرِهِ بِالمَعْرُوفِ؛ ونَهْيِهِ عَنِ المُنْكَرِ؛ بِحَسَبِ الطّاقَةِ؛ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ رَدَّهُ انْتَظَرَ بِهِ يَوْمَ الجَمْعِ الأكْبَرِ؛ والهَوْلِ الأعْظَمِ؛ وإنْ كانَ مَفْقُودًا فَبِمُخالَفَتِهِ في ذَلِكَ الضَّلالِ؛ وإنْ كانَ أقْرَبَ الأقْرِباءِ؛ وأوْلى الأحِبّاءِ؛ وإلّا كانَ الباقِي أسْفَهَ مِنَ الماضِي؛ وقَدْ كانَ لَعَمْرِي أحَدُهم لا يَتْبَعُ أباهُ إذا كانَ سَفِيهًا في أمْرِ دُنْياهُ؛ عاجِزًا عَنْ (p-٣٢٥)تَحْصِيلِها؛ ولا يَتَحاشى عَنْ مُخالَفَتِهِ في طَرِيقَتِهِ؛ بَلْ يُعَدُّ الكَدْحُ في تَحْصِيلِها؛ والتَّعَمُّقُ في اقْتِناصِها؛ وحُسْنُ السَّعْيِ في تَثْمِيرِها؛ ولُطْفُ الحِيلَةِ في تَوْسِيعِها؛ مِن مَعالِي الأخْلاقِ؛ وأصالَةِ الرَّأْيِ؛ وجَوْدَةِ النَّظَرِ؛ عَلى أنَّ ذَلِكَ ظِلٌّ زائِلٌ؛ وعَرَضٌ تافِهٌ؛ فَكَيْفَ لا يُخالِفُهُ فِيما بِهِ سَعادَتُهُ الأبَدِيَّةُ؛ وحَياتُهُ الباقِيَةُ؛ ويَأْخُذُ بِالحَزْمِ في ذَلِكَ؛ ويُشَمِّرُ ذَيْلَهُ في أمْرِهِ؛ ويَسْهَرُ لَيْلَهُ في إعْمالِ الفِكْرِ؛ وتَرْتِيبِ النَّظَرِ فِيما أمَرَهُ اللَّهُ بِالنَّظَرِ فِيهِ؛ حَتّى يَظْهَرَ لَهُ الحَقُّ فَيَتَّبِعَهُ؛ ويُنْهَتَكَ لَدَيْهِ الباطِلُ فَيَجْتَنِبَهُ؛ ما ذاكَ إلّا لِمُجَرَّدِ الهَوى؛ وقَدْ كانَ الحَزْمُ العَمَلَ بِالحِكْمَةِ الَّتِي كَشَفَها النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ؛ فِيما رَواهُ أحْمَدُ؛ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَةَ؛ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - «”الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَهُ وعَمِلَ لِما بَعْدَ المَوْتِ؛ والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها؛ وتَمَنّى عَلى اللَّهِ الأمانِيَّ“؛» ورَوى مُسْلِمٌ؛ والنِّسائِيُّ؛ وابْنُ ماجَةَ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وأحَبُّ إلى اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ؛ وفي كُلٍّ خَيْرٌ؛ احْرِصْ عَلى ما يَنْفَعُكَ؛ واسْتَعِنْ بِاللَّهِ؛ ولا تَعْجِزْ؛ وإنْ أصابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذا وكَذا - وقالَ ابْنُ ماجَةَ: ولا تَقُلْ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُ كَذا وكَذا - فَإنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطانِ“؛» وفي بَعْضِ طُرُقِ الحَدِيثِ: «”ولَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وما شاءَ فَعَلَ“؛» يَعْنِي: واللَّهِ؛ اعْمَلْ عَمَلَ الحَزَمَةِ؛ فَأوْسِعِ النَّظَرَ؛ حَتّى لا تَتْرُكَ أمْرًا يُحْتَمَلُ أنْ يَنْفَعَكَ ولا يَضُرُّكَ إلّا أخَذْتَ بِهِ؛ ولا تَدَعَ أمْرًا يُحْتَمَلُ أنْ يَضُرَّكَ (p-٣٢٦)ولا يَنْفَعُكَ إلّا تَجْتَنِبَهُ؛ فَإنَّكَ إنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ وغَلَبَكَ القَضاءُ والقَدَرُ لَمْ تَجِدْ في وُسْعِكَ أمْرًا؛ تَقُولُ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُهُ؛ أوْ تَرَكْتُهُ؛ ولَكِنَّكَ تَقُولُ: قَدَّرَ اللَّهُ؛ وما شاءَ فَعَلَ؛ بِخِلافِ ما إذا لَمْ تُنْعِمِ النَّظَرَ؛ وعَمِلْتَ عَمَلَ العَجَزَةِ؛ فَإنَّكَ حَتْمًا تَقُولُ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُ كَذا وكَذا؛ لَأنَّ الشَّيْطانَ يَفْتَحُ لَكَ تِلْكَ الأبْوابَ الَّتِي نَظَرَ فِيها الحازِمُ؛ فَيُكْثِرُ لَكَ مِن ”لَوْ“؛ لِأنَّها مِفْتاحُ عَمَلِهِ؛ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مَن يَتَهاوَنُ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ كَما يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ البَطَلَةِ؛ رَوى أحْمَدُ؛ في المُسْنَدِ؛ «عَنْ أبِي عامِرٍ الأشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ في أمْرٍ رَآهُ: ”يا أبا عامِرٍ؛ ألا غَيَّرْتَ؟“؛ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾؛ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ”أيْنَ ذَهَبْتُمْ؟ إنَّما هي لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ مِنَ الكُفّارِ إذا اهْتَدَيْتُمْ“؛» ورَوى أحْمَدُ؛ وأصْحابُ السُّنَنِ الأرْبَعَةِ؛ والحارِثُ؛ وأحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ؛ وأبُو يَعْلى؛ «أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: يا أيُّها النّاسُ؛ إنَّكم تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الآيَةَ؛ وتَضَعُونَها عَلى غَيْرِ مَواضِعِها؛ وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”إنَّ النّاسَ إذا رَأوْا مُنْكَرًا فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ؛ يُوشِكُ أنْ (p-٣٢٧)يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقابِهِ“؛» قالَ البَغَوِيُّ: وفي رِوايَةٍ: «”لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ؛ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ؛ أوْ لَيَسْتَعْمِلَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم شِرارَكُمْ؛ فَلَيَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ؛ ثُمَّ لَيَدْعُوَنَّ اللَّهَ خِيارُكم فَلا يُسْتَجابُ لَكُمْ“؛» واللَّهُ المُوَفِّقُ.

