All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur'an as one connected whole — why this verse follows that, and this surah that.

Al-Kahf 18:109 Juzʾ 16 Page 304

‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Say, "If the sea were ink for [writing] the words of my Lord, the sea would be exhausted before the words of my Lord were exhausted, even if We brought the like of it as a supplement."

Read in the muṣḥaf

ولَمّا تَمَّ الجَوابُ عَنْ أسْئِلَتِهِمْ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ مُخَلَّلًا بِما تَراهُ مِنَ الحُجَجِ البَيِّنَةِ والنَّفائِسِ المُلْزِمَةِ لَهم بِفَصْلِ النِّزاعِ، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِقَصِّ الأمْرِ الَّذِي بِإغْفالِهِ تَجَرَّؤُوا عَلى الكُفْرِ، وهو أمْرُ البَعْثِ إلى أنْ خَتَمَهُ بِما يَقْتَضِي أنَّ مَعْلُوماتِهِ لا تُحَدُّ، لِأنَّ مَقْدُوراتِهِ في تَنْعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ لا آخِرَ لَها فَلا تُعَدُّ، وكانَ اليَهُودُ قَدِ اعْتَرَضُوا عَلى قَوْلِهِ في أوَّلِها ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الإسراء: ٨٥] بِأنَّهم أُوتُوا التَّوْراةَ، وكانَ لِكُلِّ ما سَألُوا عَنْهُ مِنَ الفُصُولِ الطَّوِيلَةِ الذُّيُولِ أُمُورٌ تَهُولُ، [وكانَ رُبَّما -] قالَ قائِلٌ: ما لَهُ لا يَزِيدُ ذَلِكَ شَرْحًا؟ قالَ تَعالى آمِرًا (p-١٥١)بِالجَوابِ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، مُعْلِمًا لَهم بِأنَّهم لا يُمْكِنُهُمُ الوُقُوفُ عَلى تَمامِ شَرْحِ شَيْءٍ مِن مَعْلُوماتِهِ، وآخِرِ اسْتِفْصالِ شَيْءٍ مِن مَقْدُوراتِهِ، قَطْعًا لَهم عَنِ السُّؤالِ، وتَقْرِيبًا إلى أفْهامِهِمْ بِضَرْبٍ مِنَ المِثالِ: ‏‏ أيْ يا أشْرَفَ الخَلْقِ لَهُمْ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ ماؤُهُ عَلى عَظَمَتِهِ عِنْدَكم ‏‏‏‏‏ وهو اسْمٌ لِما يُمَدُّ بِهِ الدَّواةُ مِنَ الحِبْرِ ‏‏‏‏ أيْ لِكَتْبِ كَلِماتِ ‏‏ أيِ المُحْسِنِ إلَيَّ في وصْفِ ذَلِكَ وغَيْرِهِ مِمّا تَعَنَّتُّمُوهُ في السُّؤالِ عَمّا سَألْتُمْ عَنْهُ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ‏‏‏ أيْ فَنِيَ مَعَ الضَّعْفِ فَناءً لا تَدارُكَ لَهُ ‏‏‏‏ لِأنَّهُ جِسْمٌ مُتَناهٍ.

