All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur'an as one whole — why this verse follows that.

Al-Māʾidah 5:103 Juzʾ 7 Page 124

‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Allah has not appointed [such innovations as] bahirah or sa'ibah or wasilah or ham. But those who disbelieve invent falsehood about Allah, and most of them do not reason.

Read in the muṣḥaf

ولَمّا فَرَغَ مِن زَجْرِهِمْ عَنْ أنْ يَشْرَعُوا لِأنْفُسِهِمْ؛ أوْ يَسْألُوهُ عَنْ أنْ يَشْرَعَ لَهُمْ؛ وأنْ يَسْألُوا مَن رَحِمَهم بِابْتِدائِهِمْ بِهَذا الشَّرْعِ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ اعْتِمادًا عَلى أنَّهُ ما ابْتَدَأ بِذَلِكَ إلّا وهو غَيْرُ مُخْفٍ عَنْهم شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ؛ ولا مُبْدٍ لَهم شَيْئًا يَضُرُّهُمْ؛ لِأنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ - كَما تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلى ذَلِكَ -؛ قالَ - مُعَلِّلًا بِخِتامِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها -: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ فَلا يَشْرَعُ شَيْئًا إلّا وهو عَلى غايَةِ الحِكْمَةِ؛ وأغْرَقَ (p-٣١٩)فِي النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏؛ وأكَّدَ النَّفْيَ بِإعادَةِ النّافِي؛ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏؛ دالًّا بِذَلِكَ عَلى أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَقَعُ في شَرْعِهِ لِنَفْسِهِ عَلى الخَبِيثِ؛ دُونَ الطِّيبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكُفّارَ شَرَعُوا لِأنْفُسِهِمْ هَذا؛ وظَنُّوا أنَّهُ مِن مَحاسِنِ الأعْمالِ؛ فَإذا هو مِمّا لا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ؛ بَلْ ومِمّا يُعَذِّبُ عَلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ أوْقَعَهم فِيما كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِأنَّهُ أقْبَحُ القَبائِحِ؛ وهو الكَذِبُ؛ بَلْ في أقْبَحِ أنْواعِهِ؛ وهو الكَذِبُ عَلى مَلِكِ المُلُوكِ؛ ثُمَّ صارَ لَهم دِينًا؛ وصارُوا أرْسَخَ النّاسِ فِيهِ؛ وهو عَيْنُ الكُفْرِ؛ وهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ ما شَرَعَهُ إلّا عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ؛ وهو أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إبْراهِيمَ - كَما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”إنَّ عَمْرًا أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إسْماعِيلَ؛ فَنَصَبَ الأوْثانَ؛ وبَحَرَ البَحِيرَةَ؛ وسَيَّبَ السَّوائِبَ؛ ووَصَلَ الوَصِيلَةَ؛ وحَمّى الحامِيَ“؛» ورَواهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في مَسْنَدِهِ؛ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - وفي آخِرِهِ: «”وكانَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ أوَّلَ مَن حَمَلَ العَرَبَ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ“؛» ورَواهُ البُخارِيُّ في المَناقِبِ مِن صَحِيحِهِ؛ ومُسْلِمٌ في صِفَةِ النّارِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”رَأيْتُ عَمْرَو بْنَ عامِرٍ الخُزاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النّارِ؛ وكانَ أوَّلَ مَن سَيَّبَ السَّوائِبَ“؛» قالَ ابْنُ هِشامٍ في السِّيرَةِ: (p-٣٢٠)والبَحِيرَةُ عِنْدَهُمُ النّاقَةُ تُشَقُّ أُذُنُها؛ فَلا يُرْكَبُ ظَهْرُها؛ ولا يُجَزُّ وبَرُها؛ ولا يَشْرَبُ لَبَنَها إلّا ضَيْفٌ؛ أوْ يُتَصَدَّقُ بِهِ؛ وتُهْمَلُ لِآلِهَتِهِمْ؛ ورَوى البُخارِيُّ؛ في المَناقِبِ؛ ومُسْلِمٌ؛ في صِفَةِ النّارِ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: البَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ؛ ولا يَحْلِبُها أحَدٌ مِنَ النّاسِ؛ والسّائِبَةُ الَّتِي كانُوا يُسَيِّبُونَها لِآلِهَتِهِمْ؛ فَلا يُحْمَلُ عَلَيْها شَيْءٌ؛ وكَذا رَواهُ البُخارِيُّ أيْضًا في التَّفْسِيرِ؛ وقالَ: والوَصِيلَةُ النّاقَةُ البِكْرُ تُبَكِّرُ في أوَّلِ نِتاجِ الإبِلِ؛ ثُمَّ تُثَنِّي بَعْدُ بِأُنْثى؛ وكانُوا يُسَيِّبُونَها لِطَواغِيتِهِمْ إنْ وصَلَتْ إحْداهُما بِالأُخْرى؛ لَيْسَ بَيْنَهُما ذَكَرٌ؛ وقالَ البُرْهانُ السَّفاقُسِيُّ في إعْرابِهِ: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهي النّاقَةُ إذا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ؛ في الآخِرِ ذَكَرٌ؛ شَقُّوا أُذُنَها؛ وخَلَّوْا سَبِيلَها؛ لا تُرْكَبُ؛ ولا تُحْلَبُ - وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ -؛ وقالَ أبُو حَيّانَ في النَّهْرِ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السّائِبَةُ هي الَّتِي تُسَيَّبُ لِلْأصْنامِ؛ أيْ: تُعْتَقُ؛ وكانَ الرَّجُلُ يُسَيِّبُ مِن مالِهِ شَيْئًا فَيَجِيءُ بِهِ إلى السَّدَنَةِ؛ وهم خَدَمُ آلِهَتِهِمْ؛ فَيُطْعِمُونَ مِن لَبَنِها لِلسَّبِيلِ؛ والوَصِيلَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّها الشّاةُ تُنْتِجُ سَبْعَةَ أبْطُنٍ؛ فَإنْ كانَ السّابِعُ أُنْثى لَمْ تَنْتَفِعِ النِّساءُ مِنها بِشَيْءٍ؛ إلّا أنْ تَمُوتَ؛ فَيَأْكُلَها الرِّجالُ والنِّساءُ؛ وإنْ كانَ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ؛ وأكَلُوهُ جَمِيعًا؛ (p-٣٢١)وإنْ كانَ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا: وصَلَتْ أخاها؛ فَتُتْرَكُ مَعَ أخِيها؛ فَلا تُذْبَحُ؛ ومَنافِعُها لِلرِّجالِ؛ دُونَ النِّساءِ؛ فَإذا ماتَتِ اشْتَرَكَ الرِّجالُ والنِّساءُ فِيها؛ وقالَ ابْنُ هِشامٍ: والحامِي: الفَحْلُ إذا نَتَجَ لَهُ عَشْرُ إناثٍ مُتَتابِعاتٍ؛ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ؛ حَمى ظَهْرَهُ؛ فَلَمْ يُرْكَبْ ظَهْرُهُ؛ ولَمْ يُجَزَّ وبَرُهُ؛ وخُلِّيَ في إبِلِهِ يَضْرِبُ فِيها؛ لا يُنْتَفَعُ مِنهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ وقالَ السَّفاقُسِيُّ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهم - واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ؛ والزَّجّاجُ -: هو الفَحْلُ يَنْتِجُ مِن صُلْبِهِ عَشْرَةَ أبْطُنٍ؛ فَيَقُولُونَ: قَدْ حَمى ظَهْرَهُ؛ فَيُسَيِّبُونَهُ لِأصْنامِهِمْ؛ فَلا يُحْمَلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.

ولَمّا كانُوا قَدْ حَرَّمُوا هَذِهِ الأشْياءَ؛ وكانَ التَّحْرِيمُ والتَّحْلِيلُ مِن خَواصِّ الإلَهِ؛ وكانَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ كانَ حُكْمُهم عَلَيْها بِالحُرْمَةِ نِسْبَةً لِذَلِكَ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - كَذِبًا؛ فَقالَ (تَعالى) - بَعْدَ أنْ نَفى أنْ يَكُونَ جَعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ -: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: سَتَرُوا ما دَلَّ عَلَيْهِ عَقْلُهم مِن أنَّ اللَّهَ ما جَعَلَ هَذا؛ لِأنَّهم لا وُصُولَ لَهم إلَيْهِ - سُبْحانَهُ؛ وعَزَّ شَأْنُهُ -؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ بِجَعْلِ هَذِهِ الأشْياءِ؛ مِن تَحْرِيمٍ؛ وتَحْلِيلٍ؛ ‏ ‏‏؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ ‏‏‏‏‏‏؛ فَيُحَرِّمُونَ ما لَمْ يُحَرِّمْهُ؛ (p-٣٢٢)ويُحَلِّلُونَ ما لَمْ يُحَلِّلْهُ؛ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَعَلُوا هَذِهِ الأشْياءَ؛ ‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم عَقْلٌ؛ وهُمُ الَّذِينَ ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ؛ ثُمَّ لَمّا حَرَّمُوا هَذِهِ الأشْياءَ اضْطُرُّوا إلى تَحْلِيلِ المَيْتَةِ؛ فَحَرَّمُوا الطَّيِّبَ؛ وأحَلُّوا الخَبِيثَ؛

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And when it is said to them, "Come to what Allah has revealed and to the Messenger," they say, "Sufficient for us is that upon which we found our fathers." Even though their fathers knew nothing, nor were they guided?

ولَمّا اتَّخَذُوهُ دِينًا؛ واعْتَقَدُوهُ شَرْعًا؛ ومَضى عَلَيْهِ أسْلافُهُمْ؛ دَعَتْهُمُ الحُظُوظُ؛ والأنَفَةُ مِن نِسْبَةِ آبائِهِمْ إلى الضَّلالِ؛ والشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِالسَّفَهِ؛ إلى الإصْرارِ عَلَيْهِ؛ وعَدَمِ الرُّجُوعِ عَنْهُ؛ بَعْدَ انْكِشافِ قَباحَتِهِ؛ وبَيانِ شَناعَتِهِ؛ حَتّى أفْنى أكْثَرَهُمُ السَّيْفُ؛ ووَطِئَتْهُمُ الدَّواهِي؛ فَوَطَّأتْ أكْتافَهُمْ؛ وذَلَّلَتْ أعْناقَهُمْ؛ وأكْنافَهُمْ؛ فَقالَ (تَعالى) - دالًّا عَلى خِتامِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلُ؛ مِن عَدَمِ عَقْلِهِمْ -: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: مِن أيِّ قائِلٍ كانَ؛ ولَوْ أنَّهُ رَبُّهُمْ؛ بِما ثَبَتَ مِن كَلامِهِمْ بِالعَجْزِ عَنْهُ أنَّهُ كَلامُهُ؛ ﴿تَعالَوْا﴾؛ أيْ: ارْفَعُوا أنْفُسَكم عَنْ هَذا الحَضِيضِ السّافِلِ؛ ﴿إلى ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ؛ وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ أنْزَلَهُ بِعَجْزِكم عَنْهُ؛ ﴿وإلى الرَّسُولِ﴾؛ أيْ: الَّذِي مِن شَأْنِهِ - لِكَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - أرْسَلَهُ؛ أنْ يُبَلِّغَكم ما يُحِبُّهُ لَكُمْ؛ ويَرْضاهُ؛ ﴿قالُوا حَسْبُنا﴾؛ أيْ: يَكْفِينا؛ ﴿ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾؛ ولَمّا كانُوا عالِمِينَ بِأنَّهُ لَيْسَ في آبائِهِمْ عالِمٌ؛ وأنَّهُ مَن تَأمَّلَ أدْنى تَأمُّلٍ عَرَفَ أنَّ الجاهِلَ لا يَهْتَدِي إلى شَيْءٍ؛ قالَ - مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ؛ مُوَبِّخًا لَهُمْ:- (p-٣٢٣)﴿أوَلَوْ﴾؛ أيْ: يَكْفِيهِمْ ذَلِكَ إذا قالُوا ذَلِكَ؛ ولَوْ ﴿كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾؛ أيْ: مِنَ الأشْياءِ؛ حَقَّ عِلْمِهِ؛ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَأْخُذُوهُ عَنِ اللَّهِ؛ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ الواصِلَةِ إلَيْهِ؛ ولَمّا كانَ مَن لا يَعْلَمُ قَدْ يَشْعُرُ بِجَهْلِهِ؛ فَيَتَعَلَّمُ؛ فَيَهْتَدِي؛ فَيَصِيرُ أهْلًا لِلِاقْتِداءِ بِهِ؛ وقَدْ لا يَشْعُرُ لِكَوْنِ جَهْلِهِ مُرَكَّبًا؛ فَلا يَجُوزُ الِاقْتِداءُ بِهِ؛ بَيَّنَ أنَّهم مِن أهْلِ هَذا القِسْمِ؛ فَقالَ: ﴿ولا يَهْتَدُونَ﴾؛ أيْ: لا يَطْلُبُونَ الهِدايَةَ؛ فَلا تُوجَدُ هِدايَتُهم إلى صَوابٍ؛ لِأنَّ مَن لا يَعْلَمُ لا صَوابَ لَهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلْهُدى آلَةٌ سِوى العِلْمِ؛ وأدَلُّ دَلِيلٍ عَلى عَدَمِ هِدايَتِهِمْ أنَّهم ضَيَّعُوا الطَّيِّبَ مِن أمْوالِهِمْ؛ فاضْطَرَّهم ذَلِكَ إلى أكْلِ الخَبِيثِ مِنَ المَيْتَةِ؛ وأغْضَبُوا بِذَلِكَ خالِقَهُمْ؛ فَدَخَلُوا النّارَ؛ فَلا أقْبَحَ مِمّا يَخْتارُهُ لِنَفَسِهِ المَطْبُوعُ عَلى الكَدَرِ؛ ولا أحْسَنَ مِمّا يَشْرَعُهُ لَهُ رَبُّ البَشَرِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ (تَعالى) - في سُورَةِ ”النِّساءِ“ -: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [النساء: ١١٧]؛ إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [النساء: ١١٩]؛ فالتَفَتَ حِينَئِذٍ إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المائدة: ٩٠]؛ أيَّ التِفاتٍ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

O you who have believed, upon you is [responsibility for] yourselves. Those who have gone astray will not harm you when you have been guided. To Allah is you return all together; then He will inform you of what you used to do.

