All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur'an as one connected whole — why this verse follows that, and this surah that.

As-Sajdah 32:2 Juzʾ 21 Page 415

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

[This is] the revelation of the Book about which there is no doubt from the Lord of the worlds.

Read in the muṣḥaf

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ في الَّتِي قَبْلَها إثْباتَ الحِكْمَةِ لِمُنْزِلِ هَذا الكِتابِ الَّذِي هو بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ المَلْزُومِ لِتَمامِ العِلْمِ وكَمالِ الخِبْرَةِ الَّذِي خُتِمَتْ بِهِ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ مُخْتَصٌّ بِعِلْمِ المَفاتِيحِ بَعْدَ أنْ أنْذَرَ بِأمْرِ السّاعَةِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ وما قَبْلَهُ أنَّهُ ما أثْبَتَ شَيْئًا فَقَدَرَ غَيْرُهُ مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ عَلى نَفْيِهِ، ولا نَفى شَيْئًا فَقَدَرَ غَيْرُهُ عَلى إثْباتِهِ ولا إثْباتِ شَيْءٍ مِنهُ، كانَتْ نَتِيجَةَ ذَلِكَ أنَّهُ لا يَكُونُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ دَقِيقِها وجَلِيلِها إلّا يَعْلَمُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأجَلُّ ذَلِكَ إنْزالًا هَذا الذِّكْرُ الحَكِيمُ الَّذِي فِيهِ إثْباتُ هَذِهِ العُلُومِ مَعَ شَهادَةِ العَجْزِ عَنْ مُعارَضَتِهِ لَهُ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ قالَ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيِ الجامِعِ لِكُلِّ هُدًى عَلى ما تَرَوْنَ مِنَ التَّدْرِيجِ مِنَ السَّماءِ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ يَفِي كَوْنُهُ مِنَ السَّماءِ لِأنَّ نافِيَ الرَّيْبِ ومُمِيطَهُ وهو الإعْجازُ مَعَهُ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ، فَكُلُّ ما يَقُولُونَهُ مِمّا يُخالِفُ ذَلِكَ تَعَنُّتٌ أوْ جَهْلٌ مِن غَيْرِ رَيْبٍ، حالَ كَوْنِهِ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيِ الخالِقِ لَهُمُ المُدَبِّرُ لِمَصالِحِهِمْ، فَلا يَجُوزُ في عَقْلٍ ولا يَخْطُرُ في بالٍ ولا يَقَعُ في وهْمٍ ولا يُتَصَوَّرُ في خَيالٍ [أنَّهُ يَتْرُكُ خَلْقَهُ وهو المُدَبِّرُ الحَكِيمُ (p-٢٢٤)مِن غَيْرِ كِتابٍ يَكُونُ سَبَبَ إبْقائِهِمْ أوْ] أنْ يَصِلَ شَيْءٌ مِن كِتابِهِ إلى هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ بِغَيْرِ أمْرِهِ، فَلا يُتَخَيَّلُ أنَّ شَيْئًا مِنهُ لَيْسَ بِقَوْلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يَتَخَيَّلُ أنَّهُ كَلامُهُ تَعالى ولَكِنَّهُ أخَذَهُ مِن بَعْضِ أهْلِ الكِتابِ، لِأنَّ هَذا لا يُفْعَلُ مَعَ مَلَكٍ فَكَيْفَ بِمَلِكِ المُلُوكِ، فَكَيْفَ بِمَن هو عالِمٌ بِالسِّرِّ والجَهْرِ، مُحِيطٍ عِلْمُهُ بِالخَفِيِّ والجَلِيِّ، فَلَوِ ادَّعى عَلَيْهِ أحَدٌ ما لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ لَما أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ.