ولَمّا كانَتِ المَخْلُوقاتُ - لِكَوْنِها مُمْكِنَةً - لَيْسَ لَها مِن ذاتِها إلّا العَدَمُ، وكانَتِ الكَلِماتُ مِن صِفاتِ اللَّهِ، وصِفاتُ اللَّهِ واجِبَةُ الوُجُودِ، فَكانَ نَفادُها مُحالًا، فَكانَ نَفادُ المُمْكِنِ مِنَ البَحْرِ وما يَمُدُّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها مُسْتَغْرِقًا لِلْأزْمِنَةِ كُلِّها، جَرَّدَ الظَّرْفَ مِن حَرْفِ الجَرِّ فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ تَفْنى وتَفْرَغَ ‏‏‏ ‏‏ لِأنَّها لا تَتَناهى لِأنَّ مَعْلُوماتِهِ ومَقْدُوراتِهِ لا تَتَناهى، وكُلٌّ مِنها لَهُ شَرْحٌ طَوِيلٌ، وخَطْبٌ جَلِيلٌ؛ ولَمّا لَمْ يَكُنْ أحَدٌ غَيْرُهُ يَقْدِرُ عَلى إمْدادِ البَحْرِ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا تَكُونُ لِغَيْرِنا ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ لَهُ يُكْتَبُ مِنهُ لَنَفِدَ أيْضًا، وهَذا كُلُّهُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ النَّفادِ، لِأنَّهُ تَعْلِيقٌ (p-١٥٢)عَلى مُحالٍ عادَةً كَقَوْلِهِمْ: لا تَزالُ عَلى كَذا ما بَلَّ بَحْرٌ صُوفَةً وما دَجى اللَّيْلُ، ونَحْوِ هَذا، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِجَمْعِ السَّلامَةِ إشارَةً إلى أنَّ قَلِيلَها بِهَذِهِ الكَثْرَةِ فَكَيْفَ بِما هو أكْثَرُ مِنهُ، وذَلِكَ أمْرٌ لا يَدْخُلُ تَحْتَ وصْفٍ، وعَبَّرَ بِالقَبْلِ دُونَ أنْ يُقالَ ”ولَمْ تَنْفَدْ“ ونَحْوُهُ، لِأنَّ ذَلِكَ كافٍ في قَطْعِهِمْ عَنِ الِاسْتِقْصاءِ في السُّؤالِ ولِأنَّ التَّعْبِيرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ رُبَّما فَتَحَ بابًا مِنَ التَّعَنُّتِ وهو أنْ يَجْعَلُوا الواوَ لِلْحالِ فَيَجْعَلُوا النَّفادَ مُقَيَّدًا بِذَلِكَ، وأمّا [سُورَةُ لُقْمانَ] فاقْتَضى سِياقُها في تَأْسِيسِ ما فِيها عَلى ﴿الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦] ومَقْصُودُها أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ فِيها بِغَيْرِ ما هاهُنا، فَما في كُلِّ سُورَةٍ أبْلَغُ بِالنِّسْبَةِ إلى سِياقِهِ، مَعَ أنَّهُ لَيْسَ في إفْصاحِ واحِدَةٍ مِنهُما ما يَدُلُّ عَلى نَفادِ الكَلِماتِ ولا عَدَمِهِ، [و -] في إفْهامِ كُلٍّ مِنهُما بِتَدَبُّرِ القَرائِنِ في السِّياقِ وغَيْرِهِ ما يَقْطَعُ بِعَدَمِ نَفادِها، ولا تَخالُفَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ وإنْ كانَ التَّعْبِيرُ في هَذِهِ السُّورَةِ أدْخَلَ في التَّشابُهِ، ويُجابُ عَنْهُ بِما قالُوا في مِثْلِ قَوْلِ الشّاعِرِ ”عَلى لاحِبٍ لا يَهْتَدِي بِمَنارِهِ“ مِن أنَّ ما في حَيِّزِ السَّلْبِ لا يَقْتَضِي الوُجُودَ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الفِتَنِ المُمَيِّزَةِ بَيْنَ مَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ وبَيْنَ الرّاسِخِ الَّذِي يَرُدُّ المُتَشابِهَ إلى المُحْكَمِ، وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ البُرْهانُ القاطِعُ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى لا نِهايَةَ لِذاتِهِ، ولا لِشَيْءٍ مِن (p-١٥٣)صِفاتِهِ، بَلْ هو الأوَّلُ والآخِرُ الباقِي بِلا زَوالٍ - واللَّهُ أعْلَمُ.

The same ayah, in another commentary

Al-Kahf 18:109