ولَمّا كانَ المانِعُ لَهم مِن قَبُولِ الهُدى كَوْنَ ذَلِكَ تَسْفِيهًا لِآبائِهِمْ؛ فَيَعُودُ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ؛ يُسَبُّونَ بِهِ؛ عَلى زَعْمِهِمْ؛ أعْلَمَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنَّ مُخالَفَةَ الغَيْرِ في قَبُولِ الهُدى لا تَضُرُّهم أصْلًا؛ بِأنْ عَقَّبَ آيَةَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ في التَّقَيُّدِ بِآبائِهِمْ؛ لِمُتابَعَتِهِمْ لَهم في الكُفْرِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: عاهَدُوا رَبَّهم ورَسُولَهُ عَلى الإيمانِ؛ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: الزَمُوا هِدايَتَها؛ (p-٣٢٤)وإصْلاحَها؛ ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا نُنْسَبُ بِآبائِنا؛ ونُنْسَبُ إلَيْهِمْ؛ فَرُبَّما ضَرَّتْنا نِسْبَتُنا إلَيْهِمْ عِنْدَ اللَّهِ؛ «كَما جَوَّزَ أكْثَمُ بْنُ الجَوْنِ الخُزاعِيُّ أنْ يَضُرَّهُ شَبَهُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ بِهِ؛ حَتّى سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؛ فَقالَ: ”لا؛ إنَّكَ مُؤْمِنٌ؛ وهو كافِرٌ“؛» كَما في أوائِلِ السِّيرَةِ الهِشامِيَّةِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ وكانَ ذَلِكَ رُبَّما وقَفَ بِأحَدٍ مِنهم عَنِ الإسْلامِ؛ قالَ: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏؛ أيْ: مِنَ المُخالِفِينَ بِكُفْرٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ بِنِسْبَتِكم إلَيْهِ؛ ولا بِقَوْلِ الكُفّارِ: إنَّكم سَفَّهْتُمْ آراءَكُمْ؛ ولا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الضَّرَرِ؛ وحَقَّقَ هِدايَتَهُمْ؛ بِشارَةً لَهُمْ؛ بِأداةِ التَّحْقِيقِ؛ فَقالَ - مُفْهِمًا لِوُجُودِ الضَّرَرِ عِنْدَ فَقْدِ الهِدايَةِ -: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: بِالإقْبالِ عَلى ما أنْزَلَ اللَّهُ؛ وعَلى الرَّسُولِ؛ حَتّى تَصِيرُوا عُلَماءَ؛ وتَعْمَلُوا بِعِلْمِكُمْ؛ فَتُخالِفُوا مَن ضَلَّ؛ فَإنْ كانَ مَوْجُودًا فَبِالِاجْتِهادِ في أمْرِهِ بِالمَعْرُوفِ؛ ونَهْيِهِ عَنِ المُنْكَرِ؛ بِحَسَبِ الطّاقَةِ؛ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ رَدَّهُ انْتَظَرَ بِهِ يَوْمَ الجَمْعِ الأكْبَرِ؛ والهَوْلِ الأعْظَمِ؛ وإنْ كانَ مَفْقُودًا فَبِمُخالَفَتِهِ في ذَلِكَ الضَّلالِ؛ وإنْ كانَ أقْرَبَ الأقْرِباءِ؛ وأوْلى الأحِبّاءِ؛ وإلّا كانَ الباقِي أسْفَهَ مِنَ الماضِي؛ وقَدْ كانَ لَعَمْرِي أحَدُهم لا يَتْبَعُ أباهُ إذا كانَ سَفِيهًا في أمْرِ دُنْياهُ؛ عاجِزًا عَنْ (p-٣٢٥)تَحْصِيلِها؛ ولا يَتَحاشى عَنْ مُخالَفَتِهِ في طَرِيقَتِهِ؛ بَلْ يُعَدُّ الكَدْحُ في تَحْصِيلِها؛ والتَّعَمُّقُ في اقْتِناصِها؛ وحُسْنُ السَّعْيِ في تَثْمِيرِها؛ ولُطْفُ الحِيلَةِ في تَوْسِيعِها؛ مِن مَعالِي الأخْلاقِ؛ وأصالَةِ الرَّأْيِ؛ وجَوْدَةِ النَّظَرِ؛ عَلى أنَّ ذَلِكَ ظِلٌّ زائِلٌ؛ وعَرَضٌ تافِهٌ؛ فَكَيْفَ لا يُخالِفُهُ فِيما بِهِ سَعادَتُهُ الأبَدِيَّةُ؛ وحَياتُهُ الباقِيَةُ؛ ويَأْخُذُ بِالحَزْمِ في ذَلِكَ؛ ويُشَمِّرُ ذَيْلَهُ في أمْرِهِ؛ ويَسْهَرُ لَيْلَهُ في إعْمالِ الفِكْرِ؛ وتَرْتِيبِ النَّظَرِ فِيما أمَرَهُ اللَّهُ بِالنَّظَرِ فِيهِ؛ حَتّى يَظْهَرَ لَهُ الحَقُّ فَيَتَّبِعَهُ؛ ويُنْهَتَكَ لَدَيْهِ الباطِلُ فَيَجْتَنِبَهُ؛ ما ذاكَ إلّا لِمُجَرَّدِ الهَوى؛ وقَدْ كانَ الحَزْمُ العَمَلَ بِالحِكْمَةِ الَّتِي كَشَفَها النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ؛ فِيما رَواهُ أحْمَدُ؛ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَةَ؛ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - «”الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَهُ وعَمِلَ لِما بَعْدَ المَوْتِ؛ والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها؛ وتَمَنّى عَلى اللَّهِ الأمانِيَّ“؛» ورَوى مُسْلِمٌ؛ والنِّسائِيُّ؛ وابْنُ ماجَةَ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وأحَبُّ إلى اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ؛ وفي كُلٍّ خَيْرٌ؛ احْرِصْ عَلى ما يَنْفَعُكَ؛ واسْتَعِنْ بِاللَّهِ؛ ولا تَعْجِزْ؛ وإنْ أصابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذا وكَذا - وقالَ ابْنُ ماجَةَ: ولا تَقُلْ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُ كَذا وكَذا - فَإنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطانِ“؛» وفي بَعْضِ طُرُقِ الحَدِيثِ: «”ولَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وما شاءَ فَعَلَ“؛» يَعْنِي: واللَّهِ؛ اعْمَلْ عَمَلَ الحَزَمَةِ؛ فَأوْسِعِ النَّظَرَ؛ حَتّى لا تَتْرُكَ أمْرًا يُحْتَمَلُ أنْ يَنْفَعَكَ ولا يَضُرُّكَ إلّا أخَذْتَ بِهِ؛ ولا تَدَعَ أمْرًا يُحْتَمَلُ أنْ يَضُرَّكَ (p-٣٢٦)ولا يَنْفَعُكَ إلّا تَجْتَنِبَهُ؛ فَإنَّكَ إنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ وغَلَبَكَ القَضاءُ والقَدَرُ لَمْ تَجِدْ في وُسْعِكَ أمْرًا؛ تَقُولُ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُهُ؛ أوْ تَرَكْتُهُ؛ ولَكِنَّكَ تَقُولُ: قَدَّرَ اللَّهُ؛ وما شاءَ فَعَلَ؛ بِخِلافِ ما إذا لَمْ تُنْعِمِ النَّظَرَ؛ وعَمِلْتَ عَمَلَ العَجَزَةِ؛ فَإنَّكَ حَتْمًا تَقُولُ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُ كَذا وكَذا؛ لَأنَّ الشَّيْطانَ يَفْتَحُ لَكَ تِلْكَ الأبْوابَ الَّتِي نَظَرَ فِيها الحازِمُ؛ فَيُكْثِرُ لَكَ مِن ”لَوْ“؛ لِأنَّها مِفْتاحُ عَمَلِهِ؛ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مَن يَتَهاوَنُ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ كَما يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ البَطَلَةِ؛ رَوى أحْمَدُ؛ في المُسْنَدِ؛ «عَنْ أبِي عامِرٍ الأشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ في أمْرٍ رَآهُ: ”يا أبا عامِرٍ؛ ألا غَيَّرْتَ؟“؛ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾؛ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ”أيْنَ ذَهَبْتُمْ؟ إنَّما هي لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ مِنَ الكُفّارِ إذا اهْتَدَيْتُمْ“؛» ورَوى أحْمَدُ؛ وأصْحابُ السُّنَنِ الأرْبَعَةِ؛ والحارِثُ؛ وأحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ؛ وأبُو يَعْلى؛ «أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: يا أيُّها النّاسُ؛ إنَّكم تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الآيَةَ؛ وتَضَعُونَها عَلى غَيْرِ مَواضِعِها؛ وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”إنَّ النّاسَ إذا رَأوْا مُنْكَرًا فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ؛ يُوشِكُ أنْ (p-٣٢٧)يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقابِهِ“؛» قالَ البَغَوِيُّ: وفي رِوايَةٍ: «”لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ؛ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ؛ أوْ لَيَسْتَعْمِلَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم شِرارَكُمْ؛ فَلَيَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ؛ ثُمَّ لَيَدْعُوَنَّ اللَّهَ خِيارُكم فَلا يُسْتَجابُ لَكُمْ“؛» واللَّهُ المُوَفِّقُ.

ولَمّا حَكَمَ اللَّهُ (تَعالى) - وهو الحَكَمُ العَدْلُ - أنَّهُ لا ضَرَرَ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِهِمْ؛ بِشَرْطِ هُداهُمْ؛ وكانَ الكُفّارُ يُعَيِّرُونَهُمْ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا لِما أخْبَرَ بِهِ؛ ومُقَرِّرًا لِمَعْناهُ -: ‏‏ ‏‏؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ؛ لا إلى غَيْرِهِ؛ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: أنْتُمْ ومَن يُعَيِّرُكُمْ؛ ويُهَدِّدُكُمْ؛ وغَيْرُهم مِن جَمِيعِ الخَلائِقِ؛ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: يُخْبِرُكم إخْبارًا عَظِيمًا؛ مُسْتَوْفًى؛ مُسْتَقْصًى؛ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: تَعَمُّدًا؛ جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ ويُجازِي كُلَّ أحَدٍ بِما عَمِلَ؛ عَلى حَسَبِ ما عَمِلَ؛ ولا يُؤاخِذُ أحَدًا بِما عَمِلَ غَيْرُهُ؛ ولا بِما أخْطَأ فِيهِ؛ أوْ تابَ مِنهُ؛ ولَيْسَ المَرْجِعُ ولا شَيْءٌ مِنهُ إلى الكُفّارِ؛ ولا مَعْبُوداتِهِمْ؛ ولا غَيْرِهِمْ؛ حَتّى تَخْشَوْا شَيْئًا مِن غائِلَتِهِمْ في شَيْءٍ مِنَ الضَّرَرِ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

O you who have believed, testimony [should be taken] among you when death approaches one of you at the time of bequest - [that of] two just men from among you or two others from outside if you are traveling through the land and the disaster of death should strike you. Detain them after the prayer and let them both swear by Allah if you doubt [their testimony, saying], "We will not exchange our oath for a price, even if he should be a near relative, and we will not withhold the testimony of Allah. Indeed, we would then be of the sinful."

