All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur'an as one connected whole — why this verse follows that, and this surah that.

At-Taghābun 64:14 Juzʾ 28 Page 557

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

O you who have believed, indeed, among your wives and your children are enemies to you, so beware of them. But if you pardon and overlook and forgive - then indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

Read in the muṣḥaf

ولَمّا كانَتْ أوامِرُ الدِّينِ تارَةً تَكُونُ بِاعْتِبارِ الأمْرِ الدِّينِيِّ مِن سائِرِ الطّاعاتِ المَحْضَةِ، وتارَةً بِاعْتِبارِ الأمْرِ التَّكْوِينِيِّ وهو ما كانَ بِواسِطَةِ مالٍ أوْ أهْلٍ أوْ ولَدٍ، أتَمَّ سُبْحانَهُ القَسَمَ الأوَّلَ في الآيَتَيْنِ الماضِيَتَيْنِ، شَرَعَ في الأمْرِ الثّانِي لِأنَّهُ قَدْ يَنْشَأُ عَنْهُ فِتْنَةٌ في الدِّينِ وقَدْ يَنْشَأُ عَنْهُ فِتْنَةٌ في الدُّنْيا، ولَمّا كانَتِ الفِتْنَةُ بِالإقْبالِ عَلَيْهِ والإعْراضِ عَنْهُ أعْظَمَ الفِتَنِ، لِأنَّها تُفَرِّقُ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ وبَيْنَ المَرْءِ وابْنِهِ وتُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ - كَما شُوهِدَ ذَلِكَ في بَدْءِ الإسْلامِ، وكانَ أعْظَمُ ذَلِكَ في الرِّدَّةِ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ النَّهْيَ عَنْ إلْهاءِ الأمْوالِ والأوْلادِ، وكانَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ في الأوْلادِ نَهْيًا عَنْهُ في الأزْواجِ بِطَرِيقِ الأوْلى، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِمْ دُونَ الأزْواجِ، وكانَ المَأْمُورُ بِالتَّوَكُّلِ رُبَّما رَأى أنَّ تَسْلِيمَ قِيادِهِ لِكُلِّ أحَدٍ لا يَقْدَحُ في التَّوَكُّلِ، أشارَ إلى [أنَّ] بِناءَ هَذِهِ الدّارِ عَلى الأسْبابِ مانِعٌ مِن ذَلِكَ فَأمَرَ بِنَحْوِ ”اعْقِلْها وتَوَكَّلْ“ ”واحْرِصْ عَلى ما يَنْفَعُكَ واسْتَعِنْ بِاللَّهِ ولا تَعْجَزْ“ الحَدِيثُ، فَقالَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ لِمَن يَحْتاجُ إلى السُّؤالِ عَنْ مِثْلِهِ مُبَيِّنًا لِلْأوامِرِ بِالِاعْتِبارِ لِلِامْتِحانِ التَّكْوِينِيِّ وإنْ كانَ أوْلى النّاسِ بِبَذْلِ الجُهْدِ في تَأْدِيبِهِ وتَقْوِيمِهِ وتَهْذِيبِهِ أقْرَبَ الأقارِبِ وألْصَقَ النّاسِ بِالإنْسانِ (p-١٢٩)وهُوَ كالعِلَّةِ لِآخَرَ ”المُنافِقُونَ“: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولَمّا كانَ الأزْواجُ أقْرَبَ عَداوَةً مِنَ الأوْلادِ قَدَّمَهُنَّ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِمَن يَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وإنْ أظْهَرْنَ غايَةَ المَوَدَّةِ ‏‏‏‏‏‏‏ وإنْ أظْهَرُوا أيْضًا غايَةَ الشَّفَقَةِ والحَنانِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ لِشُغْلِهِمْ لَكم عَنِ الدِّينِ أوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِن جَمْعِ المالِ وتَحْصِيلِ الجاهِ لِأجْلِهِمْ والتَّهاوُنِ بِالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَإنَّ الوَلَدَ مَجْبَنَةٌ وغَيْرُ ذَلِكَ، قالَ أبُو حَيّانَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ولا أعْدى عَلى الرَّجُلِ مِن زَوْجِهِ ووَلَدِهِ إذا كانا عَدُوَّيْنِ وذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَبِإذْهابِ مالِهِ - كَما هو مَعْرُوفٌ - وعِرْضِهِ، وأمّا في الآخِرَةِ فِيما يَسْعى في اكْتِسابِهِ مِنَ الحَرامِ لِأجْلِهِمْ وبِما يَكْسِبانِهِ مِنهُ بِسَبَبِ جاهِهِ.

