All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur'an as one connected whole — why this verse follows that, and this surah that.

Al-Māʾidah 5:3 Juzʾ 6 Page 107

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Prohibited to you are dead animals, blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allah, and [those animals] killed by strangling or by a violent blow or by a head-long fall or by the goring of horns, and those from which a wild animal has eaten, except what you [are able to] slaughter [before its death], and those which are sacrificed on stone altars, and [prohibited is] that you seek decision through divining arrows. That is grave disobedience. This day those who disbelieve have despaired of [defeating] your religion; so fear them not, but fear Me. This day I have perfected for you your religion and completed My favor upon you and have approved for you Islam as religion. But whoever is forced by severe hunger with no inclination to sin - then indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

Read in the muṣḥaf

ولَمّا أتَمَّ الكَلامَ عَلى احْتِرامِ أعْظَمِ المَكانِ؛ وأكْرَمِ الزَّمانِ؛ وما لابَسَهُما؛ فَهَذَّبَ النُّفُوسَ بِالنَّهْيِ عَنْ حُظُوظِها؛ وأمَرَ بَعْدَ تَخْلِيَتِها عَنْ كُلِّ شَرٍّ بِتَحْلِيَتِها بِكُلِّ خَيْرٍ؛ عَدَّدَ - عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ - ما وعَدَ بِتِلاوَتِهِ عَلَيْهِمْ؛ مِمّا حَرَّمَ مُطْلَقًا؛ إلّا في حالِ الضَّرُورَةِ؛ فَقالَ: ‏‏‏‏؛ بانِيًا الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ؛ لِأنَّ الخِطابَ لِمَن يَعْلَمُ أنَّهُ لا مُحَرِّمَ إلّا اللَّهُ؛ وإشْعارًا بِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لِشِدَّةِ قَذارَتِها كَأنَّها مُحَرَّمَةٌ بِنَفْسِها؛ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ وهي ما فَقَدَ الرُّوحَ بِغَيْرِ ذَكاةٍ شَرْعِيَّةٍ؛ فَإنَّ دَمَ كُلِّ ما ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ يُحْبَسُ في عُرُوقِهِ؛ ويَتَعَفَّنُ؛ ويَفْسَدُ؛ فَيَضُرُّ أكْلُهُ البَدَنَ؛ بِهَذا الضَّرَرِ الظّاهِرِ؛ والدِّينَ بِما يَعْلَمُهُ أهْلُ البَصائِرِ؛ ‏‏‏‏؛ أيْ: المَسْفُوحُ؛ وهو المُتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ عِنْدَ الإطْلاقِ؛ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ خَصَّهُ بَعْدَ دُخُولِهِ في المَيْتَةِ لِاتِّخاذِ النَّصارى أكْلَهُ كالدِّينِ؛ ‏‏‏ ‏‏‏؛ ولَمّا كانَ القَصْدُ في هَذِهِ السُّورَةِ إلى حِفْظِ مُحْكَمِ العُهُودِ؛ المُذَكِّرِ بِجَلالِهِ الباهِرِ؛ قَدَّمَ المَفْعُولَ لَهُ؛ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ ‏‏‏؛ أيْ: ذُبِحَ عَلى اسْمِ غَيْرِهِ؛ مِن صَنَمٍ أوْ غَيْرِهِ؛ عَلى وجْهِ التَّقَرُّبِ عِبادَةً لِذَلِكَ الشَّيْءِ؛ و”الإهْلالُ“: رَفْعُ الصَّوْتِ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَيْتاتِ ما لا تَعافُهُ النُّفُوسُ عِيافَتَها لِغَيْرِهِ؛ نَصَّ عَلَيْهِ؛ (p-١٢)فَقالَ: ‏‏‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: بِحَبْلٍ؛ ونَحْوِهِ؛ سَواءٌ خَنَقَها خانِقٌ أوْ لا؛ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: المَضْرُوبَةُ بِمُثْقَلٍ؛ مِن ”وقَذَهُ“؛ إذا ضَرَبَهُ؛ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: السّاقِطَةُ مِن عالٍ؛ المُضْطَرِبَةُ غالِبًا في سُقُوطِها؛ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: الَّتِي نَطَحَها شَيْءٌ فَماتَتْ؛ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: كالذِّئْبِ؛ والنَّسْرِ؛ ونَحْوِهِما.