ولَمّا خاطَبَ - سُبْحانَهُ - أهْلَ ذَلِكَ الزَّمانِ بِأنَّهُ نَصَبَ المَصالِحَ العامَّةَ؛ كالبَيْتِ الحَرامِ؛ والشَّهْرِ الحَرامِ؛ وأشارَ بِآيَةِ البَحِيرَةِ؛ وما بَعْدَها؛ إلى أنَّ أسْلافَهم لا وفَّرُوا عَلَيْهِمْ مالَهُمْ؛ ولا نَصَحُوا لَهم في دِينِهِمْ؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِقَهْرِهِ لِلْعِبادِ بِالمَوْتِ؛ وكَشْفِ الأسْرارِ يَوْمَ العَرْضِ؛ بِالحِسابِ عَلى النَّقِيرِ؛ والقِطْمِيرِ؛ والجَلِيلِ؛ والحَقِيرِ؛ عَقَّبَ ذَلِكَ بِآيَةِ الوَصِيَّةِ؛ إرْشادًا مِنهُ - سُبْحانَهُ - (p-٣٢٨)إلى ما يَكْشِفُ سَرِيرَةَ مَن خانَ فِيها؛ عِلْمًا مِنهُ سُبْحانَهُ أنَّ الوَفاءَ في مِثْلِ ذَلِكَ يَقِلُّ؛ وحَثًّا لَهم عَلى أنْ يَفْعَلُوا ما أمَرَ - سُبْحانَهُ - بِهِ؛ لِيَنْصَحُوا لِمَن خَلَّفُوهُ بِتَوْفِيرِ المالِ؛ ويَقْتَدِيَ بِهِمْ؛ فِيما خَتَمَ بِهِ الآيَةَ مِنَ التَّقْوى؛ والسَّماعِ؛ والبُعْدِ مِنَ الفِسْقِ؛ والنِّزاعِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُنادِيًا لَهم بِما عَقَدُوا بِهِ العَهْدَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ؛ مِنَ الإقْرارِ بِالإيمانِ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ؛ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏؛ هو كِنايَةٌ عَنِ التَّنازُعِ؛ والتَّشاجُرِ؛ لِأنَّ الشُّهُودَ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ؛ وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ قَدْ ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ؛ وذَكَرَهُ الشّافِعِيُّ في ”الأُمُّ“؛ فَقالَ: أخْبَرَنِي أبُو سَعِيدٍ؛ مُعاذُ بْنُ مُوسى الجَعْفَرِيُّ؛ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مَعْرُوفٍ؛ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: أخَذْتُ هَذا التَّفْسِيرَ عَنْ مُجاهِدٍ؛ والحَسَنِ؛ والضَّحّاكِ؛ أنَّ رَجُلَيْنِ نَصْرانِيَّيْنِ مِن أهْلِ دارَيْنِ؛ أحَدُهُما تَمِيمِيٌّ؛ والآخَرُ يَمانِيٌّ؛ صَحِبَهُما مَوْلًى لِقُرَيْشٍ في تِجارَةٍ؛ فَرَكِبُوا البَحْرَ؛ ومَعَ القُرَشِيِّ مالٌ مَعْلُومٌ قَدْ عَلِمَهُ أوْلِياؤُهُ؛ مِن بَيْنِ آنِيَةٍ وبِزَوْرَقَةٍ؛ فَمَرِضَ القُرَشِيُّ؛ فَجَعَلَ وصِيَّتَهُ إلى الدّارِيَيْنِ؛ (p-٣٢٩)فَماتَ؛ وقَبَضَ الدّارِيّانِ المالَ؛ فَدَفَعاهُ إلى أوْلِياءِ المَيِّتِ؛ فَأنْكَرَ القَوْمُ قِلَّةَ المالِ؛ فَقالُوا لِلدّارِيَيْنِ: إنَّ صاحِبَنا قَدْ خَرَجَ مَعَهُ بِمالٍ أكْثَرَ مِمّا أتَيْتُمُونا بِهِ؛ فَهَلْ باعَ شَيْئًا؛ أوِ اشْتَرى؛ فَوَضَعَ فِيهِ؛ أوْ هَلْ طالَ مَرَضُهُ فَأنْفَقَ عَلى نَفْسِهِ؟ قالا: لا؛ قالُوا: فَإنَّكُما خُنْتُمانا؛ فَقَبَضُوا المالَ؛ ورَفَعُوا أمْرَهُما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾؛ فَلَمّا نَزَلَتْ أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَقاما بَعْدَ الصَّلاةِ؛ فَحَلَفا بِاللَّهِ رَبِّ السَّماواتِ: ما تَرَكَ مَوْلاكم مِنَ المالِ إلّا ما أتَيْناكم بِهِ؛ فَلَمّا حَلَفا خَلّى سَبِيلَهُما؛ ثُمَّ إنَّهم وجَدُوا بَعْدَ ذَلِكَ إناءً مِن آنِيَةِ المَيِّتِ؛ فَأخَذُوا الدّارِيَيْنِ؛ فَقالا: اشْتَرَيْناهُ مِنهُ في حَياتِهِ؛ فَكُذِّبا؛ وكُلِّفا البَيِّنَةَ؛ فَلَمْ يَقْدِرا عَلَيْها؛ فَرَفَعُوا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ‏‏‏ ‏‏‏ [المائدة: ١٠٧]؛ يَعْنِي إلى آخِرِها؛ ثُمَّ ذَكَرَ وقْتَ الشَّهادَةِ؛ وسَبَبَها؛ فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏؛ وقَدَّمَ المَفْعُولَ تَهْوِيلًا - كَما ذَكَرَ في ”النِّساءِ“ - لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ لِحِفْظِ مالِهِ؛ فَكانَ أهَمَّ؛ فَقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: أخَذَتْهُ أسْبابُهُ المُوجِبَةُ لِظَنِّهِ؛ (p-٣٣٠)ولَمّا كانَ الإيصاءُ إذْ ذاكَ أمْرًا مُتَعارَفًا؛ عَرَّفَ فَقالَ - مُعَلِّقًا بِـ ”شَهادَةُ“؛ كَما عَلَّقَ بِهِ ”إذا“؛ أوْ مُبْدِلًا مِن ”إذا“؛ لِأنَّ الزَّمَنَيْنِ واحِدٌ -: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: إنْ أوْصى؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنِ المُبْتَدَإ؛ فَقالَ: ‏‏‏‏‏؛ أيْ: شَهادَةُ بَيْنِكم في ذَلِكَ الحِينِ شَهادَةُ اثْنَيْنِ؛ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: مِن قَبِيلَتِكُمُ العارِفِينَ بِأحْوالِكُمْ؛ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: ذَوا عَدْلٍ؛ ‏‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: إنْ لَمْ تَجِدُوا قَرِيبَيْنِ يَضْبِطانِ أمْرَ الوَصِيَّةِ مِن كُلِّ ما لِلْوَصِيِّ؛ وعَلَيْهِ؛ وقِيلَ: بَلْ هُما الوَصِيّانِ أنْفُسُهُما احْتِياطًا؛ بِجَعْلِ الوَصِيِّ اثْنَيْنِ؛ وقِيلَ: آخَرانِ مِن غَيْرِ أهْلِ دِينِكُمْ؛ وهو خاصٌّ بِهَذا الأمْرِ الواقِعِ في السَّفَرِ؛ لِلضَّرُورَةِ؛ لا في غَيْرِهِ؛ ولا في غَيْرِ السَّفَرِ؛ ثُمَّ شَرَطَ هَذِهِ الشَّهادَةَ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: بِالأرْجُلِ؛ ‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: بِالسَّفَرِ؛ كَأنَّ الضَّرْبَ بِالأرْجُلِ لا يُسَمّى ضَرْبًا إلّا فِيهِ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ الجِدِّ والِاجْتِهادِ؛ ‏‏‏‏‏‏‏؛ وأشارَ إلى أنَّ الإنْسانَ هَدَفٌ لِسِهامِ الحِدْثانِ؛ بِتَخْصِيصِهِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: أصابَتِ المُوصِيَ المُصِيبَةُ الَّتِي لا مَفَرَّ مِنها؛ ولا مَندُوحَةَ عَنْها.

ولَمّا كانَ قَدِ اسْتَشْعَرَ مِنَ التَّفْصِيلِ في أمْرِ الشُّهُودِ مُخالَفَةً لِبَقِيَّةِ الشَّهاداتِ؛ فَكانَ في مَعْرِضِ السُّؤالِ عَنِ الشُّهُودِ: ماذا يُفْعَلُ بِهِمْ؟ قالَ - مُسْتَأْنِفًا -: ‏‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: تَدْعُونَهُما إلَيْكُمْ؛ وتَمْنَعُونَهُما مِنَ التَّصَرُّفِ لِأنْفُسِهِما؛ لِإقامَةِ ما تَحَمَّلاهُ مِن هَذِهِ الواقِعَةِ؛ وأدائِهِ؛ ولَمّا كانَ المُرادُ إقامَةَ اليَمِينِ؛ (p-٣٣١)ولَوْ في أيْسَرِ زَمَنٍ؛ لا اسْتِغْراقَ زَمَنِ البُعْدِ بِالحَبْسِ؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: الَّتِي هي أعْظَمُ الصَّلَواتِ؛ فَكانَتْ بِحَيْثُ إذا أُطْلِقَتْ مُعَرَّفَةً انْصَرَفَتْ إلَيْها؛ وهي الوُسْطى؛ وهي العَصْرُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ الغَرَضَ مِن حَبْسِهِما؛ فَقالَ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لَهُ تَمامُ القُدْرَةِ؛ وكَمالُ العِلْمِ؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - أنَّ اليَمِينَ إنَّما تَكُونُ إذا كانا مِن غَيْرِنا؛ فَإنْ كانا مُسْلِمَيْنِ فَلا يَمِينَ؛ وعَنْ غَيْرِهِ؛ إنْ كانَ الشّاهِدانِ عَلى حَقِيقَتِهِما فَقَدْ نُسِخَ تَحْلِيفُهُما؛ وإنْ كانَ الوَصِيَّيْنِ فَلا؛ ثُمَّ شَرَطَ لِهَذا الحَلِفِ شَرْطًا؛ فَقالَ - اعْتِراضًا بَيْنَ القَسَمِ؛ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ -: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: وقَعَ بِكم شَكٌّ فِيما أخْبَرا بِهِ عَنِ الواقِعَةِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏؛ أيْ: هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ؛ ‏‏‏‏؛ أيْ: لَمْ نَذْكُرْهُ لِيَحْصُلَ لَنا بِهِ عَرَضٌ دُنْيَوِيٌّ؛ وإنْ كانَ في نِهايَةِ الجَلالَةِ؛ ولَيْسَ قَصْدُنا بِهِ إلّا إقامَةَ الحَقِّ؛ ‏‏‏ ‏‏؛ أيْ: الوَصِيُّ الَّذِي أقْسَمْنا لِأجْلِهِ تَبْرِئَةً لَهُ؛ ‏‏ ‏‏‏؛ أيْ: لَنا؛ أيْ: إنَّ هَذا الَّذِي فَعَلْناهُ مِنَ التَّحَرِّي عادَتُنا الَّتِي أطَعْنا فِيها: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ [النساء: ١٣٥]؛ الآيَةَ؛ لا أنَّهُ فِعْلُنا في هَذِهِ الواقِعَةِ فَقَطْ؛ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏؛ أيْ: هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ لَمْ نُبَدِّلْ فِيهِ لِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ؛ مِن حِفْظِ الشَّهادَةِ وتَعْظِيمِها؛ ولَمْ نَكْتُمْ شَيْئًا وقَعَ بِهِ الإشْهادُ؛ ولا نَكْتُمُ فِيما يُسْتَقْبَلُ شَيْئًا نَشْهَدُ بِهِ لِأجْلِ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ المُطَّلِعِ عَلى السَّرائِرِ؛ كَما هو مُطَّلِعٌ عَلى الظَّواهِرِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما لَقَّنَهم إيّاهُ؛ لِيَكُونَ آخِرُ كَلامِهِمْ كُلَّ ذَلِكَ؛ تَغْلِيظًا؛ وتَنْبِيهًا (p-٣٣٢)عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنَ الأيْمانِ؛ فَقالَ - تَذْكِيرًا لَهُمْ؛ وتَحْذِيرًا مِنَ التَّغْيِيرِ -: ‏‏‏ ‏‏‏؛ أيْ: إذا فَعَلْنا شَيْئًا مِنَ التَّبْدِيلِ؛ أوِ الكَتْمِ؛ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏

‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

But if it is found that those two were guilty of perjury, let two others stand in their place [who are] foremost [in claim] from those who have a lawful right. And let them swear by Allah, "Our testimony is truer than their testimony, and we have not transgressed. Indeed, we would then be of the wrongdoers."

‏‏‏؛ ولَمّا كانَ المُرادُ مُجَرَّدَ الِاطِّلاعِ؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ‏‏‏؛ أيْ: اطَّلَعَ مُطَّلِعٌ؛ بِقَصْدٍ؛ أوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ؛ قالَ البَغَوِيُّ: وأصْلُهُ الوُقُوعُ عَلى الشَّيْءِ؛ أيْ: مِن ”عَثْرَةُ الرَّجُلِ“؛ ‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: الشّاهِدَيْنِ إنْ أُرِيدَ بِهِما الحَقِيقَةُ؛ أوِ الوَصِيَّيْنِ؛ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: بِسَبَبِ شَيْءٍ خانا فِيهِ مِن أمْرِ الشَّهادَةِ؛ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: مِنَ الرِّجالِ الأقْرِباءِ لِلْمَيِّتِ؛ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: لِيَفْعَلا؛ حَيْثُ اشْتَدَّتِ الرِّيبَةُ مِنَ الإقْسامِ عِنْدَ مُطْلَقِ الرِّيبَةِ؛ ما فَعَلا؛ ”مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ“؛ أيْ: طُلِبَ وُقُوعُ الحَقِّ بِشَهادَةِ مَن شَهِدَ ‏‏‏‏‏؛ هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ وعَلى قِراءَةِ حَفْصٍ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ؛ المَعْنى: وُجِدَ وُقُوعُ الحَقِّ عَلَيْهِمْ؛ وهم أهْلُ المَيِّتِ وعَشِيرَتُهُ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما مَنزِلَةُ هَذَيْنِ الآخَرَيْنِ مِنَ المَيِّتِ؟ فَقِيلَ: ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: الأحَقّانِ بِالشَّهادَةِ؛ الأقْرَبانِ إلَيْهِ؛ العارِفانِ بِتَواطُنِ أمْرِهِ؛ وعَلى قِراءَةِ أبِي بَكْرٍ؛ وحَمْزَةَ؛ بِالجَمْعِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: هُما مِنَ الأوَّلِينَ؛ أيْ: في الذِّكْرِ؛ وهم أهْلُ المَيِّتِ؛ فَهو نَعْتٌ لِـ ”الَّذِينَ اسْتُحِقَّ“؛ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: هَذانَ الآخَرانِ؛ ‏‏‏؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لا يُقْسَمُ إلّا بِهِ؛ لِما لَهُ مِن كَمالِ العِلْمِ؛ وشُمُولِ القُدْرَةِ؛ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: بِما يُخالِفُ شَهادَةَ الحاضِرِينَ لِلْواقِعَةِ؛ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: أثْبَتُ؛ فَإنَّ تِلْكَ إنَّما ثَباتُها في الظّاهِرِ؛ وشَهادَتُنا ثابِتَةٌ في نَفْسِ الأمْرِ؛ وساعَدَها الظّاهِرُ بِما عُثِرَ عَلَيْهِ مِنَ الرِّيبَةِ؛ (p-٣٣٣)‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: تَعَمَّدْنا في يَمِينِنا مُجاوَزَةَ الحَقِّ؛ ‏‏‏ ‏‏‏؛ أيْ: إذا وقَعَ مِنّا اعْتِداءٌ؛ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: الواضِعِينَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ كَمَن يَمْشِي في الظَّلامِ؛ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهم عَلى بَصِيرَةٍ ونُورٍ مِمّا شَهِدُوا بِهِ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا وُجِدَ الإناءُ الَّذِي فَقَدَهُ أهْلُ المَيِّتِ؛ وحَلَفَ الدّارِيّانِ بِسَبَبِهِ أنَّهُما ما خانا؛ طالَبُوهُما؛ فَقالا: كُنّا اشْتَرَيْناهُ مِنهُ؛ فَقالُوا: ألَمْ نَقُلْ لَكُما: هَلْ باعَ صاحِبُنا شَيْئًا؟ فَقُلْتُما: لا؟ فَقالا: لَمْ يَكُنْ عِنْدَنا بَيِّنَةٌ؛ فَكَرِهْنا أنْ نُقِرَّ لَكُمْ؛ فَرَفَعُوا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأمَرَ فَقامَ اثْنانِ مِن أقارِبِ المَيِّتِ؛ فَحَلَفا عَلى الإناءِ؛ فَدَفَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ إلَيْهِما؛ لِأنَّ الوَصِيَّيْنِ ادَّعَيا عَلى المَيِّتِ البَيْعَ؛ فَصارَ اليَمِينُ في جانِبِ الوَرَثَةِ؛ لِأنَّهم أنْكَرُوا؛ وسَمّى أيْمانَ الفَرِيقَيْنِ شَهادَةً؛ كَما سُمِّيَتْ أيْمانُ المُتَلاعِنَيْنِ شَهادَةً - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ الشّافِعِيُّ؛ وكانَ ذَلِكَ لِما في البابَيْنِ مِن مَزِيدِ التَّأْكِيدِ.

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

That is more likely that they will give testimony according to its [true] objective, or [at least] they would fear that [other] oaths might be taken after their oaths. And fear Allah and listen; and Allah does not guide the defiantly disobedient people.

