All commentaries

إرشاد العقل السليم

Abū al-Suʿūd

أبو السعود العمادي (ت ٩٨٢ هـ)

Ottoman and elegant, attentive to why the words fall as they do.

Al-Anfāl 8:57 Juzʾ 10 Page 184

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

So if you, [O Muhammad], gain dominance over them in war, disperse by [means of] them those behind them that perhaps they will be reminded.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامِهِمْ بَعْدَ تَفْصِيلِ أحْوالِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، أيْ: فَإذا كانَ حالُهم كَما ذُكِرَ فَإمّا تُصادِفَنَّهم وتَظْفَرَنَّ (p-31)بِهِمْ ‏ ‏‏‏‏ أيْ: في تَضاعِيفِها.

‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: فَفَرِّقْ عَنْ مُناصِبَتِكَ تَفْرِيقًا عَنِيفًا مُوجِبًا لِلِاضْطِرارِ والِاضْطِرابِ، ونَكِّلْ عَنْها بِأنْ تَفْعَلَ بِهِمْ مِنَ النِّكايَةِ والتَّعْذِيبِ ما يُوجِبُ أنْ تُنَكِّلَ.

‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: مَن وراءَهم مِنَ الكَفَرَةِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهم بِصَدَدِ الحَرْبِ قَرِيبٌ مِن هَؤُلاءِ، وقُرِئَ (شَرِّذْ) بِالذّالِ المُعْجَمَةِ، ولَعَلَّهُ مَقْلُوبُ (شَذِّرْ) بِمَعْنى فَرِّقْ، وقُرِئَ (مِن خَلْفِهِمْ) أيِ: افْعَلِ التَّشْرِيدَ مِن ورائِهِمْ، والمَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّ إيقاعَ التَّشْرِيدِ في الوَراءِ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِتَشْرِيدِ مَن وراءَهم.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ يَتَّعِظُونَ بِما شاهَدُوا مِمّا نَزَلَ بِالنّاقِضِينَ، فَيَرْتَدِعُوا عَنِ النَّقْضِ، أوْ عَنِ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

If you [have reason to] fear from a people betrayal, throw [their treaty] back to them, [putting you] on equal terms. Indeed, Allah does not like traitors.

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بَيانٌ لِأحْكامِ المُشْرِفِينَ إلى نَقْضِ العَهْدِ، إثْرَ بَيانِ أحْكامِ النّاقِضِينَ لَهُ بِالفِعْلِ، والخَوْفُ مُسْتَعارٌ لِلْعِلْمِ، أيْ: وإمّا تَعْلَمَنَّ مِن قَوْمٍ مِنَ المُعاهَدِينَ نَقْضَ عَهْدٍ فِيما سَيَأْتِي - بِما لاحَ لَكَ مِنهم مِن دَلائِلِ الغَدْرِ، ومَخايِلِ الشَّرِّ - ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: فاطْرَحْ إلَيْهِمْ عَهْدَهم ‏ ‏‏‏‏‏ عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوٍ قَصْدٍ بِأنْ تُظْهِرَ لَهُمُ النَّقْضَ، وتُخْبِرَهم إخْبارًا مَكْشُوفًا بِأنَّكَ قَدْ قَطَعْتَ ما بَيْنَكَ وبَيْنَهم مِنَ الوَصْلَةِ، ولا تُناجِزْهُمُ الحَرْبَ وهم عَلى تَوَهُّمِ بَقاءِ العَهْدِ؛ كَيْلا يَكُونَ مِن قِبَلِكَ شائِبَةُ خِيانَةٍ أصْلًا.

فالجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، هو حالٌ مِنَ النّابِذِ، أيْ: فانْبِذْ إلَيْهِمْ ثابِتًا عَلى سَواءٍ، وقِيلَ: عَلى اسْتِواءٍ في العِلْمِ بِنَقْضِ العَهْدِ، بِحَيْثُ يَسْتَوِي فِيهِ أقْصاهم وأدْناهُمْ، أوْ تَسْتَوِي فِيهِ أنْتَ وهُمْ، فَهو عَلى الأوَّلِ حالٌ مِنَ المَنبُوذِ إلَيْهِمْ، وعَلى الثّانِي مِنَ الجانِبَيْنِ.

‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالنَّبْذِ، إمّا بِاعْتِبارِ اسْتِلْزامِهِ لِلنَّهْيِ عَنِ المُناجَزَةِ الَّتِي هي خِيانَةٌ، فَيَكُونُ تَحْذِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنها، وإمّا بِاعْتِبارِ اسْتِتْباعِهِ لِلْقِتالِ بِالآخِرَةِ فَيَكُونُ حَثًّا لَهُ ﷺ عَلى النَّبْذِ أوَّلًا، وعَلى قِتالِهِمْ ثانِيًا، كَأنَّهُ قِيلَ: وإمّا تَعْلَمَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ، ثُمَّ قاتِلْهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ، وهم مِن جُمْلَتِهِمْ لِما عَلِمْتَ مِن حالِهِمْ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And let not those who disbelieve think they will escape. Indeed, they will not cause failure [to Allah].

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: أنْفُسَهُمْ، فَحُذِفَ لِلتَّكْرارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ - أيْ: فاتُوا وأفْلَتُوا مِن أنْ يُظْفَرَ بِهِمْ - مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ(يَحْسَبَنَّ)، والمُرادُ: إقْناطُهم مِنَ الخَلاصِ، وقَطْعُ أطْماعِهِمُ الفارِغَةِ مِنَ الِانْتِفاعِ بِالنَّبْذِ والِاقْتِصارِ عَلى دَفْعِ هَذا التَّوَهُّمِ، مَعَ أنَّ مُقاوَمَةَ المُؤْمِنِينَ - بَلِ الغَلَبَةَ عَلَيْهِمْ أيْضًا - مِمّا تَتَعَلَّقُ بِهِ أمانِيهِمُ الباطِلَةُ، لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَحُومُ حَوْلَهُ وهْمُهم وحُسْبانُهُمْ، وإنَّما الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَدُورَ في خَلَدِهِمْ حُسْبانُ المَناصِ فَقَطْ، وقِيلَ: الفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى أحَدٍ، أوْ إلى (مَن خَلْفَهُمْ) والمَفْعُولُ الأوَّلُ المَوْصُولُ المُتَناوِلُ لَهم أيْضًا، وقِيلَ: هو الفاعِلُ، وأنْ مَحْذُوفَةٌ مِن (سَبَقُوا) وهي مَعَ ما في حَيِّزِها سادَةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ سَبَقُوا، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (أنَّهم سَبَقُوا) ونَظِيرُهُ في الحَذْفِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ الآيَةَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى خِطابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهي قِراءَةٌ واضِحَةٌ، وقُرِئَ (وَلا تَحْسَبِ الَّذِينَ) بِكَسْرِ الباءِ وبِفَتْحِها عَلى حَذْفِ النُّونِ الخَفِيفَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: لا يَفُوتُونَ ولا يَجِدُونَ طالَبَهم عاجِزًا عَنْ إدْراكِهِمْ؛ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى (p-32)حَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ، وقِيلَ: الفِعْلُ واقِعٌ عَلَيْهِ، و"لا" زائِدَةٌ، وسَبَقُوا حالٌ بِمَعْنى سابِقِينَ، أيْ: مُفْلِتِينَ هارِبِينَ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الخِطابِ لِإزاحَةِ ما عَسى يُحْذَرُ مِن عاقِبَةِ النَّبْذِ، لِما أنَّهُ إيقاظٌ لِلْعَدُوِّ وتَمْكِينٌ لَهم مِنَ الهَرَبِ والخَلاصِ مِن أيْدِي المُؤْمِنِينَ، وفِيهِ نَفْيٌ لِقدرتهمْ عَلى المُقاوَمَةِ والمُقابَلَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ فِيمَن أفْلَتَ مِن فَلِّ المُشْرِكِينَ، وقُرِئَ (لا يُعْجِزُونِ) بِكَسْرِ النُّونِ، و(لا يُعَجِّزُونِ) بِالتَّشْدِيدِ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And prepare against them whatever you are able of power and of steeds of war by which you may terrify the enemy of Allah and your enemy and others besides them whom you do not know [but] whom Allah knows. And whatever you spend in the cause of Allah will be fully repaid to you, and you will not be wronged.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلى كافَّةِ المُؤْمِنِينَ؛ لِما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مِن وظائِفِ الكُلِّ، كَما أنَّ تَوْجِيهَهُ فِيما سَبَقَ وما لَحِقَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِكَوْنِ ما في حَيِّزِهِ مِن وظائِفِهِ ﷺ أيْ: أعِدُّوا لِقِتالِ الَّذِينَ نُبِذَ إلَيْهِمُ العَهْدُ وهَيِّئُوا لِحِرابِهِمْ، أوْ لِقِتالِ الكُفّارِ عَلى الإطْلاقِ، وهو الأنْسَبُ بِسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ مِن كُلِّ ما يُتَقَوّى بِهِ في الحَرْبِ كائِنًا ما كانَ.

وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -سَمِعْتُهُ ﷺ يَقُولُ عَلى المِنبَرِ: ««ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ»» قالَها ثَلاثًا، ولَعَلَّ تَخْصِيصَهُ ﷺ إيّاهُ بِالذِّكْرِ لِإنافَتِهِ عَلى نَظائِرِهِ مِنَ القُوى.

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ الرِّباطُ: اسْمٌ لِلْخَيْلِ الَّتِي تُرْبَطُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فِعالٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أوْ مَصْدَرٌ سُمِّيَتْ هي بِهِ، يُقالُ رَبَطَ رَبْطًا ورِباطًا ورابَطَ مُرابِطَةً ورِباطًا، أوْ جَمْعُ رَبِيطٍ كَفَصِيلٍ وفِصالٍ، أوْ جَمْعُ رَبْطٍ كَكَعْبٍ وكَعابٍ، وكَلْبٍ وكِلابٍ، وقُرِئَ (رُبُطِ الخَيْلِ) بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِها، جَمْعُ رِباطٍ، وعَطْفُها عَلى القُوَّةِ - مَعَ كَوْنِها مِن جُمْلَتِها - لِلْإيذانِ بِفَضْلِها عَلى بَقِيَّةِ أفْرادِها، كَعَطْفِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ عَلى المَلائِكَةِ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: تُخَوِّفُونَ، وقُرِئَ (تُرَهِّبُونَ) بِالتَّشْدِيدِ، وقُرِئَ (تُخْزُونَ بِهِ) والضَّمِيرُ لِما اسْتَطَعْتُمْ، أوْ لِلْإعْدادِ، وهو الأنْسَبُ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن فاعِلِ (أعِدُّوا) أيْ: أعِدُّوا مُرَهِّبِينَ بِهِ، أوْ مِنَ المَوْصُولِ، أوْ مِن عائِدِهِ المَحْذُوفِ، أيْ: أعِدُّوا ما اسْتَطَعْتُمُوهُ مُرَهِّبًا بِهِ.

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وهم كُفّارُ مَكَّةَ، خُصُّوا بِذَلِكَ مِن بَيْنِ الكُفّارِ - مَعَ كَوْنِ الكُلِّ كَذَلِكَ - لِغايَةِ عُتُوِّهِمْ ومُجاوَزَتِهِمُ الحَدَّ في العَداوَةِ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ، وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، وقِيلَ: المُنافِقُونَ، وقِيلَ: الفُرْسُ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: لا تَعْرِفُونَهم بِأعْيانِهِمْ، أوْ لا تَعْلَمُونَهم كَما هم عَلَيْهِ مِنَ العَداوَةِ، وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: لا غَيْرُهُ، فَإنَّ أعْيانَهم مَعْلُومَةٌ لِغَيْرِهِ تَعالى أيْضًا.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ لِإعْدادِ العَتادِ قَلَّ أوْ جَلَّ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ الَّذِي أوْضَحُهُ الجِهادُ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: جَزاؤُهُ كامِلًا ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ بِتَرْكِ الإثابَةِ، أوْ بِنَقْضِ الثَّوابِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ تَرْكِها بِالظُّلْمِ - مَعَ أنَّ الأعْمالَ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلثَّوابِ حَتّى يَكُونَ تَرْكُ تَرْتِيبِهِ عَلَيْها ظُلْمًا - لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةٍ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى مِنَ القَبائِحِ، وإبْرازُ الإثابَةِ في مَعْرِضِ الأُمُورِ الواجِبَةِ عَلَيْهِ تَعالى كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And if they incline to peace, then incline to it [also] and rely upon Allah. Indeed, it is He who is the Hearing, the Knowing.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ الجُنُوحُ المَيْلُ، ومِنهُ الجَناحُ ويُعَدّى بِاللّامِ وبِإلى، أيْ: إنْ مالُوا ‏‏‏‏‏ أيْ: لِلصُّلْحِ بِوُقُوعِ الرَّهْبَةِ في قُلُوبِهِمْ بِمُشاهَدَةِ ما بِكم مِنَ الِاسْتِعْدادِ وإعْتادِ العَتادِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ (p-33)أيْ: لِلسِّلْمِ، والتَّأْنِيثُ لِحَمْلِهِ عَلى نَقِيضِهِ قالَ:

