All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur'an as one connected whole — why this verse follows that, and this surah that.

Al-Munāfiqūn 63:10 Juzʾ 28 Page 555

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And spend [in the way of Allah] from what We have provided you before death approaches one of you and he says, "My Lord, if only You would delay me for a brief term so I would give charity and be among the righteous."

Read in the muṣḥaf

ولَمّا حَذَّرَ مِنَ الإقْبالِ عَلى الدُّنْيا، رَغَّبَ في بَذْلِها مُخالَفَةً لِلْمُنافِقِينَ فَقالَ: ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِن واجِبٍ أوْ مَندُوبٍ، وزادٍ في التَّرْغِيبِ بِالرِّضى مِنهم بِاليَسِيرِ مِمّا [هُوَ] كُلُّهُ لَهُ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ (p-٩٤)أيْ مِن عَظَمَتِنا وبَلَغَ النِّهايَةَ في ذَلِكَ بِالرِّضا بِفِعْلِ ما أمَرَ بِهِ مَعَ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ في زَمَنِ ما ولَوْ قَلَّ بِما أرْشَدَ إلَيْهِ إثْباتُ الجارِّ، فَقالَ مُرَغِّبًا في التَّأهُّبِ لِلرَّحِيلِ والمُبادَرَةِ لِمُباغَتِهِ الأجَلَ، مُحَذِّرًا مِنَ الِاغْتِرارِ بِالتَّسْوِيفِ في أوْقاتِ السَّلامَةِ: ‏‏ ‏‏‏ وفَكَّ المَصْدَرَ لِيُفِيدَ ”أنَّ“ مَزِيدَ القُرْبِ [فَقالَ]: ‏‏ ‏‏‏ ولمّا كانَ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ كَما تَقَدَّمَ في النِّساءِ أهْوَلُ قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [أيْ] بِرُؤْيَةِ دَلائِلِهِ وأماراتِهِ، وكُلُّ لَحْظَةٍ مَرَّتْ فَهي مِن دَلائِلِهِ وأماراتِهِ. ولمّا كانَتِ الشَّدائِدُ تَقْتَضِي الإقْبالَ عَلى اللَّهِ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ سائِلًا في الرَّجْعَةِ، وأشارَ إلى تَرْقِيقِها لِلْقُلُوبِ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ أيْ هَلْ لا ولِمَ لا ‏‏‏‏‏ أيْ أخَّرْتُ مَوْتِي إمْهالًا لِي ‏‏ ‏‏‏ أيْ زَمانٍ، وبَيَّنَ أنَّ مُرادَهُ اسْتِدْراكَ ما فاتَ لَيْسَ إلّا بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ لِلتَّزَوُّدِ في سَفَرِي هَذا الطَّوِيلِ الَّذِي أنا مُسْتَقْبَلُهُ، قالَ الغَزالِيُّ في كِتابِ التَّوْبَةِ مِنَ الإحْياءِ: قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ مَلَكَ المَوْتِ إذا ظَهَرَ لِلْعَبْدِ أعْلَمَهُ أنَّهُ قَدْ بَقِيَ مِن عُمْرِكَ ساعَةٌ، وأنَّكَ لا تَسْتَأْخِرُ عَنْها طَرْفَةَ عَيْنٍ فَيَبْدُو لِلْعَبْدِ مِنَ الأسَفِ والحَسْرَةِ مِمّا لَوْ كانَتْ لَهُ الدُّنْيا بِحَذافِيرِها لَخَرَجَ مِنها عَلى أنْ يَضُمَّ إلى تِلْكَ السّاعَةِ ساعَةً أُخْرى لِيَسْتَعْتِبَ فِيها (p-٩٥)ويَتَدارَكُ تَفْرِيطَهُ، يَقُولُ: يا مَلَكَ المَوْتِ! أخِّرْنِي يَوْمًا أعْتَذِرُ فِيهِ إلى رَبِّي وأتُوبُ وأتَزَوَّدُ فِيها صالِحًا لِنَفْسِي، [فَيَقُولُ]: فَنِيَتِ السّاعاتُ فَلا ساعَةَ، فَيُغْلِقُ عَلَيْهِ بابَ التَّوْبَةِ فَيَتَغَرْغَرُ بِرُوحِهِ وتُرَدِّدُ أنْفاسُهُ في شَراسِيفِهِ ويَتَجَرَّعُ غُصَّةَ اليَأْسِ عَنِ التَّدارُكِ وحَسْرَةِ النَّدامَةِ عَلى تَضْيِيعِ العُمْرِ، فَيَضْطَرِبُ أصْلُ إيمانِهِ في صَدَماتِ تِلْكَ الأهْوالِ، فَإذا زَهَقَتْ نَفْسُهُ فَإنْ كانَ سَبَقَتْ لَهُ [مِنَ] اللَّهِ الحُسْنى خَرَجَتْ رُوحُهُ عَلى التَّوْحِيدِ، فَذَلِكَ حُسْنُ الخاتِمَةِ، وإنْ سَبَقَ لَهُ القَضاءُ بِالشِّقْوَةِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى خَرَجَتْ رُوحُهُ عَلى الشَّكِّ والِاضْطِرابِ، وذَلِكَ سُوءُ الخاتِمَةِ، ومَن تَرَكَ المُبادَرَةَ إلى التَّوْبَةِ بِالتَّسْوِيفِ كانَ بَيْنَ خَطَرَيْنِ عَظِيمَيْنِ: أحَدُهُما أنْ تَتَراكَمَ الظُّلْمَةُ عَلى قَلْبِهِ مِنَ المَعاصِي حَتّى يَصِيرَ رَيْنًا وطَبْعًا فَلا يَقْبَلُ المَحْوَ، الثّانِي أنْ يُعاجِلَهُ المَرَضُ أوِ المَوْتُ فَلا يَجِدُ مُهْلَةً لِلِاشْتِغالِ بِالمَحْوِ، فَيَأْتِي اللَّهُ تَعالى بِقَلْبٍ غَيْرِ سَلِيمٍ، والقَلْبُ أمانَةُ اللَّهِ عِنْدَ عَبْدِهِ، قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ لِلَّهَ تَعالى إلى عَبْدِهِ سِرَّيْنِ عَلى سَبِيلِ الإلْهامِ: أحَدُهُما إذا خَرَجَ مِن بَطْنِ أُمِّهِ يَقُولُ لَهُ: عَبْدِي قَدْ أخْرَجْتُكَ إلى الدُّنْيا طاهِرًا نَظِيفًا واسْتَوْدَعْتُكَ وائْتَمَنتُكَ عَلَيْهِ فانْظُرْ كَيْفَ تَحْفَظُ الأمانَةَ وانْظُرْ كَيْفَ تَلْقانِي، والثّانِي عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ يَقُولُ: عَبْدِي ماذا صَنَعْتَ في أمانَتِي [عِنْدَكَ] (p-٩٦)هَلْ حَفِظْتَها حَتّى تَلْقانِي عَلى العَهْدِ فَألْقاكَ عَلى الوَفاءِ أوْ أضَعْتَها فَألْقاكَ بِالمُطالَبَةِ والعَذابِ.