ولَمّا كانَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ قَدْ تُدْرَكُ حَيَّةً فَتُذَكّى؛ اسْتَثْنى فَقالَ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: مِن ذَلِكَ كُلِّهِ؛ بِأنْ أدْرَكْتُمُوهُ وفِيهِ حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ؛ بِأنِ اشْتَدَّ اضْطِرابُهُ؛ وانْفَجَرَ مِنهُ الدَّمُ؛ ولَمّا حَرَّمَ المَيْتاتِ؛ وعَدَّ في جُمْلَتِها ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ عِبادَةً؛ ذَكَرَ ما ذُبِحَ عَلى الحِجارَةِ الَّتِي كانُوا يَنْصِبُونَها لِلذَّبْحِ عِنْدَها تَدَيُّنًا؛ وإنْ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ شَيْءٍ عَلَيْها؛ فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏؛ وهو واحِدُ الأنْصابِ؛ وهي حِجارَةٌ كانَتْ حَوْلَ الكَعْبَةِ تُنْصَبُ؛ فَيُهَلُّ عَلَيْها؛ ويُذْبَحُ عِنْدَها؛ تَقَرُّبًا إلَيْها؛ وتَعْظِيمًا لَها؛ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: تَطْلُبُوا عَلى ما قُسِمَ لَكُمْ؛ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: القِداحِ؛ الَّتِي لا رِيشَ لَها؛ ولا نَصْلَ؛ واحِدُها بِوَزْنِ ”قَلَمٌ“؛ و”عُمَرٌ“؛ وكانَتْ ثَلاثَةً؛ عَلى واحِدٍ: ”أمَرَنِي رَبِّي“؛ وعَلى آخَرَ: ”نَهانِي رَبِّي“؛ والآخَرُ غُفْلٌ؛ فَإنْ خَرَجَ الآمِرُ فَعَلَ؛ أوِ النّاهِي تَرَكَ؛ أوِ الغُفْلُ أُجِيلَتْ ثانِيَةً؛ فَهو دُخُولٌ في عِلْمِ الغَيْبِ؛ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ؛ بِادِّعاءِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ؛ وإنْ أرادَ المَنسُوبَ إلى الصَّنَمِ فَهو الكُفْرُ الصَّرِيحُ؛ وقالَ (p-١٣)صاحِبُ كِتابِ ”الزِّينَةُ“: يُقالُ: إنَّهُ كانَتْ عِنْدَهم سَبْعَةُ قِداحٍ مُسْتَوِيَةٍ؛ مِن شَوْحَطٍ - وكانَتْ بِيَدِ السّادِنِ - مَكْتُوبٍ عَلَيْها: ”نَعَمْ“؛ ”لا“؛ ”مِنكُمْ“؛ ”مِن غَيْرِكُمْ“؛ ”مُلْصَقٌ“؛ ”العَقْلُ“؛ ”فَضْلُ العَقْلِ“؛ فَكانُوا إذا اخْتَلَفُوا في نَسَبِ الرَّجُلِ جاؤُوا إلى السّادِنِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ؛ ثُمَّ قالُوا لِلصَّنَمِ: يا إلَهَنا؛ قَدْ تَمارَيْنا في نَسَبِ فُلانٍ؛ فَأخْرِجْ عَلَيْنا الحَقَّ فِيهِ؛ فَتُجالُ القِداحُ؛ فَإنْ خَرَجَ القِدْحُ الَّذِي عَلَيْهِ ”مِنكُمْ“؛ كانَ أوْسَطَهم نَسَبًا؛ وإنْ خَرَجَ الَّذِي عَلَيْهِ ”مِن غَيْرِكُمْ“؛ كانَ حَلِيفًا؛ وإنْ خَرَجَ ”مُلْصَقٌ“؛ كانَ عَلى مَنزِلَتِهِ؛ لا نَسَبَ لَهُ؛ ولا حِلْفَ؛ وإذا أرادُوا سَفَرًا أوْ حاجَةً جاؤُوا بِمِائَةٍ؛ فَقالُوا: يا إلَهَنا؛ أرَدْنا كَذا؛ فَإنْ خَرَجَ ”نَعَمْ“؛ فَعَلُوا؛ وإنْ خَرَجَ ”لا“؛ لَمْ يَفْعَلُوا؛ وإنْ جَنى أحَدُهم جِنايَةً؛ فاخْتَلَفُوا فِيمَن يَحْمِلُ العَقْلَ؛ جاؤُوا بِمِائَةٍ؛ فَقالُوا: يا إلَهَنا؛ فُلانٌ جُنِيَ عَلَيْهِ؛ أخْرِجِ الحَقَّ؛ فَإنْ خَرَجَ القِدْحُ الَّذِي عَلَيْهِ ”العَقْلُ“؛ لَزِمَ مَن ضُرِبَ عَلَيْهِ؛ وبُرِّئَ الآخَرُونَ؛ وإنْ خَرَجَ غَيْرُهُ كانَ عَلى الآخَرِينَ العَقْلُ؛ وكانُوا إذا عَقَلُوا العَقْلَ فَفَضَلَ الشَّيْءُ مِنهُ تَدارَوْا فِيمَن يَحْمِلُهُ؛ فَضَرَبُوا عَلَيْهِ؛ فَإنْ خَرَجَ القِدْحُ الَّذِي عَلَيْهِ ”فَضْلُ العَقْلِ“؛ لِلَّذِي ضُرِبَ عَلَيْهِ؛ لَزِمَهُ؛ وإلّا كانَ عَلى الآخَرِينَ الَّذِينَ لَمْ يُضْرَبْ عَلَيْهِمْ؛ فَهَذا الِاسْتِقْسامُ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ عِنْدَ الأصْنامِ؛ ويَطْلُبُونَ (p-١٤)ذَلِكَ مِنها؛ ويَظُنُّونَ أنَّ الَّذِي أخْرَجَ لَهم ذَلِكَ هو الصَّنَمُ؛ وأمّا إجالَةُ السِّهامِ لا عَلى هَذا الوَجْهِ؛ فَهو جائِزٌ؛ وهو تَساهُمٌ واقْتِراعٌ؛ لا اسْتِقْسامٌ؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: واحِدُ الأزْلامِ ”زَلَمٌ“؛ بِفَتْحِ الزّاءِ؛ وقالَ بَعْضُهم بِالضَّمِّ؛ وهو القِدْحُ لا رِيشَ لَهُ؛ ولا نَصْلَ؛ فَإذا كانَ مُرَيَّشًا فَهو السَّهْمُ؛ واللَّهُ أعْلَمُ؛ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ - مَعَ هَذا - ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ في المَيْسِرِ - عَلى ما مَضى في ”البَقَرَةِ“؛ فَإنَّهُ طَلَبُ مَعْرِفَةِ ما قُسِمَ مِنَ الجَزُورِ؛ ويَلْتَحِقُ بِالأوَّلِ كُلُّ كَهانَةٍ؛ وتَنْجِيمٍ؛ وكُلُّ طِيرَةٍ يَتَطَيَّرُها النّاسُ الآنَ؛ مِنَ التَّشاؤُمِ بِبَعْضِ الأيّامِ؛ وبَعْضِ الأماكِنِ؛ والأحْوالِ؛ فَإيّاكَ أنْ تُعَرِّجَ عَلى شَيْءٍ مِنَ الطِّيَرَةِ؛ فَتَكُونَ عَلى شُعْبَةِ جاهِلِيَّةٍ؛ ثُمَّ إيّاكَ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ شَدِيدَةَ الخُبْثِ؛ أشارَ إلى تَعْظِيمِ النَّهْيِ عَنْها؛ بِأداةِ البُعْدِ؛ ومِيمِ الجَمْعِ؛ فَقالَ: ‏‏‏‏؛ أيْ: الَّذِي ذَكَرْتُ لَكم تَحْرِيمَهُ؛ ‏‏‏‏؛ أيْ: فِعْلُهُ خُرُوجٌ مِنَ الدِّينِ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ المَنهِيّاتُ مُعْظَمَ دِينِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ؛ وكانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ نَهاهم قَبْلَها عَنْ إحْلالِ شَعائِرِ اللَّهِ؛ والشَّهْرِ الحَرامِ؛ وقاصِدِي المَسْجِدِ الحَرامِ؛ بَعْدَ أنْ كانَ أباحَ لَهم ذَلِكَ في بَعْضِ الأحْوالِ؛ والأوْقاتِ؛ بِقَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٩١] ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [البقرة: ١٩١] ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٩٤] ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ (p-١٥)ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]؛ عُلِمَ أنَّ الأمْرَ بِالكَفِّ عَنِ انْتِهازِ الفُرَصِ إنَّما هو لِلْأمْنِ مِنَ الفَوْتِ؛ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِن تَمامِ القُدْرَةِ؛ وهو لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ كَمالِ الدِّينِ؛ وإظْهارِهِ عَلى كُلِّ دِينٍ - كَما حَصَلَ بِهِ الوَعْدُ الصّادِقُ -؛ وكَذا الِانْتِهاءُ عَنْ جَمِيعِ هَذِهِ المَحارِمِ إنَّما يَكُونُ لِمَن رَسَخَ في الدِّينِ قَدَمُهُ؛ وتَمَكَّنَتْ فِيهِ عَزائِمُهُ وهِمَمُهُ؛ فَلا التِفاتَ لَهُ إلى غَيْرِهِ؛ ولا هَمُّهُ إلى سِواهُ؛ ولا مَطْمَعَ لِمُخالِفِهِ فِيهِ؛ فَعَقَّبَ - سُبْحانَهُ - النَّهْيَ عَنْ هَذِهِ المَناهِي كُلِّها بِقَوْلِهِ - عَلى سَبِيلِ النَّتِيجَةِ؛ والتَّعْلِيلِ -: ‏‏‏‏ أيْ: وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ؛ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: لابَسُوا الكُفْرَ؛ سَواءٌ كانُوا راسِخِينَ فِيهِ أوْ لا؛ ‏‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: لَمْ يَبْقَ لَكُمْ؛ ولا لِأحَدٍ مِنكم عُذْرٌ في شَيْءٍ مِن إظْهارِ المُوافَقَةِ لَهُمْ؛ أوِ التَّسَتُّرِ مِن أحَدٍ مِنهُمْ؛ كَما فَعَلَ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - حِينَ كاتَبَهم لِيَحْمِيَ بِذَلِكَ ذَوِي رَحِمِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ كَثَّرَكم بَعْدَ القِلَّةِ؛ وأعَزَّكم بَعْدَ الذِّلَّةِ؛ وأحْيا بِكم مَنارَ الشَّرْعِ؛ وطَمْسَ مَعالِمَ شَرْعِ الجَهْلِ؛ وهَدَّ مَنارَ الضَّلالِ؛ فَأنا أُخْبِرُكم - وأنْتُمْ عالِمُونَ بِسَعَةِ عِلْمِي - أنَّ الكُفّارَ قَدِ اضْمَحَلَّتْ قُواهُمْ؛ وماتَتْ هِمَمُهُمْ؛ وذَلَّتْ نَخْوَتُهُمْ؛ وضَعُفَتْ عَزائِمُهُمْ؛ فانْقَطَعَ رَجاؤُهم عَنْ أنْ يَغْلِبُوكُمْ؛ أوْ يَسْتَمِيلُوكم إلى دِينِهِمْ؛ بِنَوْعِ اسْتِمالَةٍ؛ فَإنَّهم رَأوْا دِينَكم قَدْ قامَتْ مَنائِرُهُ؛ وعَلَتْ في المَجامِعِ مَنابِرُهُ؛ وضُرِبَ مِحْرابُهُ؛ وبَرَّكَ بِقَواعِدِهِ وأرْكانِهِ؛ ولِهَذا سَبَّبَ (p-١٦)عَمّا مَضى قَوْلَهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: أصْلًا؛ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: وامْحَضُوا الخَشْيَةَ لِي وحْدِي؛ فَإنَّ دِينَكم قَدْ أُكْمِلَ بَدْرُهُ؛ وجَلَّ عَنِ المُحَلِّقِ مَحَلُّهُ وقَدْرُهُ؛ ورَضِيَ بِهِ الآمِرُ؛ ومَكَّنَهُ عَلى رَغْمِ أنْفِ الأعْداءِ؛ وهو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى) - مَسُوقًا مَساقَ التَّعْلِيلِ -: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: الَّذِي أرْسَلَتُ إلَيْكم بِهِ أكْمَلَ خَلْقِي؛ لِتَدِينُوا بِهِ؛ وتُدانُوا؛ وإكْمالُهُ بِإنْزالِ كُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ؛ مِن أصْلٍ وفَرْعٍ؛ نَصًّا عَلى البَعْضِ؛ وبَيانًا لِطَرِيقِ القِياسِ في الباقِي؛ وذَلِكَ بَيانٌ لِجَمِيعِ الأحْكامِ؛ وأمّا قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ فَهو وإنْ كانَ كامِلًا لَكِنَّهُ بِغَيْرِ هَذا المَعْنى؛ بَلْ إلى حِينٍ؛ ثُمَّ يَزِيدُ فِيهِ - سُبْحانَهُ - ما يَشاءُ؛ فَيَكُونُ بِهِ كامِلًا أيْضًا؛ وأكْمَلَ مِمّا مَضى؛ وهَكَذا إلى هَذِهِ النِّهايَةِ؛ وكانَ هَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: الَّتِي قَسَمْتُها