All commentaries

إرشاد العقل السليم

Abū al-Suʿūd

أبو السعود العمادي (ت ٩٨٢ هـ)

Ottoman and elegant, attentive to why the words fall as they do.

Hūd 11:14 Juzʾ 12 Page 223

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And if they do not respond to you - then know that the Qur'an was revealed with the knowledge of Allah and that there is no deity except Him. Then, would you [not] be Muslims?

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: فَإنْ لَمْ يَفْعَلُوا ما كُلِّفُوهُ مِنَ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ وإنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِالِاسْتِجابَةِ؛ إيماءً إلى أنَّهُ ﷺ عَلى كَمالِ أمْنٍ مِن أمْرِهِ، كَأنَّ أمْرَهُ لَهم بِالإتْيانِ بِمِثْلِهِ دُعاءٌ لَهم إلى أمْرٍ يُرِيدُ وُقُوعَهُ، والضَّمِيرُ في (لَكُمْ) لِلرَّسُولِ ﷺ والجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:

؎ وإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ

أوَّلَهُ: ولِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم أتْباعٌ لَهُ ﷺ في الأمْرِ بِالتَّحَدِّي، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لَطِيفٌ عَلى أنَّ حَقَّهم أنْ لا يَنْفَكُّوا عَنْهُ ﷺ ويُناصِبُوا مَعَهُ لِمُعارَضَةِ المُعارِضِينَ، كَما كانَ يَفْعَلُونَهُ في الجِهادِ، وإرْشادٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِمّا يُفِيدُ الرُّسُوخَ في الإيمانِ والطُّمَأْنِينَةَ في الإيقانِ، ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: "فاعْلَمُوا" أيِ: اعْلَمُوا حِينَ ظَهَرَ لَكم عَجْزُهم عَنِ المُعارَضَةِ مَعَ تَهالُكِهِمْ عَلَيْها عِلْمًا يَقِينًا مُتاخِمًا لِعَيْنِ اليَقِينِ، بِحَيْثُ لا مَجالَ مَعَهُ لِشائِبَةِ رَيْبٍ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، كَأنَّ ما عَداهُ مِن مَراتِبِ العِلْمِ لَيْسَ بِعِلْمٍ، لَكِنْ لا لِلْإشْعارِ بِانْحِطاطِ تِلْكَ المَراتِبِ، بَلْ بِارْتِفاعِ هَذِهِ المَرْتَبَةِ، وبِهِ يَتَّضِحُ سِرُّ إيرادِ كَلِمَةِ الشَّكِّ مَعَ القَطْعِ بِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ، فَإنَّ تَنْزِيلَ سائِرِ المَراتِبِ مَنزِلَةَ العَدَمِ مُسْتَتْبِعٌ لِتَنْزِيلِ الجَزْمِ بِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ مَنزِلَةَ الشَّكِّ فِيهِ، أوِ اثْبُتُوا واسْتَمِرُّوا عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ مُلْتَبِسًا ‏‏‏‏ ‏‏ المَخْصُوصِ بِهِ بِحَيْثُ لا تَحُومُ حَوْلَهُ العُقُولُ والأفْهامُ، مُسْتَبِدًّا بِخَصائِصِ الإعْجازِ مِن جِهَتَيِ النَّظْمِ الرّائِقِ والإخْبارِ بِالغَيْبِ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ أيْ: واعْلَمُوا - أيْضًا - أنْ لا شَرِيكَ لَهُ في الأُلُوهِيَّةِ وأحْكامِها، ولا يَقْدِرُ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: مُخْلِصُونَ في الإسْلامِ، أوْ ثابِتُونَ عَلَيْهِ، وهَذا مِن بابِ التَّثْبِيتِ والتَّرْقِيَةِ إلى مَعارِجِ اليَقِينِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ في الكُلِّ لِلْمُشْرِكِينَ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ ﷺ داخِلًا تَحْتَ الأمْرِ بِالتَّحَدِّي، والضَّمِيرُ في "لَمْ يَسْتَجِيبُوا" لِـ"مَنِ اسْتَطَعْتُمْ" أيْ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبْ لَكم آلِهَتُكم وسائِرُ مَن إلَيْهِمْ تَجْأرُونَ في مُهِمّاتِكم ومُلِمّاتِكم إلى المُعاوَنَةِ والمُظاهَرَةِ، فاعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ قُدْرَةِ البَشَرِ، وأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن خالِقِ القُوى والقَدَرِ، فَإيرادُ كَلِمَةِ الشَّكِّ حِينَئِذٍ مَعَ الجَزْمِ بِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ مِن جِهَةِ آلِهَتِكم تَهَكُّمٌ بِهِمْ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِكَمالِ سَخافَةِ العَقْلِ، وتَرْتِيبُ الأمْرِ بِالعِلْمِ عَلى مُجَرَّدِ عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالدُّعاءِ المَسْبُوقِ بِعَجْزِهِمْ واضْطِرارِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم عِنْدَ التِجائِكم إلَيْهِمْ بَعْدَما اضْطُرِرْتُمْ إلى ذَلِكَ وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الحِيَلُ وعَيَتْ بِكُمُ العِلَلُ، أوْ مِن حَيْثُ إنَّ مَن يَسْتَمِدُّونَ بِهِمْ أقْوى مِنهم في اعْتِقادِهِمْ، فَإذا ظَهَرَ عَجْزُهم بِعَدَمِ اسْتِجابَتِهِمْ - وإنْ كانَ ذَلِكَ قَبْلَ ظُهُورِ (p-193)عَجْزِ أنْفُسِهِمْ - يَكُونُ عَجْزُهم أظْهَرُ وأوْضَحُ، واعْلَمُوا أيْضًا أنَّ آلِهَتَكم بِمَعْزِلٍ عَنْ رُتْبَةِ الشَّرِكَةِ في الأُلُوهِيَّةِ وأحْكامِها، فَهَلْ أنْتُمْ داخِلُونَ في الإسْلامِ، إذْ لَمْ يَبْقَ بَعْدُ شائِبَةُ شُبْهَةٍ في حَقِّيَّتِهِ وفي بُطْلانِ ما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الإذْعانُ لِكَوْنِ القرآن مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى دُخُولًا أوَّلِيًّا، أوْ مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ الَّذِي هو كَوْنُ القرآن مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وتارِكُونَ لِما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ إيجابٌ بَلِيغٌ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الطَّلَبِ، والتَّنْبِيهِ عَلى قِيامِ المُوجَبِ، وزَوالِ العُذْرِ، وإقْناطٌ مِن أنْ يُجِيرَهم آلِهَتُهم مِن بَأْسِ اللَّهِ عَزَّ سُلْطانُهُ، هَذا والأوَّلُ أنْسَبُ لِما سَلَفَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) ولِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وأشَدُّ ارْتِباطًا بِما يَعْقُبُهُ، كَما سَتُحِيطُ بِهِ خُبْرًا.

‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Whoever desires the life of this world and its adornments - We fully repay them for their deeds therein, and they therein will not be deprived.

‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: ما يُزَيِّنُها ويُحَسِّنُها مِنَ الصِّحَّةِ والأمْنِ والسَّعَةِ في الرِّزْقِ وكَثْرَةِ الأوْلادِ والرِّياسَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمُرادُ بِالإرادَةِ ما يَحْصُلُ عِنْدَ مُباشَرَةِ الأعْمالِ لا مُجَرَّدُ الإرادَةِ القَلْبِيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وإدْخالُ (كانَ) عَلَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِها مِنهُمْ، بِحَيْثُ لا يَكادُونَ يُرِيدُونَ الآخِرَةَ أصْلًا، ولَيْسَ المُرادُ بِأعْمالِهِمْ أعْمالَ كُلِّهِمْ فَإنَّهُ لا يَجِدُ كُلُّ مُتَمَنِّ ما يَتَمَنّاهُ، ولا كُلُّ أحَدٍ يَنالُ كُلَّ ما يَهْواهُ، فَإنَّ ذَلِكَ مَنُوطٌ بِالمَشِيئَةِ الجارِيَةِ عَلى قَضِيَّةِ الحِكْمَةِ، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ، ولا كُلَّ أعْمالِهِمْ، بَلْ بَعْضَها الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الأُمُورُ المَذْكُورَةُ بِطَرِيقِ الأجْرِ والجَزاءِ مِن أعْمالِ البِرِّ، وقَدْ أُطْلِقَتْ وأُرِيدَ بِها ثَمَراتُها، فالمَعْنى: نُوصِلُ إلَيْهِمْ ثَمَراتِ أعْمالِهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا كامِلَةً، وقُرِئَ (يُوَفِّ) عَلى الإسْنادِ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وتُوَفَّ بِالفَوْقانِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ أعْمالِهِمْ، وقُرِئَ (نُوفِي) بِالتَّخْفِيفِ والرَّفْعِ لِكَوْنِ الشَّرْطِ ماضِيًا كَقَوْلِهِ:

؎ وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ يَقُولُ لا غائِبٌ مالِي ولا حَرِمُ

‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: في الحَياةِ الدُّنْيا ‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: لا يُنْقَصُونَ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالبَخْسِ الَّذِي هو نَقْصُ الحَقِّ - مَعَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم شائِبَةُ حَقِّ فِيما أُوتُوهُ، كَما عُبِّرَ عَنْ إعْطائِهِ بِالتَّوْفِيَةِ الَّتِي هي إعْطاءُ الحُقُوقِ مَعَ أنَّ أعْمالَهم بِمَعْزِلٍ عَنْ كَوْنِها مُسْتَوْجَبَةً لِذَلِكَ - بِناءً لِلْأمْرِ عَلى ظاهِرِ الحالِ، ومُحافَظَةً عَلى صُوَرِ الأعْمالِ، ومُبالَغَةً في نَفْيِ النَّقْصِ، كَأنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ لِحُقُوقِهِمْ، فَلا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُقُوعِ والصُّدُورِ عَنِ الكَرِيمِ أصْلًا، والمَعْنى أنَّهم فِيها خاصَّةً لا يُنْقَصُونَ ثَمَراتِ أعْمالِهِمْ وأُجُورَها نَقْصًا كُلِّيًّا مُطَّرِدًا، ولا يُحْرَمُونَها حِرْمانًا كُلِّيًّا، وأمّا في الآخِرَةِ فَهم في الحِرْمانِ المُطْلَقِ واليَأْسِ المُحَقَّقِ، كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى:

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Those are the ones for whom there is not in the Hereafter but the Fire. And lost is what they did therein, and worthless is what they used to do.

‏‏‏‏‏ ... إلَخْ، فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ بِاعْتِبارِ إرادَتِهِمُ الحَياةَ الدُّنْيا، أوْ بِاعْتِبارِ تَوْفِيَتِهِمْ أُجُورَهم مِن غَيْرِ بَخْسٍ، أوْ بِاعْتِبارِهِما مَعًا وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في سُوءِ الحالِ، أيْ: أُولَئِكَ المُرِيدُونَ لِلْحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتَها المُوَفَّوْنَ فِيها ثَمَراتِ أعْمالِهِمْ مِن غَيْرِ بَخْسٍ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ لِأنَّ هِمَمَهم كانَتْ مَصْرُوفَةً إلى الدُّنْيا، وأعْمالَهم مَقْصُورَةً عَلى تَحْصِيلِها، وقَدِ (p-194)اجْتَنَبُوا ثَمَرَتَها، ولَمْ يَكُونُوا يُرِيدُونَ بِها شَيْئًا آخَرَ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَكُنْ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وعَذابُها المُخَلِّدُ.