ولَعَلَّهُ أدْغَمَ تاءَ التَّفَعُّلِ إشارَةً إلى أنَّهُ إذا أخَّرَ فِعْلَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ [الإخْفاءِ لِيَكُونَ أفْضَلَ، أوْ يَكُونُ إدْغامُها اخْتِصارًا لِبُلُوغِ الأمْرِ إلى حَدٍّ مُحْوِجٍ إلى] الإيجازِ في القَوْلِ كَما طَلَبَ في الزَّمَنِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الجَماعَةِ غَيْرَ أبِي عَمْرٍو ‏‏‏‏ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى الجَوابِ الَّذِي هَدى السِّياقَ إلى تَقْدِيرِهِ، فَإنَّ حالَ هَذا [الَّذِي] أشَرَّفَ هَذا الإشْرافَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أرادَ إنْ ”أخَّرْتَنِي أتَصَدَّقُ“ ولَكِنَّهُ حَذَفَهُ لِضِيقِ المَقامِ عَنْهُ واقْتِضاءِ الحالِ لِحَذْفِهِ، وهو مَعْنى ما حَكاهُ سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ أنَّ الجَزْمَ عَلى تَوَهُّمِ الشَّرْطِ الَّذِي [دَلَّ] عَلَيْهِ التَّمَنِّي عَلى المَوْضِعِ، فَإنَّ الجازِمَ غَيْرُ مَوْجُودٍ، ومَعْنى ما قالَ غَيْرُهُ أنَّ ”لَوْلا“ لِكَوْنِها تَحْضِيضِيَّةً مُتَضَمِّنَةً مَعْنى الأمْرِ ومَعْنى الشَّرْطِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أخِّرْنِي، فَيَكُونُ جَوابُهُ العارِي عَنِ الفاءِ مَجْزُومًا لَفْظًا والمَقْرُونُ بِها مَجْزُومًا مُحَلًّا فَ ”اكْنِ“ عَطْفٌ عَلى المَحَلِّ، ونَصَبَ أبُو عَمْرٍو عَطْفًا عَلى اللَّفْظِ لِأنَّهُ جَوابُ التَّمَنِّي الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ ”لَوْلا“ وإجْماعُ المَصاحِفِ عَلى حَذْفِ الواوِ لا يَضُرُّهُ لِأنَّهُ قالَ: إنَّها لِلِاخْتِصارِ، وهو ظاهِرٌ، وذَلِكَ لِلْمُناسَبَةِ بَيْنَ اللَّفْظِ والخَطِّ والزَّمانِ والمُرادِ، ومِن هُنا تَعْرِفُ جَلالَةَ (p-٩٧)القُرّاءِ ومُرادُهم إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِمْ في الضّابِطِ المَشْهُورِ وإنْ تَوافَقَ رَسْمُ المُصْحَفِ ولَوِ احْتِمالًا ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيِ العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ العَظِيمِ، وزادَ في الحَثِّ عَلى المُبادَرَةِ بِالطّاعاتِ قَبْلَ الفَواتِ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأجَلٍ عَظِيمِ الرَّجاءِ مِن هَذا المُحْتَضَرِ لِلتَّأْخِيرِ عَطْفًا عَلى [ما] تَقْدِيرُهُ: فَلا يُؤَخِّرُهُ اللَّهُ فَيَفُوتُهُ ما أرادَ:

The same ayah, in another commentary

Al-Munāfiqūn 63:10