في القِدَمِ؛ مِن هَذا الدِّينِ؛ عَلى لِسانِ هَذا الرَّسُولِ؛ بِأنْ جَمَعْتُ عَلَيْهِ كَلِمَةَ العَرَبِ؛ الَّذِينَ قَضَيْتُ في القِدَمِ بِإظْهارِهِمْ عَلى مَن ناوَأهم مِن جَمِيعِ أهْلِ المِلَلِ؛ لِيَظْهَرَ بِهِمُ الدِّينُ؛ وتَنْكَسِرَ شَوْكَةُ المُفْسِدِينَ؛ مِن غَيْرِ حاجَةٍ في ذَلِكَ إلى غَيْرِهِمْ؛ وإنْ كانُوا بِالنِّسْبَةِ إلى المُخالِفِينَ كالشَّعْرَةِ البَيْضاءِ في جِلْدِ الثَّوْرِ الأسْوَدِ؛ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: الَّذِي هو الشَّهادَةُ لِلَّهِ بِما شَهِدَ بِهِ لِنَفْسِهِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ؛ الَّتِي لِمَن يَتْبَعُ الإذْعانَ لَها الإذْعانُ لِكُلِّ طاعَةٍ؛ ‏‏‏‏‏؛ تَتَجازَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَكُمْ؛ ويُجازِيكم بِهِ رَبُّكُمْ؛ (p-١٧)رَوى البُخارِيُّ؛ في ”المُغازِي“؛ وغَيْرِهِ؛ ومُسْلِمٌ في آخِرِ الكِتابِ؛ والتِّرْمِذِيُّ في التَّفْسِيرِ؛ والنِّسائِيُّ في الحَجِّ؛ «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قالَ لَهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ آيَةٌ في كِتابِكم تَقْرَؤُونَها؛ لَوْ عَلَيْنا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ لاتَّخَذْنا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا؛ قالَ: ”أيُّ آيَةٍ؟“؛ قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏؛ فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”قَدْ عَرَفْنا ذَلِكَ اليَوْمَ؛ والمَكانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ؛ نَزَلَتْ وهو قائِمٌ بِعَرَفَةَ؛ يَوْمَ جُمُعَةٍ“؛» وفي التَّفْسِيرِ مِنَ البُخارِيِّ عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ: «قالَتِ اليَهُودُ لِعُمَرَ: إنَّكم تَقْرَؤُونَ آيَةً لَوْ نَزَلَتْ فِينا لاتَّخَذْناها عِيدًا؛ فَقالَ عُمَرُ: ”إنِّي لِأعْلَمُ حَيْثُ أُنْزِلَتْ؛ وأيْنَ أُنْزِلَتْ؛ وأيْنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أُنْزِلَتْ“؛» وقالَ البَغَوِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: كانَ ذَلِكَ اليَوْمُ خَمْسَةَ أعْيادٍ: جُمُعَةً؛ وعَرَفَةَ؛ وعِيدَ اليَهُودِ؛ وعِيدَ النَّصارى؛ والمَجُوسِ؛ ولَمْ تَجْتَمِعْ أعْيادُ أهْلِ المِلَلِ في يَوْمٍ قَبْلَهُ؛ ولا بَعْدَهُ؛ قُلْتُ: ويَوْمُ الجُمُعَةِ هو اليَوْمُ الَّذِي أتَمَّ اللَّهُ فِيهِ خَلْقَ هَذِهِ المَوْجُوداتِ؛ بِخَلْقِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ بَعْدَ عَصْرِهِ؛ وهو حِينُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ؛ إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى)؛ فَكانَتْ تِلْكَ السّاعَةُ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ تَمامًا ابْتِداءً؛ ورَوى هارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ؛ عَنْ أبِيهِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَكى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ”ما يُبْكِيكَ يا عُمَرُ؟