؎ السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ والحَرْبُ يَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جُرَعُ

وَقُرِئَ (فاجْنُحْ) بِضَمِّ النُّونِ.

‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ولا تَخَفْ أنْ يُظْهِرُوا لَكَ السِّلْمَ وجَوانِحُهم مَطْوِيَّةٌ عَلى المَكْرِ والكَيْدِ ‏‏‏‏ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَيَسْمَعُ ما يَقُولُونَ في خَلَواتِهِمْ مِن مَقالاتِ الخِداعَ ‏‏‏‏‏‏ فَيَعْلَمُ نِيّاتِهِمْ، فَيُؤاخِذُهم بِما يَسْتَحِقُّونَهُ، ويَرُدُّ كَيْدَهم في نَحْرِهِمْ، والآيَةُ خاصَّةٌ بِاليَهُودِ، وقِيلَ: عامَّةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ.

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

But if they intend to deceive you - then sufficient for you is Allah. It is He who supported you with His help and with the believers

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ بِإظْهارِ السِّلْمِ وإبْطالِ الحِرابِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: فاعْلَمْ بِأنَّ مُحْسِبَكَ اللَّهُ مِن شُرُورِهِمْ وناصِرُكَ عَلَيْهِمْ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَعْلِيلٌ لِكِفايَتِهِ تَعالى إيّاهُ ﷺ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، فَإنَّ تَأْيِيدَهُ تَعالى إيّاهُ ﷺ فِيما سَلَفَ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الوَجْهِ البَعِيدِ مِنَ الوُقُوعِ مِن دَلائِلِ تَأْيِيدِهِ تَعالى فِيما سَيَأْتِي، أيْ: هو الَّذِي أيَّدَكَ بِإمْدادٍ مِن عِنْدِهِ بِلا واسِطَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أوْ بِالمَلائِكَةِ مَعَ خَرْقِهِ لِلْعاداتِ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ.

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And brought together their hearts. If you had spent all that is in the earth, you could not have brought their hearts together; but Allah brought them together. Indeed, He is Exalted in Might and Wise.

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ مَعَ ما كانَ بَيْنَهم قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ العَصَبِيَّةِ والضَّغِينَةِ والتَّهالُكِ عَلى الِانْتِقامِ، بِحَيْثُ لا يَكادُ يَأْتَلِفُ فِيهِمْ قَلْبانِ حَتّى صارُوا بِتَوْفِيقِهِ تَعالى كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، وهَذا مِن أبْهَرِ مُعْجِزاتِهِ ﷺ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: لِتَأْلِيفِ ما بَيْنَهم ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، ومُبَيِّنٌ لِعِزَّةِ المَطْلَبِ وصُعُوبَةِ المَأْخَذِ، أيْ: تَناهى التَّعادِي فِيما بَيْنَهم إلى حَدٍّ لَوْ أنَفَقَ مُنْفِقٌ في إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ جَمِيعَ ما في الأرْضِ مِنَ الأمْوالِ والذَّخائِرِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى التَّأْلِيفِ والإصْلاحِ، وذِكْرُ القُلُوبِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ التَّأْلِيفَ بَيْنَها لا يَتَسَنّى، وإنْ أمْكَنَ التَّأْلِيفُ ظاهِرًا.

