All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur'an as one connected whole — why this verse follows that, and this surah that.

Al-Anfāl 8:36 Juzʾ 9 Page 181

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Indeed, those who disbelieve spend their wealth to avert [people] from the way of Allah. So they will spend it; then it will be for them a [source of] regret; then they will be overcome. And those who have disbelieved - unto Hell they will be gathered.

Read in the muṣḥaf

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ أحْوالِ الكُفّارِ في الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ، وكانَ غَلَبُهم مَعَ كَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ مُسْتَبْعَدًا، أخْبَرَ بِما يُقَرِّبُهُ مُبَيِّنًا لِأعْمالِهِمُ المالِيَّةِ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: مَعَ كَثْرَتِهِمْ لِأنَّهم سَتَرُوا مَرائِيَ عُقُولِهِمُ الَّتِي هي الإنْسانُ بِالحَقِيقَةِ فَنَقَصُوا بِذَلِكَ نَقْصًا لا يُدْرَكُ كُنْهُهُ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: يَعْزِمُونَ عَلى إنْفاقِها فِيما يَأْتِي ‏‏‏‏‏ أيْ: بِزَعْمِهِمْ أنْفُسَهم وغَيْرَهم ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: عَنْ سُلُوكِ طَرِيقِ - الَّذِي لا يُدانِي عَظَمَتَهُ عَظَمَةً مَعَ اتِّساعِهِ ووُضُوحِهِ وسُهُولَتِهِ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ (p-٢٧٧)أيْ: بِحُكْمٍ قاهِرٍ لَهم لا يَقْدِرُونَ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْهُ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: بَعْدَ إنْفاقِها بِمُدَّةٍ، وعَبَّرَ بِعِبارَةٍ ظاهِرَةٍ في مَضَرَّتِها فَقالَ: ‏‏‏‏‏ وأبْلَغَ في ذَلِكَ بِأنْ أوْقَعَ عَلَيْها المَصْدَرَ فَقالَ: ‏‏‏‏ أيْ: لِضَياعِها وعَدَمِ تَأْثِيرِها ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: كَما اتَّفَقَ لَهم في بَدْرٍ سَواءٌ، فَإنَّهم أنْفَقُوا مَعَ الكَثْرَةِ والقُوَّةِ ولَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ شَيْئًا مِمّا أرادَ اللَّهُ بِهِمْ، بَلْ كانَ وبالًا عَلَيْهِمْ، فَإنَّهُ كانَ سَبَبًا لِجُرْأتِهِمْ حَتّى أقْدَمُوا نَظَرًا إلى الحاضِرِ وقُصُورًا عَنِ الغائِبِ كالبَهائِمِ فَهَلَكُوا، وكانَ ذَلِكَ قُوَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ فَما كانَ في الحَقِيقَةِ إلّا لَهُمْ، وهَذا الكَلامُ مُنْطَبِقٌ عَلى ما كانَ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ وعَلى كُلِّ ما شاكَلَهُ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا قُهِرُوا في بَدْرٍ قالَ لَهم أبُو سُفْيانَ: إنَّهُ يَنْبَغِي أنْ تُنْفِقُوا مالَ تِلْكَ العِيرِ - يَعْنِي الَّتِي كانَتْ مَعَهُ - ونَحُثُّ عَلى حَرْبِ مُحَمَّدٍ، فَأجابُوا وأنْفَقُوهُ عَلى غَزْوَةِ أُحُدٍ فَحَصَلَ لَهم فِيها بَعْضُ ظَفَرٍ ثُمَّ تَعْقُبُهُ الحَسْرَةُ والمَغْلُوبِيَّةُ في بَدْرٍ المَوْعِدِ وكُلِّ ما بَعْدَها؛ ثُمَّ أظْهَرَ وصْفَهُمُ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ ذَلِكَ تَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِهِ وتَعْمِيمًا مُنْذِرًا لَهم بِما هو أشَدُّ مِن ذَلِكَ فَقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: حُكِمَ بِدَوامِ كُفْرِهِمْ عامَّةً سَواءٌ زادُوا عَلى الكُفْرِ فِعْلَ ما تَقَدَّمَ أمْ لا ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: لا إلى غَيْرِها.

ولَمّا كانَ المَنكِيُّ هو الحَشْرُ، لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏‏ أيْ: بَعْدَ المَوْتِ فَهم في خِزْيٍ دائِمٍ دُنْيا وأُخْرى، ويَجُوزُ أنْ يُتَجَوَّزَ بِجَهَنَّمَ عَنْ أسْبابِها فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهم يُسْتَدْرَجُونَ بِمُباشَرَةِ أسْبابِها (p-٢٧٨)إلَيْها ويُحْمَلُونَ في الدُّنْيا عَلَيْها، وهَذِهِ الآياتُ - مَعَ كَوْنِها مُعْلِمَةً بِما لَهم في الدُّنْيا وما لَهم في الآخِرَةِ مِن أنَّ آخِرَ أمْرِهِمْ في الدُّنْيا الغَلَبُ كَما كَشَفَ عَنْهُ الزَّمانُ عَلَمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ وفي الآخِرَةِ جَهَنَّمُ - هي مُبَيِّنَةٌ لِكَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [الأنفال: ٣١] فَإنَّهم لَوْ كانُوا صادِقِينَ في دَعْواهم لَقالُوا مِثْلَهُ ثُمَّ قالُوا: لَوْ كانَ هَذا هو الحَقَّ لا غَيْرَهُ لَما قُلْنا مِثْلَهُ، مَوْضِعَ قَوْلِهِمْ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [الأنفال: ٣٢] إلى آخِرِهِ، وأمّا آيَةُ المُكاءِ والتَّصْدِيَةِ فَكَأنَّها تَقُولُ: هَذا القُرْآنُ في أعْلى دَرَجِ البَلاغَةِ ولَمْ تُؤَهَّلُوا أنْتُمْ - مَعَ ادِّعائِكُمُ السَّبْقَ في البَلاغَةِ - لِأنْ تُعارِضُوا بِشَيْءٍ لَهُ أهْلِيَّةٌ لِشَيْءٍ مِنَ البَلاغَةِ، بَلْ نَزَلْتُمْ إلى أصْواتِ الحَيَواناتِ العُجْمِ حَقِيقَةً، فَلا أجْلى مِن هَذا البَيانِ عَلى ما ادَّعَيْتُمْ مِنَ الزُّورِ والبُهْتانِ، وأمّا آيَةُ الإنْفاقِ فَقائِلَةٌ: لَوْ قَدَرْتُمْ في مُعارَضَتِهِ عَلى إنْفاقِ الأقْوالِ لَما عَدَلْتُمْ عَنْهُ إلى إنْفاقِ الأمْوالِ المُفْضِي إلى مُقاساةِ الأهْوالِ وفَسادِ الأشْباحِ ونَفُوقِ ما حَوَتْ مِنَ الأرْواحِ المُؤَدِّي إلى الذُّلِّ السَّرْمَدِ بِالعَذابِ المُؤَبَّدِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Anfāl 8:36