“؛ فَقالَ: أبْكانِي أنّا كُنّا في زِيادَةٍ مِن دِينِنا؛ فَإذا كَمُلَ (p-١٨)فَإنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ شَيْءٌ إلّا نَقَصَ؛ قالَ: ”صَدَقْتَ“؛» فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ نَعْيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ عاشَ بَعْدَها إحْدى وثَمانِينَ يَوْمًا وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ هِجِّيرى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ؛ مِنَ العَصْرِ إلى الغُرُوبِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ [آل عمران: ١٨]؛ الآيَةُ؛ وكَأنَّ ذَلِكَ كانَ جَوابًا مِنهُ ﷺ لِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِفَهْمِهِ ﷺ أنَّ إنْزالَ آيَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ سِرُّ الإسْلامِ؛ وأعْظَمُهُ وأكْمَلُهُ؛ وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّها إخْبارٌ بِمُغَيَّبٍ صَدَّقَها فِيهِ الواقِعُ.

ولَمّا تَمَّتْ هَذِهِ الجُمَلُ الِاعْتِراضِيَّةُ الَّتِي صارَ ما بَيْنَها وبَيْنَ ما قَبْلَها وما بَعْدَها بِإحْكامِ الرَّصْفِ واتَّقانِ الرَّبْطِ - مِنَ الامْتِزاجِ أشَدَّ مِمّا بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ؛ المُشِيرَةُ إلى أنَّ هَذِهِ المُحَرَّماتِ هي الَّتِي تُحَقِّقُ بِها أهْلُ الكُفْرِ كَمالَ المُخالَفَةِ؛ فَأيِسُوا مَعَها مِنَ المُواصَلَةِ؛ والمُؤالَفَةِ؛ رَجَعَ إلى تَتِمّاتٍ لِتِلْكَ المَحْظُوراتِ؛ فَقالَ - مُسَبِّبًا عَنِ الرِّضا بِالإسْلامِ؛ الَّذِي هو الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ؛ المُحَرِّمَةُ لِهَذِهِ الخَبائِثِ؛ لِإضْرارِها بِالبَدَنِ؛ والدِّينِ -: ‏‏‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: أُلْجِئَ إلْجاءً عَظِيمًا - مِن أيِّ شَيْءٍ كانَ - إلى تَناوُلِ شَيْءٍ مِمّا مَضى أنَّهُ حُرِّمَ؛ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهُ مَعَهُ الكَفُّ عَنْهُ؛ ‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: مَجاعَةٍ عَظِيمَةٍ؛ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: مُتَعَمِّدٍ مَيْلًا؛ ‏‏‏؛ أيْ: بِالأكْلِ عَلى غَيْرِ سَدِّ الرَّمَقِ؛ أوْ بِالبَغْيِ عَلى مُضْطَرٍّ آخَرَ؛ بِنَوْعِ مَكْرٍ؛ أوِ العَدْوِ عَلَيْهِ (p-١٩)بِضَرْبِ قَهْرٍ؛ وزادَ بَعْدَ هَذا التَّقْيِيدِ تَخْوِيفًا بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: يَمْحُو عَنْهُ إثْمَ ارْتِكابِهِ لِلْمَنهِيِّ؛ ولا يُعاقِبُهُ عَلَيْهِ؛ ولا يُعاتِبُهُ؛ ويُكْرِمُهُ؛ بِأنْ يُوَسِّعَ عَلَيْهِ مِن فَضْلِهِ؛ ولا يَضْطَرَّهُ مَرَّةً أُخْرى.. إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإكْرامِ؛ وضُرُوبِ الإنْعامِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Māʾidah 5:3