All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur'an as one connected whole — why this verse follows that, and this surah that.

Al-Baqarah 2:284 Juzʾ 3 Page 49

‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

To Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth. Whether you show what is within yourselves or conceal it, Allah will bring you to account for it. Then He will forgive whom He wills and punish whom He wills, and Allah is over all things competent.

Read in the muṣḥaf

ولَمّا أخْبَرَ عَنْ سَعَةِ عِلْمِهِ دَلَّ عَلَيْهِ بِسَعَةِ مُلْكِهِ المُسْتَلْزِمِ لِسَعَةِ قُدْرَتِهِ لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى جَمِيعِ الكَمالِ لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ كَما قالَ الأصْبَهانِيُّ إنَّ الصِّفاتِ الَّتِي هي كَمالاتُ حَقِيقَةٍ لَيْسَتْ إلّا القُدْرَةَ والعِلْمَ المُحِيطَ فَقالَ واعِدًا لِلْمُطِيعِ مُتَوَعِّدًا لِلْعاصِي مُصَرِّحًا بِأنَّ أفْعالَ العِبادِ وغَيْرَها مَخْلُوقٌ لَهُ:- وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ أوَّلُ السُّورَةِ إظْهارَ كِتابِ التَّقْدِيرِ في الذِّكْرِ الأوَّلِ كانَ خَتْمُها إبْداءَ أثَرِ ذَلِكَ الكِتابِ [الأوَّلِ] في الأعْمالِ والجَزاءِ الَّتِي هي الغايَةُ في ابْتِداءِ أمْرِ التَّقْدِيرِ فَوَقَعَ الخَتْمُ بِأنَّهُ سَلَبَ الخَلْقَ [ما] في أيْدِيهِمْ مِمّا أبْدَوْهُ وما أخْفَوْهُ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ؛ انْتَهى - فَقالَ: ‏ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ. ولَمّا (p-١٦٤)كانَتْ ما تَرِدُ لِمَن يَغْفُلُ وكانَ أغْلَبَ المَوْجُوداتِ [والجَماداتِ] عَبَّرَ بِها فَقالَ: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ كُلُّهُ عَلى عُلُوِّها واتِّساعِها مِن مُلْكٍ وغَيْرِهِ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ مِمّا تُنْفِقُونَهُ وغَيْرِهِ مِن عاقِلٍ وغَيْرِهِ، يَأْمُرُ فِيهِما ومِنهُما بِما يَشاءُ ويَنْهى عَمّا يَشاءُ ويُعْطِي مَن يَشاءُ ويَمْنَعُ مَن يَشاءُ ويُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَهو يَعْلَمُ جَمِيعَ ما فِيهِما مِن كِتْمانِكم وغَيْرِهِ ويَتَصَرَّفُ فِيهِ بِما يُرِيدُ، عَطَفَ عَلَيْهِ مُحَذِّرًا مَن يَكْتُمُ الشَّهادَةَ أوْ يُضْمِرُ سُوءًا غَيْرَها أوْ يُظْهِرُهُ قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ تُظْهِرُوا (p-١٦٥)‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ مِن شَهادَةٍ أوْ غَيْرِها ‏‏ ‏‏‏‏ مِمّا وطَّنْتُمُوهُ في النَّفْسِ وعَزَمْتُمْ عَلَيْهِ ولَيْسَ هو مِنَ الخَواطِرِ الَّتِي كَرِهْتُمُوها ولَمْ تَعْزِمُوا عَلَيْها. قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الإخْفاءِ وهو تَغْيِيبُ الشَّيْءِ وأنْ لا يُجْعَلَ عَلَيْهِ عَلَمٌ يُهْتَدى إلَيْهِ مِن جِهَتِهِ ‏‏‏‏‏‏ مِنَ المُحاسَبَةِ مُفاعَلَةٌ مِنَ الحِسابِ والحَسْبِ، وهو اسْتِيفاءُ الأعْدادِ فِيما لِلْمَرْءِ وعَلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ يَعْنِي لِيُجازِيَ بِها ‏‏ ‏‏‏ أيْ بِذِكْرِهِ لَكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي ضِمْنِ هَذا الخِطابِ لِأُولِي الفَهْمِ إنْباءٌ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى إذا عاجَلَ العَبْدَ بِالحِسابِ بِحُكْمِ ما يُفْهِمُهُ تَرْتِيبُ الحِسابِ عَلى وُقُوعِ العَمَلِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فَيُحاسِبُكم مَثَلًا فَقَدْ أعْظَمَ اللُّطْفَ بِهِ، لِأنَّ مَن حُوسِبَ بِعَمَلِهِ عاجِلًا في الدُّنْيا خَفَّ جَزاؤُهُ عَلَيْهِ حَيْثُ يُكَفَّرُ عَنْهُ بِالشَّوْكَةِ يُشاكُها حَتّى بِالقَلَمِ يَسْقُطُ مِن يَدِ الكاتِبِ، فَيُكَفَّرُ عَنِ المُؤْمِنِ بِكُلِّ ما يَلْحَقُهُ في دُنْياهُ حَتّى يَمُوتَ عَلى طَهارَةٍ مِن ذُنُوبِهِ [وفَراغٍ مِن حِسابِهِ] كالَّذِي يَتَعاهَدُ بَدَنَهُ وثَوْبَهُ بِالتَّنْظِيفِ فَلا يَتَّسِخُ ولا يَدْرَنُ ولا يَزالُ (p-١٦٦)نَظِيفًا. انْتَهى وفِيهِ تَصَرُّفٌ.

