All commentaries

إرشاد العقل السليم

Abū al-Suʿūd

أبو السعود العمادي (ت ٩٨٢ هـ)

Ottoman and elegant, attentive to why the words fall as they do.

Al-Māʾidah 5:94 Juzʾ 7 Page 123

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

O you who have believed, Allah will surely test you through something of the game that your hands and spears [can] reach, that Allah may make evident those who fear Him unseen. And whoever transgresses after that - for him is a painful punishment.

Read in the muṣḥaf

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: واللَّهِ لَيُعامِلَّنَكم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُكم لِيَتَعَرَّفَ أحْوالَكم.

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: مِن صَيْدِ البَرِّ مَأْكُولًا أوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ، ماعَدا المُسْتَثْنَياتِ مِنَ الفَواسِقِ؛ فاللّامُ لِلْعَهْدِ، نَزَلَتْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، ابْتَلاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالصَّيْدِ وهم مُحْرِمُونَ، كانَتِ الوُحُوشُ تَغْشاهم في رِحالِهِمْ، بِحَيْثُ كانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِن صَيْدِها أخْذًا بِأيْدِيهِمْ، وطَعْنًا بِرِماحِهِمْ.

وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ فَهَمُّوا بِأخْذِها، فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّهُ عَنَّ لَهم حِمارُ وحْشٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أبُو اليَسَرِ بْنُ عَمْرٍو، فَطَعَنَهُ بِرُمْحِهِ وقَتَلَهُ، فَقِيلَ لَهُ: قَتَلْتَهُ وأنْتَ مُحْرِمٌ؛ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ.

فالتَّأْكِيدُ القَسَمِيُّ في " ‏‏‏‏‏‏‏ " إنَّما هو لِتَحْقِيقِ أنَّ ما وقَعَ مِن عَدَمِ تَوَحُّشِ الصَّيْدِ عَنْهم لَيْسَ إلّا لِابْتِلائِهِمْ، لا لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ المُبْتَلى بِهِ، كَما لَوْ كانَ النُّزُولُ قَبْلَ الِابْتِلاءِ، وتَنْكِيرُ شَيْءٍ لِلتَّحْقِيرِ المُؤْذِنِ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الفِتَنِ الهائِلَةِ الَّتِي تَزِلُّ فِيها أقْدامُ الرّاسِخِينَ، كالِابْتِلاءِ بِقَتْلِ الأنْفُسِ وإتْلافِ الأمْوالِ، وإنَّما هو مِن قَبِيلِ ما ابْتُلِيَ بِهِ أهْلُ أيْلَةَ مِن صَيْدِ البَحْرِ، وفائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَتَثَبَّتْ في مِثْلِ هَذا، كَيْفَ يَتَثَبَّتُ عِنْدَ شَدائِدِ المِحَنِ، فَـ " ‏‏ " في قَوْلِهِ تَعالى: " ‏‏ ‏‏‏‏‏ " بَيانِيَّةٌ قَطْعًا؛ أيْ: بِشَيْءٍ حَقِيرٍ هو الصَّيْدُ، وجَعْلُها تَبْعِيضِيَّةً يَقْتَضِي اعْتِبارَ قِلَّتِهِ وحَقارَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ الصَّيْدِ، لا بِالنِّسْبَةِ إلى عَظائِمِ البَلايا، فَيَعْرى الكَلامُ عَنِ التَّنْبِيهِ المَذْكُورِ.

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: لِيَتَمَيَّزَ الخائِفُ مِن عِقابِهِ الأُخْرَوِيِّ، وهو غائِبٌ مُتَرَقِّبٌ لِقُوَّةِ إيمانِهِ، فَلا يَتَعَرَّضُ لِلصَّيْدِ مِمَّنْ لا يَخافُهُ، كَذَلِكَ لِضَعْفِ إيمانِهِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى اللّازِمِ لَهُ؛ إيذانًا بِمَدارِ الجَزاءِ ثَوابًا وعِقابًا، فَإنَّهُ أدْخَلُ في حَمْلِهِمْ عَلى الخَوْفِ.

وَقِيلَ: المَعْنى: لِيَتَعَلَّقَ علمه تعالى بِمَن يَخافُهُ بِالفِعْلِ، فَإنَّ علمه تعالى بِأنَّهُ سَيَخافُهُ، وإنْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ قَبْلَ خَوْفِهِ، لَكِنَّ تَعَلُّقَهُ بِأنَّهُ خائِفٌ بِالفِعْلِ، وهو الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ أمْرُ الجَزاءِ، إنَّما يَكُونُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الخَوْفِ بِالفِعْلِ.

وَقِيلَ: هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لِيَعْلَمَ أوْلِياءُ اللَّهِ. وقُرِئَ: ( لِيُعْلِمَ ) مِنَ الإعْلامِ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ الأوَّلِ؛ أيْ: لِيُعْلِمَ اللَّهُ عِبادَهُ ... إلَخْ، والعِلْمُ عَلى القِراءَتَيْنِ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏؛ أيْ: بَعْدَ بَيانِ أنَّ ما وقَعَ ابْتِلاءٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِما ذُكِرَ مِنَ الحِكْمَةِ، لا بَعْدَ تَحْرِيمِهِ، أوِ النَّهْيِ عَنْهُ، كَما قالَهُ بَعْضُهم؛ إذِ النَّهْيُ والتَّحْرِيمُ لَيْسَ أمْرًا حادِثًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الشَّرْطِيَّةُ بِالفاءِ، ولا بَعْدَ الِابْتِلاءِ كَما اخْتارَهُ آخَرُونَ؛ لِأنَّ نَفْسَ الِابْتِلاءِ لا يَصْلُحُ مَدارًا لِتَشْدِيدِ العَذابِ، بَلْ رُبَّما يَتَوَهَّمُ كَوْنُهُ عُذْرًا مُسَوِّغًا لِتَخْفِيفِهِ، وإنَّما المُوجِبُ لِلتَّشْدِيدِ بَيانُ كَوْنِهِ ابْتِلاءً؛ لِأنَّ الِاعْتِداءَ بَعْدَ ذَلِكَ مُكابَرَةٌ صَرِيحَةٌ، وعَدَمُ مُبالاةٍ بِتَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى، وخُرُوجٌ عَنْ طاعَتِهِ، وانْخِلاعٌ عَنْ خَوْفِهِ وخَشْيَتِهِ بِالكُلِّيَّةِ؛ أيْ: فَمَن تَعَرَّضَ لِلصَّيْدِ بَعْدَ ما بَيَّنّا أنَّ ما وقَعَ مِن كَثْرَةِ الصَّيْدِ، وعَدَمِ تَوَحُّشِهِ مِنهُمُ ابْتِلاءٌ مُؤَدٍّ إلى تَمْيِيزِ المُطِيعِ مِنَ العاصِي. (p-79)

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ لِما ذَكَرَ مِن أنَّهُ مُكابَرَةٌ مَحْضَةٌ، ولِأنَّ مَن لا يَمْلِكُ زِمامَ نَفْسِهِ ولا يُراعِي حُكْمَ اللَّهِ تَعالى في أمْثالِ هَذِهِ البَلايا الهَيِّنَةِ، لا يَكادُ يُراعِيهِ في عَظائِمِ المَداحِضِ، والمُرادُ بِالعَذابِ الألِيمِ: عَذابُ الدّارَيْنِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: يُوسَعُ ظَهْرُهُ وبَطْنُهُ جَلْدًا ويُنْزَعُ ثِيابُهُ.

The same ayah, in another commentary

Al-Māʾidah 5:94