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قَلْبًا وقالَبًا بِقدرته الباهِرَةِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ كامِلُ القُدْرَةِ والغَلَبَةِ، لا يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا يُرِيدُهُ ‏‏‏‏ يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ تَسْخِيرِ ما يُرِيدُهُ.

وَقِيلَ: الآيَةُ في الأوْسِ والخَزْرَجِ كانَ بَيْنَهم إحَنٌ لا أمَدَ لَها، ووَقائِعُ أفْنَتْ ساداتِهِمْ وأعاظِمَهُمْ، ودَقَّتْ أعْناقَهم وجَماجِمَهم فَأنْسى اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - جَمِيعَ ذَلِكَ، وألَّفَ بَيْنَهم بِالإسْلامِ حَتّى تَصافَوْا وأصْبَحُوا يَرْمُونَ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ وصارُوا أنْصارًا.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

O Prophet, sufficient for you is Allah and for whoever follows you of the believers.

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كِفايَتِهِ تَعالى إيّاهُ ﷺ في جَمِيعِ أُمُورِهِ وأُمُورِ المُؤْمِنِينَ، أوْ في الأُمُورِ الواقِعَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ الكَفَرَةِ كافَّةً إثْرَ بَيانِ كِفايَتِهِ تَعالى إيّاهُ ﷺ في مادَّةٍ خاصَّةٍ، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِحَرْفَيِ النِّداءِ والتَّنْبِيهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِها، وإيرادُهُ ﷺ بِعُنْوانِ النُّبُوَّةِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِها لِلْحُكْمِ ‏‏‏‏ ‏‏ أيْ: كافِيكَ في جَمِيعِ أُمُورِكَ، أوْ فِيما بَيْنَكَ وبَيْنَ الكَفَرَةِ مِنَ الحِرابِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، أيْ: كَفاكَ وكَفى أتْباعَكَ اللَّهُ ناصِرًا كَما في (p-34)قَوْلِ مَن قالَ:

؎ فَحَسْبُكَ والضَّحّاكَ عَضْبٌ مُهَنَّدُ

وَقِيلَ: في مَوْضِعِ الجَرِّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ، كَما هو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ، أيْ: كافِيكَ وكافِيهِمْ، أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: كَفاكَ اللَّهُ والمُؤْمِنِينَ، والآيَةُ نَزَلَتْ في البَيْداءِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ قَبْلَ القِتالِ، وقِيلَ: أسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ رَجُلًا وسِتُّ نِسْوَةٍ، ثُمَّ أسْلَمَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – فَنَزَلَتْ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: نَزَلَتْ في إسْلامِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

O Prophet, urge the believers to battle. If there are among you twenty [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you one hundred [who are] steadfast, they will overcome a thousand of those who have disbelieved because they are a people who do not understand.

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ بَعْدَما بَيَّنَ كِفايَتَهُ إيّاهم بِالنَّصْرِ والإمْدادِ أُمِرَ ﷺ بِتَرْتِيبِ مَبادِئِ نَصْرِهِ وإمْدادِهِ، وتَكْرِيرُ الخِطابِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: بالِغْ في حَثِّهِمْ عَلَيْهِ وتَرْغِيبِهِمْ فِيهِ بِكُلِّ ما أمْكَنَ مِنَ الأُمُورِ المُرَغِّبَةِ الَّتِي أعْظَمُها تَذْكِيرُ وعْدِهِ تَعالى بِالنَّصْرِ، وحُكْمُهُ بِكِفايَتِهِ تَعالى، أوْ بِكِفايَتِهِمْ.