ولَمّا تَمَّ هَذا عَلى هَذا الوَجْهِ الغَرِيبِ؛ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - سِرَّهُ؛ فَقالَ: ‏‏‏؛ أيْ: الأمْرُ المُحْكَمُ المُرَتَّبُ هَذا التَّرْتِيبَ؛ بِالأيْمانِ وغَيْرِها؛ ‏‏‏؛ أيْ: أقْرَبُ؛ ‏‏؛ أيْ: إلى أنْ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: الَّذِينَ شَهِدُوا أوَّلًا؛ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: الواقِعَةِ في نَفْسِ الأمْرِ؛ ‏ ‏‏‏‏‏؛ مِن غَيْرِ أدْنى مَيْلٍ؛ بِسَبَبِ أنْ يَخافُوا مِنَ الحِنْثِ عِنْدَ اللَّهِ بَعْدَ هَذا التَّغْلِيظِ؛ ‏‏ ‏‏‏‏‏؛ إنْ لَمْ يَمْنَعْهُمُ الخَوْفُ مِنَ اللَّهِ؛ ‏‏ ‏‏‏؛ أيْ: تُثَنّى؛ وتُعادَ؛ (p-٣٣٤)‏‏‏‏؛ أيْ: مِنَ الوَرَثَةِ؛ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏؛ لِلْعُثُورِ عَلى رِيبَةٍ؛ فَيَصِيرُوا بِافْتِضاحِهِمْ مَثَلًا لِلنّاسِ؛ قالَ الشّافِعِيُّ: ولَيْسَ في هَذا رَدُّ اليَمِينِ؛ فَما كانَتْ يَمِينُ الدّارِيَيْنِ عَلى ما ادَّعى الوَرَثَةِ مِنَ الخِيانَةِ؛ ويَمِينُ ورَثَةِ المَيِّتِ عَلى ما ادَّعى الدّارِيّانِ مِمّا وُجِدَ في أيْدِيهِما وأقَرّا أنَّهُ مالُ المَيِّتِ؛ وأنَّهُ صارَ لَهُما مِن قِبَلِهِ؛ فَلَمْ تُقْبَلْ دَعْواهُما بِلا بَيِّنَةٍ؛ فَأُحْلِفَ وارِثاهُ؛ قالَ: وإذا كانَ هَذا كَما وصَفْتُ فَلَيْسَتِ الآيَةُ ناسِخَةً؛ ولا مَنسُوخَةً؛ لِأمْرِ اللَّهِ بِإشْهادِ ذَوَيْ عَدْلٍ؛ ومَن نَرْضى مِنَ الشُّهَداءِ؛ هَذا ما اقْتَضى إيلاؤُها لِما قَبْلَها؛ وقَدْ نَزَعَها إلى مَجْمُوعِ هَذِهِ السُّورَةِ مَنازِعُ؛ مِنها ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ القَتْلِ؛ الَّذِي هو مِن أنْواعِ المَوْتِ؛ عِنْدَ قِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ؛ وما بَعْدَها؛ ثُمَّ تَعْقِيبِ ذَلِكَ بِالجِهادِ؛ الَّذِي هو مِن أسْبابِ المَوْتِ؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [المائدة: ٤٥]؛ ثُمَّ ذَكَرَهُ أيْضًا في قَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [المائدة: ٥٤]؛ وقَدْ جَرَتِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ بِذِكْرِ الوَصِيَّةِ عَقِبَ مِثْلِ ذَلِكَ في ”البَقَرَةِ“؛ ولَمْ يُذْكَرْ عَقِبَ واحِدَةٍ مِنَ الآياتِ المَذْكُورَةِ؛ لِزِيادَتِها عَلى آيَةِ ”البَقَرَةِ“؛ بِمَنازِعَ؛ مِنها الحَلِفُ؛ فَناسَبَ كَوْنَها بَعْدَ آيَةِ الأيْمانِ؛ ومِنها تَغْلِيظُ الحَلِفِ؛ والخُرُوجُ بِهِ عَمّا يُشاكِلُهُ مِنَ القَسَمِ عَلى المالِ بِكَوْنِهِ في زَمانٍ مَخْصُوصٍ؛ بَعْدَ عِبادَةٍ مَخْصُوصَةٍ؛ فَناسَبَ ذِكْرَها بَعْدَ تَغْلِيظِ أمْرِ الصَّيْدِ في حالٍ مَخْصُوصٍ؛ وهو الإحْرامُ؛ والخُرُوجِ بِهِ عَنْ أشْكالِهِ مِنَ الأحْوالِ؛ وبَعْدَ تَغْلِيظِ جَزائِهِ؛ والخُرُوجِ بِهِ عَنْ أشْكالِهِ مِنَ الكَفّاراتِ؛ وتَغْلِيظِ أمْرِ المَكانِ المَخْصُوصِ؛ وهو الكَعْبَةُ؛ والخُرُوجِ (p-٣٣٥)بِها عَنْ أشْكالِها مِنَ البُيُوتِ؛ وكَذا تَغْلِيظُ الزَّمانِ المَخْصُوصِ؛ وهو الشَّهْرُ الحَرامُ؛ والخُرُوجُ بِهِ عَنْ أشْكالِهِ مِنَ الأزْمِنَةِ؛ وكُلُّ ذَلِكَ لِقِيامِ أمْرِ النّاسِ؛ وإصْلاحِ أحْوالِهِمْ؛ وهَكَذا آيَةُ الوَصِيَّةِ؛ وما خَرَجَ مِن أحْكامِها عَنْ أشْكالِهِ؛ كُلُّهُ لِقِيامِ الأُمُورِ عَلى السَّدادِ؛ وإصْلاحِ المَعاشِ؛ والمَعادِ؛ وهي مُلْتَفِتَةٌ إلى أوَّلِ السُّورَةِ؛ إذْ هي مِن أعْظَمِ العُهُودِ؛ والوَفاءُ بِها مِن أصْعَبِ الوَفاءِ؛ وإلى قَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [المائدة: ٢]؛ وإلى قَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [المائدة: ٨]؛ انْظُرْ إلى خَتْمِها بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المائدة: ٨]؛ وإلى كَوْنِ هَذِهِ في سِياقِ الإعْلامِ بِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِالخَفِيّاتِ؛ وقَوْلُهُ: - عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فالزَمُوا ما أمَرْتُكم بِهِ؛ وأرْشَدْتُكم إلَيْهِ؛ تُفْلِحُوا“ -: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏؛ أيْ: ذا الجَلالِ والإكْرامِ؛ إلى آخِرِها؛ مُلْتَفِتٌ إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [المائدة: ٧]؛ الآيَةَ؛ أيْ: خافُوا اللَّهَ خَوْفًا عَظِيمًا؛ يَحْمِلُكم عَلى أنْ تَجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ سُخْطِهِ وِقايَةً؛ لِئَلّا تَحْلِفُوا كاذِبِينَ؛ أوْ تَخُونُوا أدْنى خِيانَةٍ؛ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: المَوْعِظَةَ؛ سَمْعَ إجابَةٍ وقَبُولٍ؛ ذاكِرِينَ لِقَوْلِكُمْ؛ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [المائدة: ٧]؛ فَإنَّ اللَّهَ يَهْدِي المُتَمَسِّكِينَ بِالمِيثاقِ؛ ‏‏‏؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ وتَمامُ الحِكْمَةِ؛ وكَمالُ العِزَّةِ والسَّطْوَةِ؛ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: لا يَخْلُقُ الهِدايَةَ في قُلُوبِ الَّذِينَ لَهم قُدْرَةٌ عَلى (p-٣٣٦)ما يُحاوِلُونَهُ؛ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: الَّذِينَ هم خارِجُونَ؛ أيْ: مِن عادَتِهِمْ ذَلِكَ؛ عَلى وجْهِ الرُّسُوخِ؛ فَهم أبَدًا غَيْرُ مُتَقَيِّدِينَ بِقَيْدٍ؛ ولا مُنْضَبِطِينَ بِدائِرَةِ عَقْدٍ؛ ولا عَهْدٍ.

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

[Be warned of] the Day when Allah will assemble the messengers and say, "What was the response you received?" They will say, "We have no knowledge. Indeed, it is You who is Knower of the unseen"

ولَمّا كانَ فِيها إقامَةُ الشُّهُودِ؛ وحَبْسُهم عَنْ مَقاصِدِهِمْ؛ حَتّى يَفْرُغُوا مِن هَذِهِ الواقِعَةِ المَبْحُوثِ فِيها عَنْ خَفايا مُتَعَلِّقَةٍ بِالمَوْتِ؛ والتَّغْلِيظِ بِالتَّحْلِيفِ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ؛ وكانَتْ ساعَةً يَجْتَمِعُ فِيها النّاسُ؛ وفَرِيقا المَلائِكَةِ المُتَعاقِبَيْنِ فِينا لَيْلًا ونَهارًا؛ مَعَ أنَّها ساعَةُ الأصِيلِ المُؤْذِنَةِ بِهُجُومِ اللَّيْلِ؛ وتَقَوُّضِ النَّهارِ؛ حَتّى كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ؛ ورُجُوعِ النّاسِ إلى مَنازِلِهِمْ؛ وتَرْكِهِمْ لِمَعايِشِهِمْ؛ وكانَتْ عادَتَهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يَذْكُرُ أنْواعًا مِنَ الشَّرائِعِ والتَّكالِيفِ؛ ثُمَّ يُتْبِعُها إمّا بِالإلَهِيّاتِ؛ وإمّا بِشَرْحِ أحْوالِ الأنْبِياءِ؛ وإمّا بِشَرْحِ أحْوالِ القِيامَةِ؛ لِيَصِيرَ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّكالِيفِ؛ ولا يَنْتَقِلُ مِن فَنٍّ إلى آخَرَ إلّا بِغايَةِ الإحْكامِ في الرَّبْطِ؛ عَقَّبَها (تَعالى) بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: الَّذِينَ أرْسَلَهم إلى عِبادِهِ؛ بِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ؛ إشارَةً إلى تَذَكُّرِ انْصِرامِ هَذِهِ الدّارِ؛ وسُرْعَةِ هُجُومِ ذَلِكَ؛ بِمُشاهَدَةِ هَذِهِ الأحْوالِ المُؤْذِنَةِ بِهِ؛ وبِأنَّهُ يَوْمٌ يَقُومُ فِيهِ الأشْهادُ؛ ويَجْتَمِعُ فِيهِ العِبادُ؛ ويُفْتَضَحُ فِيهِ أهْلُ الفَسادِ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإشاراتِ لِأرْبابِ البَصائِرِ والقُلُوبِ؛ والظّاهِرُ أنَّ ”يَوْمَ“؛ ظَرْفٌ لِلْمُضافِ المَحْذُوفِ الدّالِّ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: ”خَفْ مِن (p-٣٣٧)فُلانٍ“؛ فَإنَّ المَعْنى: ”خَفْ مِن عِقابِهِ“؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ فَيَكُونُ المُرادُ هُنا: واتَّقُوا غَضَبَ اللَّهِ الواقِعِ في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ أيْ: اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ سَطْواتِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وِقايَةً؛ أوْ يَكُونُ المَعْنى: اذْكُرُوا هَذِهِ الواقِعَةَ؛ وهَذا الوَقْتَ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ الشُّهُودُ؛ ويُحْبَسُ المُعْتَرِفُ والجَحُودُ؛ يَوْمَ الجَمْعِ الأكْبَرِ؛ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ (تَعالى)؛ لِيَسْألَهم عَنِ العِبادِ؛ ويَسْألَ العِبادَ عَنْهُمْ؛ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: لِلرُّسُلِ؛ تَشْرِيعًا لَهُمْ؛ وبَيانًا لِفَضْلِهِمْ؛ وتَشْرِيفًا لِلْمُحِقِّ مِن أُمَمِهِمْ؛ وتَبْكِيتًا لِلْمُبْطِلِ؛ وتَوْبِيخًا لِلْمُفْرِطِ مِنهُمْ؛ والمُفَرِّطِ.

ولَمّا كانَ مِمّا لا يَخْفى أصْلًا أنَّهم أُجِيبُوا؛ ولا يَقَعُ فِيهِ نِزاعٌ؛ ولا يَتَعَلَّقُ بِالسُّؤالِ عَنْهُ غَرَضٌ؛ تَجاوَزَ السُّؤالَ إلى الِاسْتِفْهامِ مِن نَوْعِ الإجابَةِ؛ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: أيَّ إجابَةٍ أجابَكم مَن أُرْسِلْتُمْ إلَيْهِمْ؛ إجابَةَ طاعَةٍ أوْ إجابَةَ مَعْصِيَةٍ؟

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِمْ بَيانَ النّاجِي مِن غَيْرِهِ؛ وكانَتِ الشَّهادَةُ في تِلْكَ الدّارِ لا تَنْفَعُ إلّا فِيما وافَقَ فِيهِ الإضْمارُ الإظْهارَ؛ فَكانَتْ شَهادَتُهم لا تَنْفَعُ المَشْهُودَ لَهُ بِحُسْنِ الإجابَةِ؛ إلّا أنْ يُطابِقَ ما قالَهُ بِلِسانِهِ اعْتِقادَهُ بِقَلْبِهِ؛ ‏‏‏‏‏؛ نافِينَ لِعِلْمِهِمْ أصْلًا؛ ورَأْسًا؛ إذا كانَ مَوْقُوفًا عَلى شَرْطٍ؛ هو مِن عِلْمِ ما غابَ؛ ولا عِلْمَ لَهم بِهِ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏؛ أيْ: عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنّا لا نَعْلَمُ إلّا ما شَهِدْناهُ؛ وما غابَ عَنّا أكْثَرُ؛ وإذا كانَ الغائِبُ قَدْ يَكُونُ مُخالِفًا لِلْمَشْهُودِ؛ فَما شُهِدَ لَيْسَ بِعِلْمٍ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُطابِقٍ (p-٣٣٨)لِلْواقِعِ؛ ولِهَذا عَلَّلُوا بِقَوْلِهِمْ: ‏‏‏ ‏‏‏؛ أيْ: وحْدَكَ؛ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: كُلِّها؛ تَعْلَمُها عِلْمًا تامًّا؛ فَكَيْفَ بِما غابَ عَنّا مِن أحْوالِ قَوْمِنا؟! فَكَيْفَ بِالشَّهادَةِ؟! فَكَيْفَ بِما شَهِدْنا مِن ذَلِكَ؟! وهَذا في مَوْضِعِ قَوْلِهِمْ: أنْتَ أعْلَمُ؛ لَكِنَّ هَذا أحْسَنُ أدَبًا؛ فَإنَّهم مَحَوْا أنْفُسَهم مِن دِيوانِ العِلْمِ بِالكُلِّيَّةِ؛ لِأنَّ كُلَّ عِلْمٍ يَتَلاشى إذا نُسِبَ إلى عِلْمِهِ؛ ويَضْمَحِلُّ مَهْما قُرِنَ بِصِفَتِهِ؛ أوِ اسْمِهِ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏

[The Day] when Allah will say, "O Jesus, Son of Mary, remember My favor upon you and upon your mother when I supported you with the Pure Spirit and you spoke to the people in the cradle and in maturity; and [remember] when I taught you writing and wisdom and the Torah and the Gospel; and when you designed from clay [what was] like the form of a bird with My permission, then you breathed into it, and it became a bird with My permission; and you healed the blind and the leper with My permission; and when you brought forth the dead with My permission; and when I restrained the Children of Israel from [killing] you when you came to them with clear proofs and those who disbelieved among them said, "This is not but obvious magic."

