All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur'an as one connected whole — why this verse follows that, and this surah that.

Al-Anʿām 6:164 Juzʾ 8 Page 150

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Say, "Is it other than Allah I should desire as a lord while He is the Lord of all things? And every soul earns not [blame] except against itself, and no bearer of burdens will bear the burden of another. Then to your Lord is your return, and He will inform you concerning that over which you used to differ."

Read in the muṣḥaf

ولَمّا حاجُّوهُ في الشِّرْكِ في هَذِهِ السُّورَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ كَما حاجَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْمُهُ، وكانَ آخِرُ ذَلِكَ أنْ دَعاهم ﷺ إلى تِلاوَةِ ما أنْزَلَ عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - في تَحْرِيمِ الشِّرْكِ وشَرْحِ دِينِهِ القَيِّمِ، ثُمَّ كَرَّرَ هُنا ذَمَّهم بِالتَّفَرُّقِ الدّالِّ عَلى الضَّلالِ ولا بُدَّ، ومَدْحِ دِينِ الرُّسُلِ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهم لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ أصْلًا، وأيْأسَ الكُفّارَ مِن مُوافَقَتِهِ ﷺ لَهم نَوْعًا مِنَ المُوافَقَةِ ومَيْلِهِ مَعَهم شَيْئًا مِنَ المَيْلِ - أمَرَهُ (p-٣٤١)- سُبْحانَهُ - بَعْدَ أنْ ثَبَتَ بِأوَّلِ السُّورَةِ وأثْنائِها وآخِرَها أنَّهُ لا رَبَّ غَيْرُهُ - بِالإنْكارِ عَلى مَن يُرِيدُ مِنهُ مَيْلًا إلى غَيْرِ مَن تَفَرَّدَ بِمَحْياهُ ومَماتِهِ - فَكانَ لَهُ التَّفَرُّدُ بِما بَيْنَهُما وما بَعْدَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ، والتَّوْبِيخُ الشَّدِيدُ فَقالَ: ‏‏ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَطْمَعُونَ أنْ تَطْرُدَ أصْحابَكَ مِن أجْلِهِمْ: ‏‏‏‏ ‏‏ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ‏‏‏ أيْ: أطْلُبُ وأُرِيدُ بِالإشْراكِ فَإنَّ الغِنى المُطْلَقَ لا يُقْبَلُ مِمَّنْ أشْرَكَ بِهِ شَيْئًا ‏‏‏ أيْ: مُنْعِمًا يَتَوَلّى مَصالِحِي كَما بَغَيْتُمْ أنْتُمْ، فَهو تَعْرِيضٌ بِهِمْ وتَنْبِيهٌ لَهم، والإسْنادُ إلَيْهِ ﷺ والمُرادُ جَمِيعُ الخَلْقِ - مِن بابِ الإنْصافِ في المُناظَرَةِ لِلِاسْتِعْطافِ ‏‏‏ أيْ: والحالُ أنَّهُ كَما ثَبَتَ بِالقَواطِعِ ورَكَزَ في العُقُولِ الثَّوابِتِ وطَبَعَ في أنْوارِ الأفْكارِ اللَّوامِعِ ‏‏ ‏ ‏‏‏ أيْ: مُوجِدُهُ ومُرَبِّيهِ، أفَيَنْبَغِي لِأحَدٍ أنَّ يَدِينَ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ وذَلِكَ الغَيْرُ مَرْبُوبٌ مِثْلُهُ لِسَيِّدِهِ، هَذا ما لا يَرْضاهُ عاقِلٌ لِنَفْسِهِ.