وَأصْلُ التَّحْرِيضِ الحَرَضُ، وهو أنْ يُنْهِكَهُ المَرَضُ حَتّى يُشْفِيَ عَلى المَوْتِ، وقالَ الرّاغِبُ: كَأنَّهُ في الأصْلِ إزالَةُ الحَرَضِ، وهو ما لا خَيْرَ فِيهِ، ولا يُعْتَدُّ بِهِ، قُلْتُ: فالأوْجَهُ حِينَئِذٍ أنْ يُجْعَلَ الحَرَضُ عِبارَةً عَنْ ضَعْفِ القَلْبِ الَّذِي هو مِن بابِ نَهْكِ المَرَضِ، وقِيلَ: مَعْنى تَحْرِيضِهِمْ تَسْمِيَتُهم حَرَضًا، بِأنْ يُقالَ: إنِّي أراكَ في هَذا الأمْرِ حَرَضًا، أيْ: مُحَرِّضًا فِيهِ لِتَهَيُّجِهِ إلى الإقْدامِ، وقُرِئَ (حَرِّصْ) بِالصّادِّ المُهْمَلَةِ، وهو واضِحٌ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وعْدٌ كَرِيمٌ مِنهُ تَعالى بِتَغْلِيبِ كُلِّ جَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى عَشَرَةِ أمْثالِهِمْ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ بَعْدَ الأمْرِ بِتَحْرِيضِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ مَعَ انْفِهامِ مَضْمُونِهِ مِمّا قَبْلَهُ - لِكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما عِدَّةً بِتَأْيِيدِ الواحِدِ عَلى العَشَرَةِ - لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ المُفِيدَةِ لِزِيادَةِ الِاطْمِئْنانِ عَلى أنَّهُ قَدْ يُجْرى بَيْنَ الجَمْعَيْنِ القَلِيلَيْنِ ما لا يُجْرى بَيْنَ الجَمْعَيْنِ الكَثِيرَيْنِ، مَعَ أنَّ التَّفاوُتَ فِيما بَيْنَ كُلٍّ مِنَ الجَمْعَيْنِ القَلِيلَيْنِ والكَثِيرَيْنِ عَلى نِسْبَةٍ واحِدَةٍ، فَبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ لا يَتَفاوَتُ في الصُّورَتَيْنِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بَيانٌ لِلْألْفِ، وهَذا القَيْدُ مُعْتَبَرٌ في المِائَتَيْنِ أيْضًا، وقَدْ تُرِكَ ذِكْرُهُ تَعْوِيلًا عَلى ذِكْرِهِ هَهُنا، كَما تُرِكَ قَيْدُ الصَّبْرِ هَهُنا مَعَ كَوْنِهِ مُعْتَبَرًا حَتْمًا ثِقَةً بِذِكْرِهِ هُناكَ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَغْلِبُوا) أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ جَهَلَةٌ بِاللَّهِ تَعالى وبِاليَوْمِ الآخِرِ، لا يُقاتِلُونَ احْتِسابًا وامْتِثالًا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وإعْلاءً لِكَلِمَتِهِ، وابْتِغاءً لِرِضْوانِهِ، كَما يَفْعَلُهُ المُؤْمِنُونَ، وإنَّما يُقاتِلُونَ لِلْحَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ واتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيْطانِ، وإثارَةِ ثائِرَةِ البَغْيِ والعُدْوانِ، فَلا يَسْتَحِقُّونَ إلّا القَهْرَ والخِذْلانَ.

وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ مَن لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ لا يُؤْمِنُ بِالمِيعادِ، فالسَّعادَةُ عِنْدَهُ لَيْسَتْ إلّا هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيَوِيَّةُ، فَيَشِحُّ بِها ولا يُعَرِّضُها لِلزَّوالِ بِمُزاوَلَةِ الحُرُوبِ، واقْتِحامِ مَوارِدِ الخُطُوبِ، فَيَمِيلُ إلى ما فِيهِ السَّلامَةُ فَيَفِرُّ فَيُغْلَبُ، وأمّا مَنِ اعْتَقَدَ أنْ لا سَعادَةَ في هَذِهِ الحَياةِ الفانِيَةِ، وإنَّما السَّعادَةُ هي الحَياةُ الباقِيَةُ فَلا يُبالِ بِهَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا، ولا يُقِيمُ لَها وزْنًا، فَيَقْدَمُ عَلى الجِهادِ بِقَلْبٍ قَوِيٍّ وعَزْمٍ صَحِيحٍ، فَيَقُومُ الواحِدُ مِن مِثْلِهِ مَقامَ الكَثِيرِ - فَكَلامٌ حَقٌّ، لَكِنَّهُ لا يُلائِمُ المَقامَ.