ولَمّا حَكَمَ اللَّهُ (تَعالى) - وهو الحَكَمُ العَدْلُ - أنَّهُ لا ضَرَرَ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِهِمْ؛ بِشَرْطِ هُداهُمْ؛ وكانَ الكُفّارُ يُعَيِّرُونَهُمْ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا لِما أخْبَرَ بِهِ؛ ومُقَرِّرًا لِمَعْناهُ -: ‏‏ ‏‏؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ؛ لا إلى غَيْرِهِ؛ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: أنْتُمْ ومَن يُعَيِّرُكُمْ؛ ويُهَدِّدُكُمْ؛ وغَيْرُهم مِن جَمِيعِ الخَلائِقِ؛ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: يُخْبِرُكم إخْبارًا عَظِيمًا؛ مُسْتَوْفًى؛ مُسْتَقْصًى؛ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: تَعَمُّدًا؛ جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ ويُجازِي كُلَّ أحَدٍ بِما عَمِلَ؛ عَلى حَسَبِ ما عَمِلَ؛ ولا يُؤاخِذُ أحَدًا بِما عَمِلَ غَيْرُهُ؛ ولا بِما أخْطَأ فِيهِ؛ أوْ تابَ مِنهُ؛ ولَيْسَ المَرْجِعُ ولا شَيْءٌ مِنهُ إلى الكُفّارِ؛ ولا مَعْبُوداتِهِمْ؛ ولا غَيْرِهِمْ؛ حَتّى تَخْشَوْا شَيْئًا مِن غائِلَتِهِمْ في شَيْءٍ مِنَ الضَّرَرِ.

Reading a passage 3 ayat 5 ayat 10 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

Al-Māʾidah 5:103