All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur'an as one connected whole — why this verse follows that, and this surah that.

Al-ʿAnkabūt 29:69 Juzʾ 21 Page 404

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And those who strive for Us - We will surely guide them to Our ways. And indeed, Allah is with the doers of good.

Read in the muṣḥaf

ولَمّا كانَ هَذا كُلُّهُ في الَّذِينَ فُتِنُوا فَلَمْ يُجاهِدُوا أنْفُسَهم كانَ المَعْنى: فالَّذِينَ فَتَنّاهم فَوُجِدُوا كاذِبِينَ ضَلُّوا فَصارُوا لا يَعْقِلُونَ ولا يَعْلَمُونَ، لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَ المُجاهِدِينَ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: أوْقَعُوا الجِهادَ بِغايَةِ جُهْدِهِمْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ بِالمُفاعَلَةِ ‏‏‏‏ أيْ: بِسَبَبِ حَقِّنا ومُراقِبَتِنا خاصَّةً بِلُزُومِ الطّاعاتِ مِن جِهادِ الكُفّارِ وغَيْرِهِمْ (p-٤٨٢)مِن كُلِّ ما يَنْبَغِي الجِهادُ فِيهِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ في الشِّدَّةِ والرَّخاءِ، ومُخالَفَةِ الهَوى عِنْدَ هُجُومِ الفِتَنِ، وشَدائِدِ المِحَنِ، مُسْتَحْضِرِينَ لِعَظَمَتِنا.

ولَمّا كانَ الكُفّارُ يَنْكِرُونَ فَلاحَهم وكانَ المُفْلِحُ والظّافِرُ في كُلِّ شَيْءٍ هو المُهْتَدِي، قالَ مُعَبِّرًا بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبِّبِ: ‏‏‏‏‏‏‏ بِما نَجْعَلُ لَهم مِنَ النُّورِ الَّذِي لا يَضِلُّ مَن صَحِبَهُ، هِدايَةً يَلِيقُ بِعَظَمَتِنا ‏‏‏‏‏‏ أيْ: لا سُبُلَ غَيْرُها، عِلْمًا وعَمَلًا، ونَكُونُ مَعَهم بِلُطْفِنا ومَعُونَتِنا، لِأنَّهم أحْسَنُوا المُجاهَدَةَ فَهَنِيئًا لِمَن قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولَوْ فُواقَ ناقَةٍ لِهَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [محمد: ٤] ﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ [محمد: ٥] ولِهَذا كانَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: إذا اخْتَلَفَ النّاسُ فانْظُرُوا ما عَلَيْهِ أهْلُ الغَزْوِ.

ولَمّا كانَ المُحْسِنُ كُلَّما تَوَفَّرَ حَظُّهُ في مَقامِ الإحْسانِ نَقَصَ حَظُّهُ مِنَ الدُّنْيا، فَظَنَّ الأغْبِياءُ أنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ بِهِ عِنايَةٌ، عَظَّمَ التَّأْكِيدَ في قَوْلِهِ، [لافِتًا الكَلامَ عَنْ أُسْلُوبِ الجَلالِ إلى أجَلِّ عَنْهُ بِما زادَ مِنَ الجَمالِ] ‏‏ ‏‏ أيْ: بِعَظَمَتِهِ وجَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ وجَمِيعِ كَمالِهِ لَمَعَهم - هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ أرادَ الإعْلامَ بِإحْسابِهِمْ وتَعْلِيقِ الحُكِمِ (p-٤٨٣)بِالوَصْفِ والتَّعْمِيمِ فَأظْهَرَ قائِلًا: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: كُلِّهم بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ في دُنْياهم، والثَّوابِ والمَغْفِرَةِ في عُقْباهم، بِسَبَبِ جِهادِهِمْ لِأنَّهُ شُكْرٌ يَقْتَضِي الزِّيادَةَ، ومَن كانَ مَعَهُ سُبْحانَهُ فازَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ، وإنْ رَأى الجاهِلُ خِلافَ ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَجْعَلُ عِزَّهم مِن وراءِ ذُلٍّ ويَسْتُرُ غِناهم بِساتِرِ فَقْرٍ، حِمايَةً لَهم مِمّا يَجُرُّ إلَيْهِ دائِمُ العِزِّ مِنَ الكِبْرِ، ويَحْمِلُ عَلَيْهِ عَظِيمُ الغِنى مِنَ الطُّغْيانِ، وما أحْسَنَ ما نَقَلَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ في الرِّسالَةِ عَنِ الحارِثِ المُحاسِبِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن صَحَّحَ باطِنَهُ بِالمُراقَبَةِ والإخْلاصِ زَيَّنَ اللَّهُ ظاهِرَهُ بِالمُجاهَدَةِ واتِّباعِ السُّنَّةِ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ أوَّلًا الجِهادَ دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا، وثانِيًا: أنَّهُ مَعَ المُحْسِنِينَ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ المَعِيَّةِ والإحْسانِ أوَّلًا، فَقَدْ عانَقَ أوَّلُ السُّورَةِ هَذا الآخَرَ، وكانَ إلَيْهِ أعْظَمَ ناظِرٍ، فَنَسْألُ اللَّهَ العافِيَةَ مِنَ الفِتَنِ، والمُجاهَدَةَ إنْ كانَ لابُدَّ مِنَ المِحَنِ، وإلَيْهِ المَآبُ.

The same ayah, in another commentary

Al-ʿAnkabūt 29:69