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Now, Allah has lightened [the hardship] for you, and He knows that among you is weakness. So if there are from you one hundred [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you a thousand, they will overcome two thousand by permission of Allah. And Allah is with the steadfast.

(p-35)‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لَمّا كانَ الوَعْدُ السّابِقُ مُتَضَمِّنًا لِإيجابِ مُقاوَمَةِ الواحِدِ لِلْعِشَرَةِ، وثَباتِهِ لَهم - كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ - أنَّهُ كانَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَفِرُّوا، ويَثْبُتَ الواحِدُ لِلْعَشَرَةِ، وقَدْ «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَمْزَةَ في ثَلاثِينَ راكِبًا، فَلَقِيَ أبا جَهْلٍ في ثَلاثِمِائَةِ راكِبٍ، فَهَزَمَهُمْ، ثَقُلَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وضَجُّوا مِنهُ بَعْدَ مُدَّةٍ، فَنُسِخَ، وخُفِّفَ عَنْهم بِمُقاوَمَةِ الواحِدِ لِلِاثْنَيْنِ، وقِيلَ: كانَ فِيهِمْ قِلَّةٌ في الِابْتِداءِ، ثُمَّ لَمّا كَثُرُوا نَزَلَ التَّخْفِيفُ،» والمُرادُ بِالضَّعْفِ: ضَعْفُ البَدَنِ، وقِيلَ: ضَعْفُ البَصِيرَةِ - وكانُوا مُتَفاوِتِينَ في الِاهْتِداءِ إلى القِتالِ - لا الضَّعْفُ في الدِّينِ، كَما قِيلَ: وقُرِئَ (ضُعْفًا) بِضَمِّ الضّادِ، وهي لُغَةٌ فِيهِ كالفَقْرِ والفُقْرِ، والمَكْثِ والمُكْثِ، وقِيلَ: الضَّعْفُ بِالفَتْحِ ما في الرَّأْيِ والعَقْلِ، وبِالضَّمِّ ما في البَدَنِ، وقُرِئَ (ضُعَفاءَ) جَمْعُ ضَعِيفٍ، والمُرادُ بِعلمه تعالى بِضَعْفِهِمْ علمه تعالى بِهِ مِن حَيْثُ هو مُتَحَقِّقٌ بِالفِعْلِ، لا علمه تعالى بِهِ مُطْلَقًا، كَيْفَ لا وهو ثابِتٌ في الأزَلِ؟!

وَقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَفْسِيرٌ لِلتَّخْفِيفِ، وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِهِ، وقُرِئَ (تَكُنْ) هَهُنا وفِيما سَبَقَ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: بِتَيْسِيرِهِ وتَسْهِيلِهِ، وهَذا القَيْدُ مُعْتَبَرٌ فِيما سَبَقَ مِن غَلَبَةِ المِائَةِ المِائَتَيْنِ والألِفِ وغَلَبَةِ العِشْرِينَ المِائَتَيْنِ، كَما أنَّ قَيْدَ الصَّبْرِ مُعْتَبَرٌ هَهُنا، وإنَّما تُرِكَ ذِكْرُهُ ثِقَةً بِما مَرَّ، وبُقُولِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فَإنَّهُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، والمُرادُ بِالمَعِيَّةِ مَعِيَّةُ نَصْرِهِ وتَأْيِيدِهِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ هَهُنا لِحالِ الكَفَرَةِ مِنَ الخِذْلانِ - كَما لَمْ يَتَعَرَّضْ هُناكَ لِحالِ المُؤْمِنِينَ - مَعَ أنَّ مَدارَ الغَلَبَةِ في الصُّورَتَيْنِ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ - أعْنِي نَصْرَ المُؤْمِنِينَ وخِذْلانَ الكَفَرَةِ - اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في كُلِّ مَقامٍ عَمّا تُرِكَ في المَقامِ الآخَرِ، وما تُشْعِرُ بِهِ كَلِمَةُ (مَعَ) مِن مَتْبُوعِيَّةِ مَدْخُولِها لِأصالَتِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهُمُ المُباشِرُونَ لِلصَّبْرِ كَما مَرَّ مِرارًا.

Reading a passage 3 ayat 5 ayat 10 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

Al-Anfāl 8:57