فالرَّجُلُ مَن رَأى ذَلِكَ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ فَجَعَلَهُ مُعِينًا لَهُ عَلى طاعَتِهِ لا قاطِعًا ومُعَوِّقًا عَمّا يُرْضِيهِ بِأنَّ [يَلْتَهِي] بِمَحَبَّتِهِ وعَداوَتِهِ وبِغَضَّتِهِ. ولَمّا أخْبَرَ عَنِ العَداوَةِ، عَبَّرَ بِما قَدْ يَفْهَمُ الواحِدُ فَقَطْ تَخْفِيفًا، ولَمّا أمَرَ بِالحَذَرِ [جَمَعَ إشارَةً إلى زِيادَةِ التَّحْذِيرِ والخَوْفِ في كُلِّ أحَدٍ ولَوْ كانَ أقْرَبَ الأقْرِباءِ لِأنَّ الحَزْمَ سُوءُ الظَّنِّ كَما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، فَسَبَّبَ عَنِ الإخْبارِ بِالعَداوَةِ الأمْرَ بِالحَذَرِ] في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ بِأنْ تَتَّقُوا اللَّهَ في كُلِّ أمْرِهِمْ فَتَطْلُبُوا في (p-١٣٠)السَّعْيِ عَلَيْهِمُ الكَفافَ مِن حَلِّهِ وتَقْتَصِرُوا عَلَيْهِ، ولا يَحْمِلَنَّكم حُبَّهم عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولِيَشْتَدَّ حَذَرُكم مِنهم بِالعَمَلِ بِما أمَرَ اللَّهُ حَتّى في العَدْلِ بَيْنَهم لِئَلّا يَتَمَكَّنُوا مِن أذاكم فَيَعْظُمُ بِهِمُ الخَطْبُ ويَكُونُ فاتِنًا لَكم في الدِّينِ إمّا بِالرِّدَّةِ - والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى - أوْ بِالشُّغْلِ عَنِ الطّاعَةِ أوْ بِالإقْحامِ في المَعْصِيَةِ ومُخالَفَةِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ.

ولَمّا كانَ قَدْ يَقَعُ ما يُؤْذِي مَعَ الحَذَرِ لِأنَّهُ لا يُغْنِي مِن قَدَرٍ أوْ مَعَ الِاسْتِسْلامِ، وكانَ وكَّلَ المُؤْذِي إلى اللَّهِ أوْلى وأعْظَمَ في الِاسْتِنْصارِ، قالَ مُرْشِدًا إلى ذَلِكَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ تُوقِعُوا المُجاوَزَةَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ بِعَدَمِ العِقابِ عَلَيْها فَإنَّهُ لا فائِدَةَ في ذَلِكَ لِأنَّ مَن طُبِعَ عَلى شَيْءٍ لا يَرْجِعُ، وإنَّما النّافِعُ الحَذِرُ الَّذِي أرْشَدَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِئَلّا يَكُونُ سَبَبًا لِلَوِ المَنهِيِّ عَنْهُ.

ولَمّا كانَ الرُّجُوعُ عَنِ الحُظُوظِ صَعْبًا جِدًّا، أكَّدَ سُبْحانَهُ فَقالَ: ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ بِالإعْراضِ عَنِ المُقابَلَةِ بِالتَّثْرِيبِ بِاللِّسانِ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [أيْ] بِأنْ تَسْتُرُوا ذُنُوبَهم سِتْرًا تامًّا شامِلًا لِلْعَيْنِ والأثَرِ بِالتَّجاوُزِ بَعْدَ تَرْكِ العِقابِ عَنِ العِتابِ، فَلا يَكُونُ مِنكُمُ اشْتِغالٌ بِعَداوَتِهِمْ ولا ما قَدْ يَجُرُّها عَمّا يَنْفَعُ مِنَ الطّاعَةِ، ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏ أيِ الجامِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ ‏‏‏‏‏ أيْ بالِغُ.

(p-١٣١)المَحْوِ الأعْيانِ الذُّنُوبِ وآثَرُها جَزاءً لَكم عَلى غُفْرانِكم لَهم وهو جَدِيرٌ بِأنْ يُصْلِحَهم لَكم بِسَبَبِ غُفْرانِكم لَهم فَإنَّهُ ‏‏‏‏ يَزِيدُكم بَعْدَ ذَلِكَ السَّتْرِ الإكْرامُ بِالإنْعامِ إنْ أكْرَمْتُمُوهُمْ، فَتَخَلَّقُوا بِأخْلاقِهِ سُبْحانَهُ يَزِدْكم مِن فَضْلِهِ.

The same ayah, in another commentary

At-Taghābun 64:14