ولَمّا كانَ سُؤالُهُ - سُبْحانَهُ - لِلرُّسُلِ عَنِ الإجابَةِ مُتَضَمِّنًا لِتَبْكِيتِ المُبْطِلِينَ؛ وتَوْبِيخِهِمْ؛ وكانَ أشَدُّ الأُمَمِ افْتِقارًا إلى التَّوْبِيخِ أهْلَ الكِتابِ؛ لِأنَّ تَمَرُّدَهم تَعَدّى إلى رُتْبَةِ الجَلالِ؛ بِما وصَفُوهُ - سُبْحانَهُ - بِهِ مِنَ اتِّخاذِ الصّاحِبَةِ؛ والوَلَدِ؛ ومِنَ ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِما أظْهَرَ مِنَ الخَوارِقِ الَّتِي دَعا بِها إلى اللَّهِ؛ مَعَ اقْتِرانِها بِما يَدُلُّ عَلى عُبُودِيَّتِهِ؛ ورِسالَتِهِ؛ لِئَلّا يُهْتَضَمَ حَقُّهُ؛ أوْ يُغْلى فِيهِ؛ مَعَ مُشارَكَتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ في أذى الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِالتَّكْذِيبِ؛ وغَيْرِهِ؛ وكانَ في الآيَةِ السّالِفَةِ ذِكْرُ الآباءِ؛ وما آثَرُوا لِلْأبْناءِ؛ ذَكَرَ أمْرَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ - مُبْدِلًا مِن قَوْلِهِ -: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ [المائدة: ١٠٩]؛ مُعَبِّرًا بِالماضِي؛ تَذْكِيرًا بِما لِذَلِكَ اليَوْمِ مِن تَحَتُّمِ الوُقُوعِ؛ وتَصْوِيرًا لِعَظِيمِ تَحَقُّقِهِ؛ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لِقُوَّةِ قُرْبِهِ كَأنَّهُ (p-٣٣٩)قَدْ وقَعَ؛ ومَضى -: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏؛ أيْ: المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿يا عِيسى﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَهُ بِما هو الحَقُّ مِن نَسَبِهِ؛ فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الجَمْعِ الأكْبَرِ؛ والإحاطَةِ بِجَمِيعِ الخَلائِقِ؛ وأحْوالِهِمْ؛ في حَرَكاتِهِمْ؛ وسَكَناتِهِمْ؛ وكانَ الحَمْدُ هو الإحاطَةَ بِأوْصافِ الكَمالِ؛ أمَرَهُ بِذِكْرِ حَمْدِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى نِعْمَتِهِ عِنْدَهُ؛ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: في خاصَّةِ نَفْسِكَ؛ وذَكَرَ ما يَدُلُّ لِلْعاقِلِ عَلى أنَّهُ عَبْدٌ مَرْبُوبٌ؛ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏؛ إلى آخِرِهِ؛ مُشِيرًا إلى أنَّهُ أوْجَدَهُ مِن غَيْرِ أبٍ؛ فَأراحَهُ مِمّا يَجِبُ لِلْآباءِ مِنَ الحُقُوقِ؛ وما يُورِثُونَ أبْناءَهم مِنَ اقْتِداءٍ؛ أوِ اهْتِداءٍ؛ وإقامَةٍ بِحُقُوقِ أُمِّهِ؛ فَأقْدَرَهُ - وهو في المَهْدِ - عَلى الشَّهادَةِ لَها بِالبَراءَةِ؛ والحَصانَةِ؛ والعَفافِ؛ وكُلُّ نِعْمَةٍ أنْعَمَها - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِ ﷺ فَهي نِعْمَةٌ عَلى أُمِّهِ؛ دِينًا ودُنْيا.

ولَمّا ذَكَّرَ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ الأُمَّةَ المَدْعُوَّةَ مِنَ العَرَبِ؛ وأهْلِ الكِتابِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ في أوَّلِ السُّورَةِ؛ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المائدة: ٧]؛؛ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ [المائدة: ١١]؛ وكانَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن عِنْدِ: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [المائدة: ٨٧]؛ كُلُّها في النِّعَمِ؛ أخْبَرَهم أنَّهُ يُذَكِّرُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِنِعَمِهِ في يَوْمِ الجَمْعِ؛ إشارَةً إلى أنَّهم إنْ لَمْ يَذْكُرُوا نِعَمَهُ في هَذِهِ الدّارِ؛ دارِ العَمَلِ؛ بِالشُّكْرِ؛ ذَكَرُوها حِينَ يُذَكِّرُهم بِها في ذَلِكَ اليَوْمِ قَسْرًا؛ بِالكُفْرِ؛ ويا لَها فَضِيحَةً في ذَلِكَ الجَمْعِ (p-٣٤٠)الأكْبَرِ والمَوْقِفِ الأهْوَلِ؛ ولِيَتَبَصَّرَ أهْلُ الكِتابِ فَيَرْجِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ اليَهُودُ؛ بِالتَّقْصِيرِ في أمْرِهِ؛ والنَّصارى؛ بِالغُلُوِّ في شَأْنِهِ؛ وقَدْرِهِ.

ولَمّا كانَ أعْظَمُ الأُمُورِ التَّنْزِيهَ؛ بَدَأ بِهِ؛ كَما فَعَلَ بِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ في كَلِمَةِ الدُّخُولِ إلى الإسْلامِ؛ ولَمّا كانَ أعْظَمُ ذَلِكَ تَنْزِيهَهُ أُمَّهُ - عَلَيْها السَّلامُ -؛ وتَصْحِيحَ ما خُرِقَ لَها مِنَ العادَةِ في وِلادَتِهِ؛ وكانَ أحْكَمُ ما يَكُونُ ذَلِكَ بِتَقْوِيَةِ رُوحِهِ؛ حَتّى يَكُونَ كَلامُهُ طِفْلًا كَكَلامِهِ كَهْلًا؛ قَدَّمَهُ؛ فَقالَ - مُعَلِّقًا؛ قارِنًا بِكُلِّ نِعْمَةٍ ما يَدُلُّ عَلى عُبُودِيَّتِهِ؛ ورِسالَتِهِ؛ لِيُخْزِيَ مَن غَلا في أمْرِهِ؛ أوْ قَصَّرَ في وصْفِهِ؛ وقَدْرِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: قَوَيْتُكَ تَقْوِيَةً عَظِيمَةً؛ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: الطُّهْرِ الَّذِي يُحْيِي القُلُوبَ؛ ويُطَهِّرُها مِن أوَضارِ الآثامِ؛ ومِنهُ جِبْرائِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَكانَ لَهُ مِنهُ في الصِّغَرِ حَظٌّ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ؛ قالَ الحَرالِّيُّ: وهو يَدُ بَسْطٍ لِرُوحِ اللَّهِ في القُلُوبِ؛ بِما يُحْيِيها اللَّهُ بِهِ مِن رُوحِ أمْرِهِ؛ إرْجاعًا إلَيْهِ في هَذِهِ الدّارِ؛ قَبْلَ إرْجاعِ رُوحِ الحَياةِ بِيَدِ القَبْضِ مِن عِزْرائِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَفْسِيرَ هَذا التَّأْيِيدِ؛ فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: مَن أرَدْتَ؛ مِن عالِيهِمْ وسافِلِهِمْ؛ ‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: بِما بَرَّأ اللَّهُ مِن أُمِّكَ؛ وأظْهَرَ بِهِ كَرامَتَكَ وفَضْلَكَ.

ولَمّا ذَكَرَ هَذا الفَضْلَ العَظِيمَ؛ أتْبَعَهُ خارِقًا آخَرَ؛ وهو إحْياؤُهُ (p-٣٤١)نَفْسَهُ؛ وحِفْظُهُ جَسَدَهُ أكْثَرَ مِن ألْفِ سَنَةٍ لَمْ يُدْرِكْهُ الهَرَمُ؛ فَإنَّهُ رُفِعَ شابًّا؛ ويَنْزِلُ عَلى ما رُفِعَ عَلَيْهِ؛ ويَبْقى حَتّى يَصِيرَ كَهْلًا؛ وتَسْوِيَةُ كَلامِهِ في المَهْدِ بِكَلامِهِ في حالِ بُلُوغِ الأشُدِّ وكَمالِ العَقْلِ؛ خَرْقًا لِما جَرَتْ بِهِ العَوائِدُ؛ فَقالَ: ‏‏‏‏‏؛ ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الخارِقَةَ؛ أتْبَعَها رُوحَ العِلْمِ الرَّبّانِيِّ؛ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: الخَطَّ؛ الَّذِي هو مَبْدَأُ العِلْمِ؛ وتَلْقِيحٌ لِرُوحِ الفَهْمِ؛ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: الفَهْمَ لِحَقائِقِ الأشْياءِ؛ والعَمَلَ بِما يَدْعُو إلَيْهِ العِلْمُ؛ ‏‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: المُنْزَلَةَ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: المُنْزَلَ عَلَيْكَ.

ولَمّا ذَكَرَ تَأْيِيدَهُ بِرُوحِ الرُّوحِ؛ أتْبَعَهُ تَأْيِيدَهُ بِإفاضَةِ الرُّوحِ عَلى جَسَدٍ لا أصْلُ لَهُ فِيها؛ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: هَذا الجِنْسِ؛ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: في الصُّورَةِ المُهَيَّأةِ؛ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: تِلْكَ الصُّورَةُ الَّتِي هَيَّأْتَها؛ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏؛ ثُمَّ بِإفاضَةِ رُوحٍ ما عَلى بَعْضِ جَسَدٍ؛ إمّا ابْتِداءً في الأكْمَهِ؛ كَما في الَّذِي قَبْلَهُ؛ وإمّا إعادَةً؛ كَما في الحادِثِ: العَمى والبَرَصِ؛ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

ولَمّا كانَ مِن أعْظَمِ ما يُرادُ بِالسِّياقِ تَوْبِيخُ مَن كَفَرَ بِهِ؛ كَرَّرَ قَوْلَهُ: ‏‏‏؛ ثُمَّ بِرَدِّ رُوحٍ كامِلٍ إلى جَسَدِها؛ بِقَوْلِهِ: (p-٣٤٢)‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: مِنَ القُبُورِ فِعْلًا؛ أوْ قُوَّةً؛ حَتّى يَكُونُوا كَما كانُوا مِن سُكّانِ البُيُوتِ؛ ‏‏‏؛ ثُمَّ بِعِصْمَةِ رُوحِهِ مِمَّنْ أرادَ قَتْلَهُ؛ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏؛ أيْ: اليَهُودَ؛ لَمّا هَمُّوا بِقَتْلِكَ؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ نَقْصًا اسْتَحَلُّوا قَصْدَهُ بِهِ؛ بَيَّنَ أنَّهُ قَصَدَ ذَلِكَ كَعادَةِ النّاسِ مَعَ الرُّسُلِ؛ والأكابِرِ مِن أتْباعِهِمْ؛ تَسْلِيَةً لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ والتّابِعِينَ لَهُ بِإحْسانٍ؛ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: كُلِّها؛ بَعْضُها بِالفِعْلِ؛ والباقِي بِالقُوَّةِ؛ لِدَلالَةِ ما وُجِدَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى رِسالَتِكَ المُوجِبَةِ لِتَعْظِيمِكَ؛ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: غَطَّوْا تِلْكَ البَيِّناتِ عِنادًا؛ ‏‏‏‏ ‏‏؛ أيْ: ما ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏؛

‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And [remember] when I inspired to the disciples, "Believe in Me and in My messenger Jesus." They said, "We have believed, so bear witness that indeed we are Muslims [in submission to Allah]."

ثُمَّ بِتَأْيِيدِهِ بِالأنْصارِ؛ الَّذِينَ أحْيا أرْواحَهم بِالإيمانِ؛ وأجْسادَهم بِاخْتِراعِ المَأْكَلِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ في العادَةِ حِفْظُ الرُّوحِ؛ وذَلِكَ في قِصَّةِ المائِدَةِ وغَيْرِها؛ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: بِإلْهامٍ باطِنًا؛ وبِإيصالِ الأوامِرِ عَلى لِسانِكَ ظاهِرًا؛ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: الأنْصارِ؛ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: الَّذِي أمَرْتُهُ بِالإبْلاغِ؛ يَعْنِي إبْلاغَ النّاسِ ما آمُرُهم بِهِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ - مُبَيِّنًا لِسُرْعَةِ إجابَتِهِمْ لِجَعْلِهِ مُحَبَّبًا إلَيْهِمْ؛ مُطاعًا فِيهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏

ولَمّا كانَ الإيمانُ باطِنًا فَلا بُدَّ في إثْباتِهِ مِن دَلِيلٍ ظاهِرٍ؛ وكانَ (p-٣٤٣)فِي سِياقِ عَدِّ النِّعَمِ؛ والطَّواعِيَةِ لِوَحْيِ المَلِكِ الأعْظَمِ دُلُّوا عَلَيْهِ بِتَمامِ الِانْقِيادِ؛ ناسَبَ المَقامَ زِيادَةُ التَّأْكِيدِ؛ بِإثْباتِ النُّونِ الثّالِثَةِ في قَوْلِهِمْ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏؛ بِخِلافِ ”آلِ عِمْرانَ“؛ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: مُنْقادُونَ؛ أتَمَّ انْقِيادٍ؛ فَلا اخْتِيارَ لَنا إلّا ما تَأْمُرُنا بِهِ؛ وانْظُرْ.. ما أنْسَبَ إعادَةَ ”إذْ“؛ عِنْدَ التَّذْكِيرِ بِرُوحٍ كامِلٍ؛ حِسًّا أوْ مَعْنًى؛ وحَذْفَها عِنْدَ النّاقِصِ! فَأثْبَتَها عِنْدَ التَّأْيِيدِ بِها في أصْلِ الخُلُقِ؛ وفي الكَمالِ المُوجِبِ لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ؛ وفي تَعْلِيمِ الكِتابِ؛ وما بَعْدَهُ؛ المُفِيضِ لِحَياةِ الأبَدِ عَلى كُلِّ مَن تَخَلَّقَ بِأخْلاقِهِ؛ وفي خَلْقِ الطَّيْرِ؛ وهو ظاهِرٌ؛ وهَكَذا إلى الآخِرِ.