ولَمّا كانَ حَقِيقَةُ المُحاسَبَةِ ذِكْرَ الشَّيْءِ والجَزاءَ عَلَيْهِ وكانَ المُرادُ بِها هُنا العَرْضَ وهو الذِّكْرُ فَقَطْ بِدَلالَةِ التَّضَمُّنِ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ مُقَدِّمًا التَّرْجِئَةَ مُعادَلَةً لِما أفْهَمَهُ صَدْرُ الآيَةِ مِنَ التَّخْوِيفِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ فَلا يُجازِيهِ عَلى ذَلِكَ كَبِيرَةً كانَ أوْ لا ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ بِتَكْفِيرٍ أوْ جَزاءٍ.

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهَذا أنَّهُ مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ خَتَمَ الكَلامَ دَلالَةً عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُصَرِّحًا بِما لَزِمَ تَمامَ عِلْمِهِ مِن كَمالِ قُدْرَتِهِ: ‏‏‏ أيِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ لَيْسَ [هُوَ] كَمُلُوكِ الدُّنْيا يُحالُ بَيْنَهم وبَيْنَ بَعْضِ ما يُرِيدُونَ بِالشَّفاعَةِ وغَيْرِها. قالَ الحَرالِّيُّ: فَسَلَبَ بِهَذِهِ الآيَةِ القُدْرَةَ عَنْ جَمِيعِ الخَلْقِ. انْتَهى. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاصَّةٌ بِأمْرِ الشَّهادَةِ، وقالَ الأكْثَرُونَ: هي عامَّةٌ كَما فَهِمَها الصَّحابَةُ رِضْوانُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِمْ في الوَسْوَسَةِ وحَدِيثِ النَّفْسِ المَعْزُومِ عَلَيْهِ وغَيْرِهِ ثُمَّ خُفِّفَتْ بِما بَعْدَها، رَوى مُسْلِمُ في صَحِيحِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ (p-١٦٧)تَعالى عَنْهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ الآيَةُ إلى ‏‏‏‏ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ بَرَكُوا عَلى الرُّكَبِ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! كُلِّفْنا مِنَ الأعْمالِ ما نُطِيقُ: الصَّلاةَ والصِّيامَ والجِهادَ والصَّدَقَةَ وقَدْ أُنْزِلَتْ [عَلَيْكَ] هَذِهِ الآيَةُ ولا نُطِيقُها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أتُرَوْنَ أنْ تَقُولُوا كَما قالَ أهْلُ الكِتابَيْنِ مِن قَبْلِكُمْ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٩٣] قُولُوا: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٨٥] قالُوا: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٨٥] ].

فَلَمّا اقْتَرَأها القَوْمُ وذَلَّتْ بِها ألْسِنَتُهم أنْزَلَ اللَّهُ في إثْرِها ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [البقرة: ٢٨٥] إلى ﴿المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَها اللَّهُ تَعالى وأنْزَلَ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٨٦] إلى [ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٨٦] قالَ: نَعَمْ» قالَ البَغْوِيُّ: وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: قَدْ فَعَلْتُ]، واسْتَمَرَّ إلى آخِرِ السُّورَةِ كُلَّما قَرَؤُوا جُمْلَةً قالَ: نَعَمْ. فَقَدْ تَبَيَّنَ (p-١٦٨)مِن هَذا تَناسُبُ هَذِهِ الآياتِ، وأمّا مُناسَبَتُها لِأوَّلِ السُّورَةِ رَدًّا لِلْمَقْطَعِ عَلى المَطْلَعِ فَهو أنَّهُ لَمّا ابْتَدَأ السُّورَةَ بِوَصْفِ المُؤْمِنِينَ بِالكِتابِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ خَتَمَها بِذَلِكَ بَعْدَ تَفْصِيلِ الإنْفاقِ الَّذِي وصَفَهم بِهِ أوَّلَها عَلى وجْهٍ يَتَّصِلُ بِما قَبْلَهُ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي والِاتِّصافِ بِأوْصافِ الكَمالِ أشَدَّ اتِّصالٍ، وجَعَلَ رَأْسَهُمُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأزْكى السَّلامِ تَعْظِيمًا لِلْمَدْحِ وتَرْغِيبًا في ذَلِكَ الوَصْفِ فَأخْبَرَ بِإيمانِهِمْ بِما أنْزَلَ إلَيْهِ بِخُصُوصِهِ وبِجَمِيعِ الكُتُبِ وجَمِيعِ الرُّسُلِ وبِقَوْلِهِمُ الدّالِّ عَلى كَمالِ الرَّغْبَةِ وغايَةِ الضَّراعَةِ والخُضُوعِ فَقالَ اسْتِئْنافًا لِجَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: ما فَعَلَ مَن أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الأوامِرُ والنَّواهِي وغَيْرُها؟

The same ayah, in another commentary

Al-Baqarah 2:284