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: ظَهَرَ في الآخِرَةِ حُبُوطُ ما صَنَعُوهُ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي كانَتْ تُؤَدِّي إلى الثَّوابِ لَوْ كانَتْ مَعْمُولَةً لِلْآخِرَةِ، أوْ حَبِطَ ما صَنَعُوهُ في الدُّنْيا مِن أعْمالِ البِرِّ إذْ شَرْطُ الِاعْتِدادِ بِها الإخْلاصُ ‏‏‏‏ أيْ: في نَفْسِهِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ في أثْناءِ تَحْصِيلِ المَطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ولِأجْلِ أنَّ الأوَّلَ مِن شَأْنِهِ اسْتِتْباعُ الثَّوابِ والأجْرِ، وأنَّ عَدَمَهُ لِعَدَمِ مُقارَنَتِهِ لِلْإيمانِ والنِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ، وأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ لَهُ جِهَةٌ صالِحَةٌ قَطُّ - عُلِّقَ بِالأوَّلِ الحُبُوطُ المُؤْذِنُ بِسُقُوطِ أجْرِهِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ المُنْبِئِ عَنِ الحُدُوثِ، وبِالثّانِي البُطْلانُ المُفْصِحُ عَنْ كَوْنِهِ بِحَيْثُ لا طائِلَ تَحْتَهُ أصْلًا بِالِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ وصْفًا لازِمًا لَهُ ثابِتًا فِيهِ، وفي زِيادَةِ كانَ في الثّانِي دُونَ الأوَّلِ إيماءٌ إلى أنَّ صُدُورَ أعْمالِ البِرِّ مِنهم -وَإنْ كانَ لِغَرَضٍ فاسِدٍ - لَيْسَ في الِاسْتِمْرارِ والدَّوامِ كَصُدُورِ الأعْمالِ الَّتِي هي مِن مُقَدِّماتِ مَطالِبِهِمُ الدَّنِيَّةِ، وقُرِئَ (وَبَطَلَ) عَلى الفِعْلِ، أيْ: ظَهَرَ بُطْلانُهُ حَيْثُ عُلِمَ هُناكَ أنَّ ذَلِكَ وما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِمّا لا طائِلَ تَحْتَهُ، أوِ انْقَطَعَ أثَرُهُ الدُّنْيَوِيُّ فَبَطَلَ مُطْلَقًا، وقُرِئَ (وَباطِلًا ما كانُوا يَعْمَلُونَ) عَلى أنَّ "ما" إبْهامِيَّةٌ، أوْ في مَعْنى المَصْدَرِ، كَقَوْلِهِ:

؎ ولا خارِجًا مِن في زُورُ كَلامِ

وَعَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "مَن كانَ يُرِيدُ" ... إلَخْ، اليَهُودُ والنَّصارى، إنْ أعْطَوْا سائِلًا، أوْ وصَلُوا رَحِمًا عُجِّلَ لَهم جَزاءُ ذَلِكَ بِتَوْسِعَةٍ في الرِّزْقِ وصِحَّةٍ في البَدَنِ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنَ المُنافِقِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأسْهَمَ لَهم في الغَنائِمِ، وأنْتُ خَبِيرٌ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ.

وَقِيلَ: هم أهْلُ الرِّياءِ، يُقالُ لِلْقُرّاءِ مِنهُمْ: أرَدْتَ أنْ يُقالَ: فُلانٌ قارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ، وهَكَذا لِغَيْرِهِ مِمَّنْ يَعْمَلُ أعْمالَ البِرِّ لا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، فَعَلى هَذا لا بُدَّ مِن تَقْيِيدِ قَوْلِهِ تَعالى:" لَيْسَ لَهم إلّا النّارُ " بِأنَّ لَيْسَ لَهم بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الرِّيائِيَّةِ إلّا ذَلِكَ، والَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّ المُرادَ بِهِ مُطْلَقُ الكَفَرَةِ، بِحَيْثُ يَنْدَرِجُ فِيهِمُ القادِحُونَ في القرآن العَظِيمِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، فَإنَّهُ - عَزَّ وعَلا - لَمّا أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَزْدادُوا عِلْمًا ويَقِينًا بِأنَّ القرآن مُنَزَّلٌ بِعِلْمِ اللَّهِ - وبِأنْ لا قُدْرَةَ لِغَيْرِهِ عَلى شَيْءٍ أصْلًا، وهَيَّجَهم عَلى الثَّباتِ عَلى الإسْلامِ والرُّسُوخِ فِيهِ عِنْدَ ظُهُورِ عَجْزِ الكَفَرَةِ، وما يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عَنِ المُعارَضَةِ، وتَبَيَّنَ أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ أصْلًا - اقْتَضى الحالُ أنْ يُتَعَرَّضَ لِبَعْضِ شُئُونِهِمُ المُوهِمَةِ لِكَوْنِهِمْ عَلى شَيْءٍ في الجُمْلَةِ مِن نَيْلِهِمُ الحُظُوظَ العاجِلَةَ، واسْتِيلائِهِمْ عَلى المَطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وبَيانِ أنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ، ولَقَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ أيَّ بَيانٍ، ثُمَّ أُعِيدَ التَّرْغِيبُ فِيما ذُكِرَ مِنَ الإيمان بالقرآن والتَّوْحِيدِ والإسْلامِ، فَقِيلَ:

Reading a passage 3 ayat 5 ayat 10 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

Hūd 11:14