ذِكْرُ شَيْءٍ مِمّا عُزِّيَ إلَيْهِ مِنَ الحِكْمَةِ في الإنْجِيلِ: قالَ مَتّى: وكانَ يَسُوعُ يَطُوفُ المُدُنَ والقُرى؛ ويَعَلِّمُ في مَجامِعِهِمْ؛ ويَكْرِزُ بِبِشارَةِ المَلَكُوتِ؛ ويَشْفِي كُلَّ الأمْراضِ؛ والأوْجاعِ؛ ثُمَّ قالَ: فَلَمّا سَمِعَ يُوحَنّا في السِّجْنِ بِأعْمالِ المَسِيحِ؛ أرْسَلَ إلَيْهِ اثْنَيْنِ مِن تَلامِيذِهِ؛ قائِلًا: أنْتَ هو الآتِي أمْ نَتَرَجّى آخَرَ؟ قالَ لُوقا: وفي تِلْكَ السّاعَةِ أبْرَأ كَثِيرًا مِنَ الأمْراضِ؛ والأوْجاعِ؛ والأرْواحِ الشِّرِّيرَةِ؛ ووَهَبَ النَّظَرَ لِعُمْيانٍ كَثِيرِينَ؛ فَأجابَ يَسُوعُ وقالَ لَهُما: ”اذْهَبا وأعْلِما يُوحَنّا بِما رَأيْتُما؛ وسَمِعْتُما؛ العُمْيانُ يُبْصِرُونَ؛ والعُرْجُ يَمْشُونَ؛ والبُرْصُ يَتَطَهَّرُونَ؛ والصُّمُّ يَسْمَعُونَ؛ (p-٣٤٤)والمَوْتى يَقُومُونَ؛ والمَساكِينُ يُبَشِّرُونَ؛ فَطُوبى لِمَن لا يَشُكُّ فِيَّ“؛ فَلَمّا ذَهَبَ تِلْمِيذا يُوحَنّا بَدَأ يَسُوعُ يَقُولُ لِلْجَمْعِ مِن أجْلِ يُوحَنّا: لِماذا خَرَجْتُمْ إلى البَرِّيَّةِ تَنْظُرُونَ؟ - قالَ لُوقا: قَصَبَةً تُحَرِّكُها الرِّيحُ؟ - أمْ لِماذا خَرَجْتُمْ تَنْظُرُونَ؟ إنْسانًا لابِسًا لِباسًا ناعِمًا؟ إنَّ اللِّباسَ النّاعِمَ يَكُونُ في بُيُوتِ المُلُوكِ؛ قالَ لُوقا: فَإنَّ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ لِباسُ المَجْدِ والتَّنَعُّمِ هم في بُيُوتِ المُلُوكِ - انْتَهى؛ لَكِنْ لِماذا خَرَجْتُمْ تَنْظُرُونَ؟ نَبِيًّا؟ نَعَمْ؛ أقُولُ لَكُمْ: إنَّهُ أفْضَلُ مِن هَذا الَّذِي كُتِبَ مِن أجْلِهِ: هو ذا أنا مُرْسِلٌ مَلَكِي أمامَ وجْهِكَ لِيُسَهِّلَ طَرِيقَكَ قُدّامَكَ؛ الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ؛ إنَّهُ لَمْ يَقُمْ في مَوالِيدِ النِّساءِ أعْظَمُ مِن يُوحَنّا المُعَمَّدِ؛ والصَّغِيرُ في مَلَكُوتِ السَّماءِ أعْظَمُ مِنهُ؛ وجَمِيعُ الشَّعْبِ الَّذِي سَمِعَ؛ والعَشّارُونَ شَكَرُوا اللَّهَ؛ حَيْثُ اعْتَمَدُوا مِن مَعْمُودِيَّةِ يُوحَنّا؛ فَأمّا الفَرِّيسِيُّونَ والكُتّابُ فَعَلِمُوا أنَّهم رَفَضُوا أمْرَ اللَّهِ لَهُمْ؛ إذْ لَمْ يَعْتَمِدُوا مِنهُ؛ قالَ مَتّى: ثُمَّ قالَ: مَن لَهُ أُذُنانِ سامِعَتانِ فَلْيَسْمَعْ؛ بِماذا أشْبَهَ هَذا الجِيلُ؟ يُشْبِهُ صِبْيانًا جُلُوسًا في الأسْواقِ؛ يَصِيحُونَ إلى أصْحابِهِمْ قائِلِينَ: زَمَّرْنا لَكم فَلَمْ تَرْقُصُوا؛ ونُحْنا لَكم فَلَمْ تَبْكُوا؛ جاءَ يُوحَنّا لا يَأْكُلُ؛ ولا يَشْرَبُ؛ فَقالُوا: مَعَهُ جُنُونٌ؛ جاءَ ابْنُ الإنْسانِ (p-٣٤٥)يَأْكُلُ؛ ويَشْرَبُ؛ فَقالُوا: هَذا إنْسانٌ أكُولٌ شِرِّيبٌ؛ خَلِيلُ العَشّارِينَ والخَطَأةِ؛ فَتَبَرَّرَتِ الحِكْمَةُ مِن بَنِيها؛ حِينَئِذٍ بَدَأ يُعَيِّرُ المُدُنَ الَّتِي كانَ فِيها أكْثَرُ قُوّاتِهِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَتُوبُوا؛ ويَقُولُ: الوَيْلُ لَكِ يا كُورَزِينُ؛ والوَيْلُ لَكِ يا بَيْتَ صَيْدا؛ لِأنَّ القُوّاتِ اللّاتِي كُنَّ فِيكُما قَدِيمًا لَوْ كُنَّ في صُورَ وصَيْدا لَتابُوا بِالمُسُوحِ والرَّمادِ؛ لَكِنْ أقُولُ لَكُمْ: إنَّ لِصُورَ وصَيْدا راحَةً في يَوْمِ الدِّينِ أكْثَرَ مِنكُنَّ؛ وأنْتِ يا كَفْرَ ناحُومَ؛ لَوِ ارْتَفَعْتِ إلى السَّماءِ سَتَهْبِطِينَ إلى الجَحِيمِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ في سَدُومَ هَذِهِ القُوّاتُ الَّتِي كانَتْ فِيكِ إذَنْ لَثَبَتَتْ إلى اليَوْمِ؛ وأقُولُ لَكم أيْضًا: إنَّ أرْضَ سَدُومَ تَجِدُ راحَةً يَوْمَ الدِّينِ أكْثَرَ مِنكِ.

ثُمَّ قالَ: وانْتَقَلَ يَسُوعُ مِن هُناكَ؛ ودَخَلَ إلى مَجْمَعِهِمْ؛ وإذا رَجُلٌ هُناكَ يَدُهُ يابِسَةٌ - وقالَ لُوقا: يَدُهُ اليُمْنى يابِسَةٌ - فَسَألُوهُ قائِلِينَ: هَلْ يَحِلُّ أنْ يُشْفى في السَّبْتِ؟ فَقالَ لَهُمْ: أيُّ إنْسانٍ مِنكم يَكُونُ لَهُ خَرُوفٌ يَسْقُطُ في حُفْرَةٍ في السَّبْتِ؛ ولا يُمْسِكُهُ ويُقِيمُهُ؟ فَبِكم أُحْزِي الإنْسانُ أفْضَلُ مِنَ الخَرُوفِ؛ فَإذَنْ جَيِّدٌ هو فِعْلُ الخَيْرِ في السَّبْتِ؛ وقالَ لُوقا: فَقالَ لِلرَّجُلِ اليابِسِ اليَدِ: قِفْ في الوَسَطِ؛ فَقامَ؛ وقالَ لَهم يَسُوعُ: أسْألُكم ماذا يُحِلُّ أنْ يُعْمَلَ في السَّبْتِ؟ خَيْرٌ أمْ شَرٌّ؟ نَفْسُ تُخَلَّصُ أمْ تَهْلِكُ؟ فَسَكَتُوا؛ قالَ مَتّى: حِينَئِذٍ قالَ لِلْإنْسانِ: امْدُدْ يَدَكَ؛ فَمَدَّها؛ فَصَحَّتْ (p-٣٤٦)مِثْلَ الأُخْرى؛ فَخَرَجَ الفَرِّيسِيُّونَ - قالَ مُرْقُسُ: مَعَ أصْحابِ هِيرُودُسَ - مُتَوامِرِينَ في إهْلاكِهِ؛ فَعَلِمَ يَسُوعُ؛ وانْتَقَلَ مِن هُناكَ؛ وتَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ؛ فَشَقِيَ جَمِيعُهُمْ؛ وأمَرَهم ألّا يُظْهِرُوا ذَلِكَ لِكَيْ يَتِمَّ ما قِيلَ في أشْعَيا النَّبِيِّ القائِلِ: ها هُو ذا فَتايَ الَّذِي هَوَيْتُ؛ وحَبِيبِي الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ؛ أضَعُ رُوحِي عَلَيْهِ؛ ويُخْبِرُ الأُمَمَ بِالحِكَمِ؛ لا يُمارِي؛ ولا يَصِيحُ؛ ولا يَسْمَعُ أحَدٌ صَوْتَهُ في الشَّوارِعِ؛ قَصَبَةٌ مَرْضُوضَةٌ لا تُكْسَرُ؛ وسِراجٌ مُطَفْطِفٌ لا يُطْفَأُ؛ حَتّى يَخْرُجَ الحُكْمُ في الغَلَبَةِ؛ وعَلى اسْمِهِ تَتَّكِلُ الأُمَمُ؛ ثُمَّ قالَ: وفي ذَلِكَ اليَوْمِ خَرَجَ يَسُوعُ مِنَ البَيْتِ؛ وجَلَسَ جانِبَ البَحْرِ؛ فاجْتَمَعَ إلَيْهِ جَمْعٌ كَبِيرٌ؛ حَتّى إنَّهُ صَعِدَ إلى السَّفِينَةِ وجَلَسَ؛ وكانَ الجَمْعُ كُلُّهُ قِيامًا عَلى الشَّطِّ؛ وكُلُّهم بِأمْثالٍ كَثِيرَةٍ؛ قائِلًا: ها هو ذا خَرَجَ الزّارِعُ لِيَزْرَعَ؛ وفِيما هو يَزْرَعُ سَقَطَ البَعْضُ عَلى الطَّرِيقِ؛ فَأتى الطَّيْرُ وأكَلَهُ - وقالَ لُوقا: فَدِيسَ وأكَلَهُ طائِرُ السَّماءِ - وبَعْضٌ سَقَطَ عَلى الصَّخْرَةِ؛ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أرْضٌ كَثِيرَةٌ؛ ولِلْوَقْتِ شَرَّقَ إذْ لَيْسَ لَهُ عُمْقُ أرْضٍ؛ ولَمّا أشْرَقَتِ الشَّمْسُ احْتَرَقَ؛ وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أصْلٌ يَبِسَ؛ وبَعْضٌ سَقَطَ في الشَّوْكِ؛ فَطَلَعَ الشَّوْكُ وخَنَقَهُ؛ وقالَمُرْقُسُ: فَخَنَقَهُ بِعُلُوِّهِ عَلَيْهِ؛ فَلَمْ يَأْتِ بِثَمَرِهِ؛ (p-٣٤٧)وقالَ مَتّى: وبَعْضٌ سَقَطَ في الأرْضِ الجَيِّدَةِ فَأعْطى ثَمَرَهُ؛ لِلْواحِدِ مِائَةٌ ولِلْآخَرِ سِتِّينَ؛ ولِلْآخَرِ ثَلاثِينَ - قالَ لُوقا: فَلَمّا قالَ هَذا نادى: مَن لَهُ أُذُنانِ سامِعَتانِ فَلْيَسْمَعْ - فَتَقَدَّمَ إلَيْهِ تَلامِيذُهُ وقالُوا لَهُ: لِماذا تُكَلِّمُهم بِالأمْثالِ؟ فَأجابَهم وقالَ: أنْتُمْ أُعْطِيتُمْ مَعْرِفَةَ سَرائِرِ مَلَكُوتِ السَّماواتِ - وقالَ لُوقا: فَقالَ لَهُمْ: لَكم أُعْطِي عِلْمَ سَرائِرِ مَلَكُوتِ اللَّهِ - وأُولَئِكَ لَمْ يُعْطَوْا؛ ومَن كانَ لَهُ يُعْطى ويُزادُ؛ ومَن لَيْسَ لَهُ فالَّذِي لَهُ يُؤْخَذُ مِنهُ - وقالَ لُوقا: والَّذِي لَيْسَ لَهُ يُنْزَعُ مِنهُ الَّذِي يَظُنُّ أنَّهُ لَهُ - فَلِهَذا أُكَلِّمُهم بِالأمْثالِ؛ لِأنَّهم يُبَصَّرُونَ فَلا يُبْصِرُونَ؛ ويُسْمَعُونَ فَلا يَسْمَعُونَ؛ ولا يَفْهَمُونَ؛ لِكَيْ تَتِمَّ فِيهِمْ نُبُوَّةُ أشْعَيا القائِلِ: سَمْعًا يَسْمَعُونَ فَلا يَفْهَمُونَ؛ ونَظَرًا يَنْظُرُونَ فَلا يُبْصِرُونَ؛ لَقَدْ غَلُظَ قَلْبُ هَذا الشَّعْبِ؛ وثَقُلَتْ آذانُهم عَنِ السَّماعِ؛ وغَمَّضُوا أعْيُنَهم لِكَيْلا يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ؛ ولا يَسْمَعُوا بِآذانِهِمْ؛ ويَفْهَمُوا بِقُلُوبِهِمْ؛ ويَرْجِعُوا فَأشْفِيَهُمْ؛ فَأمّا أنْتُمْ فَطُوبى لِعُيُونِكُمْ؛ لِأنَّها تَنْظُرُ؛ ولِآذانِكُمْ؛ لِأنَّها تَسْمَعُ؛ وقالَ لُوقا: ومِثْلُ الزَّرْعِ هَذا هو كَلامُ اللَّهِ؛ وقالَ مَتّى: كُلُّ مَن يَسْمَعُ كَلامَ المَلَكُوتِ ولا يَفْهَمُ يَأْتِي الشِّرِّيرُ فَيَخْطِفُ ما يَزْرَعُ في قَلْبِهِ؛ هَذا الَّذِي زَرَعَ عَلى الطَّرِيقِ؛ والَّذِي زَرَعَ عَلى الصَّخْرَةِ هو الَّذِي يَسْمَعُ الكَلامَ؛ ولِلْوَقْتِ يَقْبَلُهُ بِفَرَحٍ؛ ولَيْسَ لَهُ فِيهِ أصْلٌ؛ لَكِنْ في زَمانٍ يَسِيرٍ؛ إذا حَدَثَ ضِيقٌ؛ أوْ طَرْدٌ؛ فَلِلْوَقْتِ يَشُكُّ - (p-٣٤٨)وقالَ مُرْقُسُ: بِسَبَبِ الكَلِمَةِ فَيَشْكُونَ لِلْوَقْتِ: وقالَ لُوقا: وهم إنَّما يُؤْمِنُونَ إلى زَمانِ التَّجْرِبَةِ؛ وفي زَمانِ التَّجْرِبَةِ يَشُكُّونَ - والَّذِي يَزْرَعُ في الشَّوْكِ فَهو الَّذِي يَسْمَعُ الكَلامَ فَيَخْنِقُ الكَلامَ فِيهِ؛ وقالَ لُوقا: فَتَغْلِبُ عَلَيْهِمْ هُمُومُ هَذا الدَّهْرِ؛ وطَلَبُ الغِنى؛ وقالَ مُرْقُسُ: ومَحَبَّةُ الغِنى؛ وسائِرُ الشَّهَواتِ الَّتِي يَسْلُكُونَها؛ فَتُخْنَقُ الكَلِمَةُ فَلا تُثْمِرُ فِيهِمْ؛ وقالَ مَتّى: فَيَكُونُ بِغَيْرِ ثَمَرَةٍ؛ والَّذِي زَرَعَ في الأرْضِ الجَيِّدَةِ هو الَّذِي يَسْمَعُ الكَلامَ؛ ويَتَفَهَّمُ؛ ويُعْطِي ثَمَرَهُ؛ وقالَ لُوقا: وأمّا الَّذِي وقَعَ في الأرْضِ الصّالِحَةِ فَهُمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الكَلِمَةَ بِقَلْبٍ جَيِّدٍ فَيَحْفَظُونَها؛ ويُثْمِرُونَ بِالصَّبْرِ؛ قالَ مَتّى: لِلْواحِدِ مِائَةٌ؛ ولِلْآخَرِ سِتِّينَ؛ ولِلْآخَرِ ثَلاثِينَ.