ولَمّا أقَرَّهُ عَلى ذَلِكَ المُدَدِ المُتَطاوِلاتِ، ولا سِيَّما إعْجازُ كُلِّ ما يَنْسِبُهُ إلَيْهِ بِالمُعْجِزاتِ، ويَدَّعِيهِ عَلَيْهِ، وهَذا غايَةُ ما في آلِ عِمْرانَ كَما كانَ أوَّلُ لُقْمانَ غايَةَ أوَّلِ القُرْآنِ المُطْلِقِ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا انْطَوَتْ سُورَةُ الرُّومِ عَلى ما قَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ التَّنْبِيهِ بِعَجائِبِ ما أوْدَعَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في عالَمِ السَّماواتِ والأرْضِ، وعَلى ذِكْرِ الفِطْرَةِ، ثُمَّ أُتْبِعَتْ بِسُورَةِ لُقْمانَ تَعْرِيفًا بِأنَّ مَجْمُوعَ تِلْكَ الشَّواهِدِ مِن آياتِ الكِتابِ وشَواهِدِهِ ودَلائِلِهِ، وأنَّهُ قَدْ هَدى مَن شاءَ إلى سَبِيلِ الفِطْرَةِ وإنْ لَمْ يَمْتَحِنْهُ بِما امْتَحَنَ بِهِ كَثِيرًا مِمَّنْ ذَكَرَ، فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُ ودُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ، وتَكَرَّرَتْ عَلَيْهِ الإنْذاراتُ فَلَمْ يُصْغِ [لَها،] لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ الهُدى والضَّلالِ واقِعٌ بِمَشِيئَتِهِ وسابِقِ إرادَتِهِ، وأتْبَعَ سُبْحانَهُ (p-٢٢٥)ذَلِكَ بِما يُنَبِّهُ المُعْتَبِرَ عَلى صِحَّتِهِ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [لقمان: ٢٢] فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ أنَّ الخَلاصَ والسَّعادَةَ في الِاسْتِسْلامِ لَهُ ولِما يَقَعُ مِن أحْكامِهِ، وعَزّى نَبِيَّهُ ﷺ وصَبَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [لقمان: ٢٣] ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى لَجَأ الكُلِّ قَهْرًا ورُجُوعًا يُحاكِمُ اضْطِرارَهم لِوُضُوحِ الأمْرِ إلَيْهِ تَعالى فَقالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ثَمَّ وعَظَ تَعالى الكُلَّ بِقَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [لقمان: ٢٨] أيْ إنَّ ذَلِكَ لا يَشُقُّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولا يَصْعُبُ، والقَلِيلُ والكَثِيرُ سَواءٌ، ثُمَّ نَبَّهَ بِما يُبَيِّنُ ذَلِكَ مِن إيلاجِ اللَّيْلِ في النَّهارِ والنَّهارِ في اللَّيْلِ وجَرَيانِ الفُلْكِ بِنِعْمَتِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ [لقمان: ٣٠] ثُمَّ أكَّدَ ما تَقَدَّمَ مِن رُجُوعِهِمْ في الشَّدائِدِ إلَيْهِ فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [لقمان: ٣٢] فَإذا خَلَّصَهم سُبْحانَهُ وتَعالى ونَجّاهم عادُوا إلى سَيِّئِ أحْوالِهِمْ، هَذا وقَدْ عايَنُوا رِفْقَهُ بِهِمْ وأخْذَهُ عِنْدَ الشَّدائِدِ بِأيْدِيهِمْ وقَدِ اعْتَرَفُوا بِأنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ ومُسَخِّرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وذَلِكَ شاهِدٌ مِن حالِهِمْ بِجَرَيانِهِمْ عَلى [ما] قَدَّرَ لَهم ووُقُوفَهم عِنْدَ حُدُودِ السَّوابِقِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [لقمان: ٢٢] ثُمَّ عَطَفَ سُبْحانَهُ عَلى الجَمِيعِ فَدَعاهم إلى تَقْواهُ، وحَذَّرَهم يَوْمَ المَعادِ وشِدَّتَهُ، وحَذَّرَهم مِنَ الِاغْتِرارِ، وأعْلَمَهم أنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِعِلْمِ السّاعَةِ، (p-٢٢٦)وإنْزالِ الغَيْثِ، وعِلْمِ ما في الأرْحامِ، وما يَقَعُ مِنَ المُكْتَسِباتِ، وحَيْثُ يَمُوتُ كُلٌّ مِنَ المَخَلُوقاتِ، فَلَمّا كانَتْ سُورَةُ لُقْمانَ - بِما بَيَّنَ مَن مُضَمَّنِها - مُحْتَوِيَةً مِنَ التَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ عَلى ما ذَكَرَ، ومُعْلِمَةً بِانْفِرادِهِ سُبْحانَهُ بِخَلْقِ الكُلِّ ومِلْكِهِمْ، اتَّبَعَها تَعالى بِما يَحْكُمُ بِتَسْجِيلِ صِحَّةِ الكِتابِ، وأنَّهُ مِن عِنْدِهِ وأنَّ ما انْطَوى عَلَيْهِ مِنَ الدَّلائِلِ والبَراهِينِ يَرْفَعُ كُلَّ رَيْبٍ، ويُزِيلُ كُلَّ شَكٍّ، فَقالَ ﴿الم﴾ [لقمان: ١] ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [السجدة: ٣] أيْ أيَقَعُ مِنهم هَذا بَعْدَ وُضُوحِهِ وجَلاءِ شَواهِدِهِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: [ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [السجدة: ٤] وهو تَمامٌ لِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ [لقمان: ٢٢] ولِقَوْلِهِ:] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ولِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [لقمان: ٣٢] ولِقَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [لقمان: ٣٣] ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [السجدة: ٤] بِما ذَكَّرْتُمْ، ألا تَرَوْنَ أمْرَ لُقْمانَ وهِدايَتَهُ بِمُجَرَّدِ دَلِيلِ فِطْرَتِهِ، فَما لَكَمَ بَعْدَ التَّذْكِيرِ وتَقْرِيعِ الزَّواجِرِ وتَرادُفِ الدَّلائِلِ وتَعاقُبِ الآياتِ تَتَوَقَّفُونَ عَنِ السُّلُوكِ إلى رَبِّكم وقَدْ أقْرَرْتُمْ بِأنَّهُ خالِقُكُمْ، ولَجَأْتُمْ إلَيْهِ عِنْدَ احْتِياجِكُمْ؟ ثُمَّ أعْلَمَ نَبِيَّهُ ﷺ بِرُجُوعِ مَن عانَدَ وإجابَتِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهُ رُجُوعٌ، ولا تُغْنِي عَنْهُ إجابَةٌ، فَقالَ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] (p-٢٢٧)ثُمَّ أعْلَمَ سُبْحانَهُ أنَّ الواقِعَ مِنهُمُ إنَّما هو بِإرادَتِهِ وسابِقٍ مِن حِكْمَةٍ لِيَأْخُذَ المُوَفَّقُ المُوقِنُ نَفْسَهُ بِالتَّسْلِيمِ فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [السجدة: ١٣] كَما فَعَلْنا بِلُقْمانَ ومَن أرَدْنا تَوْفِيقَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ انْقِسامَهم بِحَسَبِ السَّوابِقِ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [السجدة: ١٨] ثُمَّ ذَكَرَ مَصِيرَ الفَرِيقَيْنِ ومَآلَ الحِزْبَيْنِ، ثُمَّ أتْبَعَ [ذَلِكَ] بِسُوءِ حالِ مِن ذُكِّرَ فَأعْرَضَ فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [السجدة: ٢٢] وتَعَلَّقَ الكَلامُ إلى آخَرِ السُّورَةِ. انْتَهى.

The same ayah, in another commentary

As-Sajdah 32:2