ولَمّا أنْكَرَ عَلى مَن يَجْنَحُ إلى غَيْرِهِ مَعَ عُمُومِ بِرِّهِ وخَيْرِهِ - أتْبَعَهُ التَّرْوِيعَ مِن قَوِيمِ عَدْلِهِ في عَظِيمِ ضُرِّهِ، فَقالَ: ‏‏ أيْ: والحالُ أنَّهُ لا ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ أيْ: ذَنْبًا وإنْ قَلَّ مَعَ التَّصْمِيمِ والعَزْمِ القَوِيِّ الَّذِي هو بِحَيْثُ يُصَدِّقُهُ العَمَلُ - كَما مَضى في آيَةِ البَقَرَةِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ باطِلًا لا عَلَيْها ولا عَلى غَيْرِها، وإذا كانَ عَلَيْها (p-٣٤٢)لا يُمْكِنُ أنْ يُحاسِبَ بِهِ - سُبْحانَهُ - سِواها لِأنَّهُ عَدْلٌ حَكِيمٌ فَكَيْفَ أدْعُو غَيْرَهُ دُعاءً جَلِيًّا أوْ خَفِيًّا وذَلِكَ أعْظَمُ الذُّنُوبِ! ولِلتَّنْفِيرِ مِنَ الشِّرْكِ الخَفِيِّ بِالرِّياءِ وكُلِّ مَعْصِيَةٍ وإنْ صَغُرَتْ - جَرَّدَ الفِعْلَ عَنِ الِافْتِعالِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهُ لا يَكُونُ عَلَيْها إلّا ما بالَغَتْ فِيهِ، والسِّياقُ هُنا واضِحٌ في أنَّ الكَسْبَ مُقَيَّدٌ بِالذَّنْبِ فَإنَّهُ في دُعاءِ غَيْرِ اللَّهِ وآيَةُ البَقَرَةِ لِلْإيماءِ إلى الذَّنْبِ الَّذِي لا يَقَعُ إلّا بِشَهْوَةٍ شَدِيدَةٍ مِنَ النَّفْسِ لَهُ لِطَبْعِها عَلى النَّقائِصِ، فَهي لا تُنافِي هَذِهِ لِأنَّ ما كَسَبَتْهُ مِنَ الذُّنُوبِ قَدْ عُلِمَ مِن ثَمَّ أنَّهُ اكْتِسابٌ، وأحْسَنُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: ولَمّا كانَ المَعْنى أنِّي إنْ بَغَيْتُ رَبًّا غَيْرَهُ وكَلَنِي إلى ما تَوَلَّيْتُهُ، وأنا إنْسانٌ والإنْسانُ مَطْبُوعٌ عَلى النَّقائِصِ فَهَلَكْتُ، عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ مُجَرِّدًا لِلْفِعْلِ لِقَصْدِ العُمُومِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ بِما هي نَفْسٌ ناظِرَةٌ في نَفاسَتِها مُعْرِضَةٌ عَنْ رَبِّها مَوْكُولَةٌ إلى حَوْلِها وقُوَّتِها ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ولا يَحْمِلُ عَنْها غَيْرُها شَيْئًا مِن وِزْرِها؛ ولَمّا كانَ رُبَّما حَمَلَ أحَدٌ عَنْ غَيْرِهِ شَيْئًا مِن أثْقالِهِ مُساعَدَةً لَهُ - نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: تَحْمِلُ حامِلَةٌ ولَوْ كانَتْ والِدًا أوْ ولَدًا ‏‏‏‏‏ أيْ: إثْمَ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [فاطر: ١٨] فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلا يَجْمُلُ بِعاقِلٍ أنْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ بِحَمْلِ شَيْءٍ مِن غَضَبِ هَذا المَلِكِ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ وإلَيْهِ المَرْجِعُ (p-٣٤٣)وإنْ طالَ المَدى.

ولَمّا عَمَّ في الكَسْبِ وحَمْلِ الوِزْرِ لِئَلّا يَقُولُ مُتَعَنِّتٌ إنَّ خُصَّ هَذا لَكَ لا لَنا - عَمَّ في المَرْجِعِ أيْضًا لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَقالَ مُهَدِّدًا لَهم بَعْدَ كَمال الإيضاحِ عاطِفًا عَلى ما أرْشَدَ إلَيْهِ الإنْكارُ مِنَ النَّفْيِ في نَحْوِ أنْ يُقالَ: إنِّي لا أفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، لا أبْغِي رَبًّا غَيْرَ رَبِّي أصْلًا، وأمّا أنْتُمْ فافْعَلُوا ما أنْتُمْ فاعِلُونَ فَإنَّ رَبَّكم عالِمٌ بِهِ: ‏‏ [أيْ: بَعْدَ طُولِ الإمْهالِ] لَكم لُطْفًا مِنهُ بِكم ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: الَّذِي أحْسَنَ إلَيْكم بِكُلِّ نِعْمَةٍ، لا إلى غَيْرِهِ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: بِالحَشْرِ وإنْ عَمَّرْتُمْ كَثِيرًا أوْ بَقِيتُمْ طَوِيلًا ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: يُخْبِرُكم إخْبارًا جَلِيلًا عَظِيمًا مُسْتَوْفًى.

ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّهم فَرَّقُوا دِينَهم، قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ولِذَلِكَ قَدَّمَ الجارَّ لِيُفِيدَ الِاهْتِمامَ بِهِ لِقُوَّةِ داعِيَتِهِمْ إلَيْهِ مِن غَيْرِ إكْراهٍ ولا ذُهُولٍ ولا نِسْيانٍ فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: مَعَ رَسُولٍ وغَيْرِهِ، ويُدِينُكم عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ بِما تَسْتَحِقُّونَهُ، وحالُكم جَدِيرٌ بِأنْ يَعْظُمَ عِقابُكم لِأنَّكم كَفَرْتُمْ نِعْمَتَهُ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: حَكى النَّقّاشُ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ارْجِعْ يا مُحَمَّدُ إلى دِينِنا واعْبُدْ آلِهَتَنا واتْرُكْ ما أنْتَ عَلَيْهِ ونَحْنُ نَتَكَفَّلُ لَكَ بِكُلِّ ما تَحْتاجُ إلَيْهِ في دُنْياكَ وآخِرَتِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. انْتَهى.

The same ayah, in another commentary

Al-Anʿām 6:164