وضَرَبَ لَهم مَثَلًا آخَرَ قائِلًا: يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ إنْسانًا زَرَعَ زَرْعًا جَيِّدًا في حَقْلِهِ؛ فَلَمّا نامَ النّاسُ جاءَ عَدُوُّهُ فَزَرَعَ زَوانًا في وسَطِ القَمْحِ؛ ومَضى؛ فَلَمّا نَبَتَ القَمْحُ ظَهَرَ الزَّوانُ؛ فَجاءَ عَبِيدُ رَبِّ البَيْتِ فَقالُوا لَهُ: يا سَيِّدُ؛ ألَيْسَ زَرْعًا جَيِّدًا زَرَعْتَ في حَقْلِكَ؟ فَمِن أيْنَ صارَ فِيهِ زَوانٌ؟ فَقالَ لَهُمْ: عَدُوُّ فَعَلَ هَذا؛ فَقالَ عَبِيدُهُ: تُرِيدُ أنْ نَذْهَبَ فَنَجْمَعَهُ؟ فَقالَ لَهُمْ: لا؛ لِئَلّا تَنْقَلِعَ مَعَهُ الحِنْطَةُ؛ دَعُوهُما يَنْبُتانِ جَمِيعًا إلى زَمانِ الحَصادِ؛ (p-٣٤٩)وأقُولُ لِلْحَصّادِينَ: أوَّلًا اجْمَعُوا الزَّوانَ؛ فَشُدُّوهُ حِزَمًا لِيُحْرَقَ؛ فَأمّا القَمْحُ فاجْمَعُوهُ إلى أهَرائِي. وضَرَبَ لَهم مَثَلًا آخَرَ قائِلًا: يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ حَبَّةَ خَرْدَلٍ أخَذَها إنْسانٌ وزَرَعَها في حَقْلِهِ؛ لِأنَّها أصْغَرُ الزَّرارِيعِ كُلِّها - وقالَ مُرْقُسُ: وهي أصْغَرُ الحُبُوبِ الَّتِي عَلى الأرْضِ - فَإذا طالَتْ صارَتْ أكْبَرَ مِن جَمِيعِ البُقُولِ؛ وتَصِيرُ شَجَرَةً - وقالَ مُرْقُسُ: وصَنَعَتْ أغْصانًا عِظامًا؛ وقالَ لُوقا: فَنَمَتْ؛ وصارَتْ شَجَرَةً عَظِيمَةً - حَتّى إنَّ طائِرَ السَّماءِ يَسْتَظِلُّ تَحْتَ أغْصانِها.

وكَلَّمَهم بِمَثَلٍ آخَرَ؛ وقالَ لَهُمْ: يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ خَمِيرًا أخَذَتْهُ امْرَأةٌ وعَجَنَتْهُ في ثَلاثَةِ أكْيالِ دَقِيقٍ؛ فاخْتَمَرَ الجَمِيعُ؛ وقالَ مُرْقُسُ: وكانَ يَقُولُ لَهُمْ: هَلْ يُوقَدُ سِراجٌ فَيُوضَعُ تَحْتَ مِكْيالٍ؛ أوْ سَرِيرٍ؛ لَكِنْ عَلى مَنارَةٍ؛ وقالَ لُوقا: لَيْسَ أحَدٌ يُوقِدُ سِراجًا فَيُغَطِّيهِ؛ ولا يَجْعَلُهُ تَحْتَ سَرِيرٍ؛ لَكِنْ يَضَعُهُ عَلى مَنارَةٍ؛ فَيَرى نُورَهُ كُلُّ مَن يَدْخُلُ؛ قالَ مُرْقُسُ: كَذَلِكَ لَيْسَ خَفِيٌّ إلّا سَيَظْهَرُ؛ ولا مَكْتُومٌ إلّا سَيُعْلَنُ؛ وقالَ لُوقا: سِراجُ الجَسَدِ العَيْنُ؛ فَإذا كانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ نَيِّرٌ؛ وإنْ كانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِمًا؛ احْرِصْ ألّا يَكُونَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلامًا؛ فَإنْ كانَ جَسَدُكَ كُلُّهُ نَيِّرًا ولَيْسَ فِيهِ جُزْءٌ مُظْلِمٌ فَإنَّهُ يَكُونُ كامِلًا نَيِّرًا؛ كَما أنَّ السِّراجَ يُنِيرُ لَكَ بِلَمْعِ ضِيائِهِ؛ وقالَ مُرْقُسُ: مَن لَهُ أُذُنانِ سامِعَتانِ فَلْيَسْمَعْ؛ وقالَ لَهُمْ: انْظُرُوا ماذا تَسْمَعُونَ؛ فَبِالكَيْلِ الَّذِي تَكِيلُونَ يُكالُ لَكم - وتُزادُونَ أيُّها السّامِعُونَ؛ لِأنَّ الَّذِي لَهُ يُعْطى؛ ومَن لَيْسَ (p-٣٥٠)عِنْدَهُ فالَّذِي عِنْدَهُ يُؤْخَذُ مِنهُ؛ وقالَ: يُشْبِهُ مَلَكُوتُ اللَّهِ إنْسانًا يُلْقِي زَرْعَهُ عَلى الأرْضِ ويَنامُ؛ ويَقُومُ لَيْلًا ونَهارًا؛ والزَّرْعُ يَنْمُو ويَطُولُ؛ وهو لا يَعْلَمُ؛ أوَّلًا أعْشُبٌ؛ وبَعْدَ ذَلِكَ سُنْبُلٌ؛ ثُمَّ يَمْتَلِئُ السُّنْبُلُ حَتّى إذا انْتَهَتِ الثَّمَرَةُ حِينَئِذٍ يَضَعُ المِنجَلَ؛ إذْ قَدْ دَنا الحَصادُ؛ قالَ مَتّى: هَذا كُلُّهُ قالَهُ يَسُوعُ لِلْجُمُوعِ؛ لِيَتِمَّ ما قِيلَ في النَّبِيِّ القائِلِ: أفْتَحُ فايَ بِالأمْثالِ؛ وأنْطِقُ بِالخَفِيّاتِ؛ مِن قَبْلِ أساسِ العالَمِ؛ حِينَئِذٍ تَرَكَ الجَمْعَ وجاءَ إلى البَيْتِ؛ فَجاءَ إلَيْهِ تَلامِيذُهُ وقالُوا: فَسِّرْ لَنا مَثَلَ زَوالِ الحَقْلِ؛ أجابَ: الَّذِي زَرَعَ الزَّرْعَ الجَيِّدَ هو ابْنُ الإنْسانِ؛ والحَقْلُ هو العالَمُ؛ والزَّرْعُ الجَيِّدُ هو بَنُو المَلَكُوتِ؛ والزَّوانُ هو بَنُو الشَّرِّ؛ والعَدُوُّ الَّذِي زَرَعَهُ هو الشَّيْطانُ؛ والحَصادُ هو مُنْتَهى الدَّهْرِ؛ والحَصّادُونَ هُمُ المَلائِكَةُ؛ فَكَما أنَّهم يَجْمَعُونَ الزَّوانَ أوَّلًا؛ وبِالنّارِ يُحْرَقُ؛ هَكَذا يَكُونُ مُنْتَهى هَذا الدَّهْرِ؛ يُرْسِلُ مَلائِكَتَهُ ويَجْمَعُونَ مِن مَمْلَكَتِهِ كُلَّ الشَّوْكِ؛ وفاعِلِي الإثْمِ؛ فَيُلْقُونَهم في أتُونِ النّارِ؛ هُناكَ يَكُونُ البُكاءُ؛ وصَرِيرُ الأسْنانِ؛ حِينَئِذٍ يُضِيءُ الصِّدِّيقُونَ مِثْلَ الشَّمْسِ في مَلَكُوتِ أبِيهِمْ؛ مَن لَهُ أُذُنانِ سامِعَتانِ فَلْيَسْمَعْ؛ ويُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ كَنْزًا مُخْفًى في حَقْلٍ؛ وجَدَهُ إنْسانٌ فَخَبَّأهُ؛ ومِن فَرَحِهِ مَضى؛ وباعَ كُلَّ شَيْءٍ؛ واشْتَرى ذَلِكَ الحَقْلَ؛ وأيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ إنْسانًا تاجِرًا يَطْلُبُ الجَوْهَرَ الفاخِرَ الحَسَنَ؛ فَوَجَدَ دُرَّةً كَثِيرَةَ الثَّمَنِ؛ فَمَضى وباعَ (p-٣٥١)كُلَّ مالِهِ واشْتَراها؛ وأيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ شَبَكَةً أُلْقِيَتْ في البَحْرِ؛ فَجَمَعَتْ مِن كُلِّ جِنْسٍ؛ فَلَمّا امْتَلَأتْ أطْلَعُوها إلى الشَّطِّ؛ فَجَلَسُوا وجَمَعُوا الخِيارَ في الأوْعِيَةِ؛ والرَّدِيءَ رَمَوْهُ خارِجًا؛ هَكَذا يَكُونُ في انْقِضاءِ هَذا الزَّمانِ؛ تَخْرُجُ المَلائِكَةُ ويُمَيِّزُونَ الأشْرارَ مِن وسَطِ الصِّدِّيقِينَ؛ ويُلْقُونَهم في أتُونِ النّارِ؛ هُناكَ يَكُونُ البُكاءُ وصَرِيرُ الأسْنانِ؛ فَلَمّا أكْمَلَ يَسُوعُ هَذِهِ الأمْثالَ انْتَقَلَ مِن هُناكَ؛ وجاءَ إلى بَلْدَتِهِ؛ وكانَ يُعَلِّمُ في مَجامِعِهِمْ؛ حَتّى إنَّهم بُهِتُوا؛ وقالُوا: مِن أيْنَ لَهُ هَذِهِ الحِكْمَةُ والقُوَّةُ؟! وقالَ مُرْقُسُ: مِن أيْنَ لَهُ هَذا التَّعْلِيمُ وهَذِهِ الحِكْمَةُ الَّتِي أُعْطِيَها والقُوّاتُ الَّتِي تَكُونُ عَلى يَدَيْهِ؟! انْتَهى؛ ألَيْسَ هَذا ابْنَ النَّجّارِ؟ وقالَ لُوقا: وكانَ جَمِيعُهم يَشْهَدُونَ لَهُ؛ ويَتَعَجَّبُونَ مِن كَلامِ النِّعْمَةِ الَّذِي كانَ يَخْرُجُ مِن فَمِهِ؛ وكانُوا يَقُولُونَ: ألَيْسَ هَذا ابْنَ يُوسُفَ؟ انْتَهى؛ ألَيْسَ أُمُّهُ تُسَمّى مَرْيَمَ؛ وإخْوَتُهُ يَعْقُوبَ ويُوسا وسَمْعانَ ويَهُودا؟ ألَيْسَ هو وأخَواتُهُ عِنْدَنا جَمِيعًا؟ فَمِن أيْنَ لَهُ هَذا كُلُّهُ؟ وكانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ؛ فَإنَّ يَسُوعَ قالَ لَهُمْ: لا يُهانُ نَبِيٌّ إلّا في بَلْدَتِهِ وبَيْتِهِ؛ وقالَ مُرْقُسُ: لَيْسَ يُهانُ نَبِيٌّ إلّا في بَلْدَتِهِ؛ وعِنْدَ أنْسابِهِ؛ وبَيْتِهِ؛ وقالَ لُوقا: فَقالَ لَهُمْ: لَعَلَّكم تَقُولُونَ لِي هَذا المَثَلَ: أيُّها الطَّبِيبُ؛ اشْفِ نَفْسَكَ؛ والَّذِي سَمِعْنا (p-٣٥٢)أنَّكَ صَنَعْتَهُ في كَفْرِناحُومَ افْعَلْهُ أيْضًا هَهُنا في مَدِينَتِكَ؛ فَقالَ لَهُمْ: الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ؛ إنَّهُ لا يُقْبَلُ نَبِيٌّ في مَدِينَتِهِ؛ الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ؛ إنَّ الأرامِلَ كَثِيرَةٌ؛ كُنَّ في إسْرائِيلَ في أيّامِ إلْيا؛ إذْ أغْلَقَتِ السَّماءُ ثَلاثَ سِنِينَ؛ وسِتَّةَ أشْهُرٍ؛ وصارَ جُوعٌ عَظِيمٌ في الأرْضِ كُلِّها؛ ولَمْ يُرْسِلْ إلْياءُ إلى واحِدَةٍ مِنهُنَّ؛ إلّا أرْمَلَةٌ في صارِفَةِ صَيْدا؛ وبُرْصٌ كَثِيرُونَ كانُوا في إسْرائِيلَ عَلى عَهْدٍ ألِيشَعَ النَّبِيِّ؛ ولَمْ يَطْهُرْ واحِدٌ مِنهم إلّا نُعْمانُ الشّامِيُّ؛ فامْتَلَأ جَمِيعُهم غَضَبًا؛ عِنْدَما سَمِعُوا هَذا؛ وأخْرَجُوهُ خارِجَ المَدِينَةِ؛ وجاؤُوا بِهِ إلى أعْلى الجَبَلِ الَّذِي كانَتْ مَدِينَتُهم مَبْنِيَّةً عَلَيْهِ؛ لِيَطْرَحُوهُ إلى أسْفَلَ؛ فَأمّا هو فَجازَ وسَطَهم ومَضى؛ ونَزَلَ إلى كَفْرِ ناحُومَ؛ مَدِينَةٍ في الجَلِيلِ؛ وكانَ يُعَلِّمُهم في السَّبْتِ؛ وبُهِتُوا مِن تَعْلِيمِهِ؛ لِأنَّ كَلامَهُ كانَ بِسُلْطانٍ؛ وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: وجاءَ إلَيْهِ ناسٌ مِنَ الفَرِّيسِيِّينَ وقالُوا لَهُ: اخْرُجْ فاذْهَبْ مِن هَهُنا؛ فَإنَّ هِيرُودُسَ يُرِيدُ لِيَقْتُلَكَ؛ فَقالَ لَهُمْ: امْضُوا وقُولُوا لِهَذا الثَّعْلَبِ: إنِّي هُو ذا أُخْرِجُ الشَّياطِينَ؛ وأُتِمُّ الشِّفاءَ اليَوْمَ؛ وغَدًا؛ وفي اليَوْمِ الثّالِثِ أُكْمِلُ؛ ويَنْبَغِي أنْ أُقِيمَ (p-٣٥٣)اليَوْمَ وغَدًا؛ وفي اليَوْمِ الآتِي أذْهَبَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ يَهْلِكُ نَبِيٌّ خارِجًا عَنْ يَرُوشَلِيمَ؛ أيا يَرُوشَلِيمُ؛ أيا يَرُوشَلِيمُ؛ يا قاتِلَةَ الأنْبِياءِ؛ وراجِمَةَ المُرْسَلِينَ إلَيْها؛ كَمْ مِن مَرَّةٍ أرَدْتُ أنْ أجْمَعَ بَنِيكِ مِثْلَ الدَّجاجَةِ الَّتِي تَجْمَعُ فِراخَها تَحْتَ جَناحَيْها؛ فَلَمْ تُرِيدُوا؛ هُو ذا أتْرُكُ بَيْتَكم خَرابًا؛ فَسَمِعَ هِيرُودُسُ رَئِيسُ الرَّبْعِ بِجَمِيعِ ما كانَ؛ فَتَحَيَّرَ؛ لِأنَّ كَثِيرًا كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ يُوحَنّا قامَ مِنَ الأمْواتِ؛ وآخَرُونَ يَقُولُونَ: إنَّ إلْيا ظَهَرَ؛ وآخَرُونَ يَقُولُونَ: نَبِيٌّ مِنَ الأوَّلِينَ قامَ؛ فَقالَ هِيرُودُسُ: أنا قَطَعْتُ رَأْسَ يُوحَنّا؛ فَمَن هو الَّذِي نَسْمَعُ عَنْهُ هَذا؛ وطَلَبَ أنْ يُبْصِرَهُ؛ وفي إنْجِيلِ مَتّى: وفي ذَلِكَ الزَّمانِ سَمِعَ هِيرُودُسُ رَئِيسُ الرَّبْعِ خَبَرَ يَسُوعَ؛ فَقالَ لِغِلْمانِهِ: هَذا هو يُوحَنّا المَعْمَدانُ؛ وهو قامَ مِنَ الأمْواتِ مِن أجْلِ هَذِهِ القُوّاتِ الَّتِي يَعْمَلُ بِها.

قَوْلُهُ: المُعَمَّدُ؛ مِن ”أعْمَدَهُ“؛ إذا غَسَلَهُ في ماءِ المَعْمُودِيَّةِ؛ قَوْلُهُ: ”تَبَرَّرَتْ“؛ أيْ: صارَتْ بَرِّيَّةً بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ؛ قَوْلُهُ: يُعَيِّرُ المُدُنَ؛ أيْ: يَذْكُرُ ما أوْجَبَ لَها العارَ؛ قَوْلُهُ: القُوّاتُ: جَمْعُ ”قُوَّةٌ“؛ وهي المُعْجِزاتُ هُنا؛ قَوْلُهُ: الَّذِي هَوَيْتُ: يَعْنِي أحْبَبْتُ حُبًّا شَدِيدًا؛ ولَفْظُ الهَوى الظّاهِرُ أنَّهُ يُفْهِمُ نَقْصًا؛ فَلا يَحِلُّ في شَرْعِنا إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ (تَعالى)؛ قَوْلُهُ: مُطَفْطَفٌ: أيْ: مَمْلُوءٌ إلى رَأْسِهِ؛ لا يَزالُ كَذَلِكَ؛ قَوْلُهُ: ”شَرِقَ“؛ وزْنُ ”فَرِحَ“؛ أيْ: ضَعُفَ؛ مِن (p-٣٥٤)”شَرِقَ بِرِيقِهِ“؛ و”شَرِقَتِ الشَّمْسُ“؛ إذا ضَعُفَ ضَوْؤُها؛ قَوْلُهُ: ”أتُّونٌ“؛ وهو وزْنُ ”تَنُّورٌ“؛ وقَدْ يُخَفَّفُ: أُخْدُودُ الجَيّارِ والجَصّاصِ؛ قَوْلُهُ: بَسِيطَةٌ: أيْ: عَلى الفِطْرَةِ الأُولى؛ قَوْلُهُ: يَرُوشَلِيمُ؛ بِتَحْتانِيَّةٍ ومُهْمَلَةٍ وشِينٍ مُعْجَمَةٍ: بَيْتُ المَقْدِسِ؛ قَوْلُهُ: مَلَكُوتُ أبِيهِمْ؛ تَقَدَّمَ ما فِيهِ غَيْرَ مَرَّةٍ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

[And remember] when the disciples said, "O Jesus, Son of Mary, can your Lord send down to us a table [spread with food] from the heaven? [Jesus] said," Fear Allah, if you should be believers."

ولَمّا كانَ مِنَ المَقْصُودِ بِذِكْرِ مُعْجِزاتِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَنْبِيهُ الكافِرِ لِيُؤْمِنَ؛ والمُؤْمِنِ لِيَزْدادَ إيمانًا؛ وتَسْلِيَةُ النَّبِيِّ ﷺ؛ وتَوْبِيخُ اليَهُودِ المُدَّعِينَ أنَّهم أبْناءُ وأحِبّاءُ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أرادَ اللَّهُ؛ قُرِعَتْ بِهِ الأسْماعُ؛ ولَمْ يَتَعَلَّقْ بِما يُجِيبُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ أمْرِهِ بِذَلِكَ غَرَضٌ؛ فَطُوِيَ؛ ولَمّا كانَ أجَلُّ المَقاصِدِ تَأْدِيبَ هَذِهِ الأُمَّةِ لِنَبِيِّها - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِتُجِلَّهُ عَنْ أنْ تَبْدَأهُ بِسُؤالٍ؛ أوْ تَقْتَرِحَ عَلَيْهِ شَيْئًا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ؛ ذَكَرَ لَهم شَأْنَ الحَوارِيِّينَ في اقْتِراحِهِمْ؛ بَعْدَما تَقَدَّمَ مِنَ امْتِداحِهِمْ بِعَدِّهِمْ في عِدادِ أُولِي الوَحْيِ؛ ومُبادَرَتِهِمْ إلى الإيمانِ؛ امْتِثالًا لِلْأمْرِ؛ ثُمَّ إلى الإشْهادِ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ؛ بِتَمامِ الِانْقِيادِ؛ وسَلْبِ الِاخْتِيارِ؛ فَقالَ - مُعَلِّقًا بِـ ”قالُوا آمَنّا“؛ مُقَرِّبًا لِزَمَنِ تَعَنُّتِهِمْ مِن زَمَنِ إيمانِهِمْ؛ مُذَكِّرًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِحِفْظِها عَلى الطّاعَةِ؛ ومُبَكِّتًا لِبَنِي إسْرائِيلَ بِكَثْرَةِ تَقَلُّبِهِمْ؛ وعَدَمِ تَماسُكِهِمْ؛ إبْعادًا لَهم عَنْ دَرَجَةِ المَحَبَّةِ؛ فَضْلًا عَنِ البُنُوَّةِ؛ وهَذِهِ القِصَّةُ قَبْلَ قِصَّةِ الإيحاءِ إلَيْهِمْ؛ فَتَكُونُ ”إذْ“ هَذِهِ (p-٣٥٥)ظَرْفًا لِتِلْكَ؛ فَيَكُونُ الإيحاءُ إلَيْهِمْ بِالأمْرِ بِالإيمانِ في وقْتِ سُؤالِهِمْ هَذِهِ بَعْدَ ابْتِدائِهِ؛ ويَكُونُ فائِدَتُهُ حِفْظَهم مِن أنْ يَسْألُوا آيَةً أُخْرى؛ كَما سَألُوا هَذِهِ؛ بَعْدَما رَأوْا مِنهُ ﷺ مِنَ الآياتِ -: ‏‏ ‏‏‏؛ وأعادَ وصْفَهُمْ؛ ولَمْ يُضْمِرْهُ؛ تَنْصِيصًا عَلَيْهِمْ لِبُعْدِ ما يُذْكَرُ مِن حالِهِمْ هَذا مِن حالِهِمُ الأوَّلِ؛ فَقالَ: ‏‏‏‏‏‏‏‏؛ وذَكَرَ أنَّهم نادَوْهُ بِاسْمِهِ؛ واسْمِ أُمِّهِ؛ فَقالُوا: ﴿يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾؛ ولَمْ يَقُولُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ولا يا رُوحَ اللَّهِ؛ ونَحْوَ هَذا مِنَ التَّبْجِيلِ؛ أوِ التَّعْظِيمِ؛ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏؛ بِالياءِ؛ مُسْنَدًا إلى الرَّبِّ؛ وبِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ؛ مُسْنَدًا إلى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ونَصْبِ الرَّبِّ؛ ومَعْناهُما واحِدٌ؛ يَرْجِعُ إلى التَّهْيِيجِ؛ والإلْهابِ؛ بِسَبَبِ الِاجْتِهادِ في الدُّعاءِ؛ بِحَيْثُ تَحْصُلُ الإجابَةُ؛ وتَكُونُ هَذِهِ العِبارَةُ أيْضًا لِلتَّلَطُّفِ؛ كَما يَقُولُ الإنْسانُ لِمَن يُعَظِّمُهُ: هَلْ تَقْدِرُ أنْ تَذْهَبَ مَعِي إلى كَذا؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ قادِرٌ؛ ولَكِنَّهُ يُكَنِّي بِذَلِكَ عَنْ أنَّ السّائِلَ يُحِبُّ ذَلِكَ؛ ولا يُرِيدُ المَشَقَّةَ عَلى المَسْؤُولِ؛ ‏‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: الرَّبُّ المُحْسِنُ إلَيْكَ؛ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏؛ وهي الطَّعامُ؛ ويُقالُ أيْضًا: الخُوانُ؛ إذا كانَ عَلَيْهِ الطَّعامُ؛ والخُوانُ شَيْءٌ يُوضَعُ عَلَيْهِ الطَّعامُ لِلْأكْلِ؛ هو في العُمُومِ بِمَنزِلَةِ السُّفْرَةِ لِما يُوضَعُ فِيهِ طَعامُ المُسافِرِ بِالخُصُوصِ؛ وهي مِن ”مادَهُ“؛ (p-٣٥٦)إذا أعْطاهُ؛ وأطْعَمَهُ.

ولَمّا كانَ هَذا ظاهِرًا في أنَّها سَماوِيَّةٌ؛ صَرَّحُوا بِهِ احْتِرازًا عَمّا عَوَّدَهم بِهِ ﷺ مِن أنَّهُ يَدْعُو بِالقَلِيلِ مِنَ الطَّعامِ؛ فَيُبارِكُ فِيهِ؛ فَيَمُدُّهُ اللَّهُ؛ فَيَكْفِي فِيهِ القِيامَ مِنَ النّاسِ؛ فَقالُوا: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: لا صُنْعَ لِلْآدَمِيِّينَ فِيها؛ لِنُخْتَصَّ بِها عَمَّنْ تَقَدَّمَنا مِنَ الأُمَمِ.

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذا وعْظَنا؛ وإرْشادَنا إلى ألّا نَسْألَ نَبِيَّنا ﷺ شَيْئًا؛ اكْتِفاءً بِما يَرْحَمُنا بِهِ رَبُّنا الَّذِي رَحِمَنا بِابْتِدائِنا؛ بِإرْسالِهِ إلَيْنا؛ لِإيصالِنا إلَيْهِ - سُبْحانَهُ -؛ وتَخْوِيفًا مِن أنْ نَكُونَ مِثْلَ مَن مَضى مِنَ المُقْتَرِحِينَ الَّذِينَ كانَ اقْتِراحُهم سَبَبَ هَلاكِهِمْ؛ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالنُّزُوعِ مِن أُسْلُوبِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا؛ إرْشادًا إلى السُّؤالِ مِن جَوابِهِمْ -: ‏‏‏؛ ولَمْ يَقُلْ: فَقُلْتُ؛ ‏‏‏‏‏ ‏‏؛ أيْ: اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ غَضَبِ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لَهُ الكَمالُ؛ وِقايَةً تَمْنَعُكم عَنِ الِاجْتِراءِ عَلى الِاقْتِراحِ؛ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: بِأنَّهُ قادِرٌ؛ وأنِّي رَسُولُهُ؛ فَلا تَفْعَلُوا فِعْلَ مَن وقَفَ إيمانَهُ عَلى رُؤْيَةِ ما يُقْتَرَحُ مِنَ الآياتِ.

Reading a passage 3 ayat 5 ayat 10 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

Al-Māʾidah 5:103