﴿﴾؛ ولَمّا كانَ المُرادُ مُجَرَّدَ الِاطِّلاعِ؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿﴾؛ أيْ: اطَّلَعَ مُطَّلِعٌ؛ بِقَصْدٍ؛ أوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ؛ قالَ البَغَوِيُّ: وأصْلُهُ الوُقُوعُ عَلى الشَّيْءِ؛ أيْ: مِن ”عَثْرَةُ الرَّجُلِ“؛ ﴿ ﴾؛ أيْ: الشّاهِدَيْنِ إنْ أُرِيدَ بِهِما الحَقِيقَةُ؛ أوِ الوَصِيَّيْنِ؛ ﴿ ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ شَيْءٍ خانا فِيهِ مِن أمْرِ الشَّهادَةِ؛ ﴿﴾؛ أيْ: مِنَ الرِّجالِ الأقْرِباءِ لِلْمَيِّتِ؛ ﴿ ﴾؛ أيْ: لِيَفْعَلا؛ حَيْثُ اشْتَدَّتِ الرِّيبَةُ مِنَ الإقْسامِ عِنْدَ مُطْلَقِ الرِّيبَةِ؛ ما فَعَلا؛ ”مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ“؛ أيْ: طُلِبَ وُقُوعُ الحَقِّ بِشَهادَةِ مَن شَهِدَ ﴿﴾؛ هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ وعَلى قِراءَةِ حَفْصٍ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ؛ المَعْنى: وُجِدَ وُقُوعُ الحَقِّ عَلَيْهِمْ؛ وهم أهْلُ المَيِّتِ وعَشِيرَتُهُ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما مَنزِلَةُ هَذَيْنِ الآخَرَيْنِ مِنَ المَيِّتِ؟ فَقِيلَ: ﴿﴾؛ أيْ: الأحَقّانِ بِالشَّهادَةِ؛ الأقْرَبانِ إلَيْهِ؛ العارِفانِ بِتَواطُنِ أمْرِهِ؛ وعَلى قِراءَةِ أبِي بَكْرٍ؛ وحَمْزَةَ؛ بِالجَمْعِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: هُما مِنَ الأوَّلِينَ؛ أيْ: في الذِّكْرِ؛ وهم أهْلُ المَيِّتِ؛ فَهو نَعْتٌ لِـ ”الَّذِينَ اسْتُحِقَّ“؛ ﴿﴾؛ أيْ: هَذانَ الآخَرانِ؛ ﴿﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لا يُقْسَمُ إلّا بِهِ؛ لِما لَهُ مِن كَمالِ العِلْمِ؛ وشُمُولِ القُدْرَةِ؛ ﴿﴾؛ أيْ: بِما يُخالِفُ شَهادَةَ الحاضِرِينَ لِلْواقِعَةِ؛ ﴿ ﴾؛ أيْ: أثْبَتُ؛ فَإنَّ تِلْكَ إنَّما ثَباتُها في الظّاهِرِ؛ وشَهادَتُنا ثابِتَةٌ في نَفْسِ الأمْرِ؛ وساعَدَها الظّاهِرُ بِما عُثِرَ عَلَيْهِ مِنَ الرِّيبَةِ؛ (p-٣٣٣)﴿ ﴾؛ أيْ: تَعَمَّدْنا في يَمِينِنا مُجاوَزَةَ الحَقِّ؛ ﴿ ﴾؛ أيْ: إذا وقَعَ مِنّا اعْتِداءٌ؛ ﴿ ﴾؛ أيْ: الواضِعِينَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ كَمَن يَمْشِي في الظَّلامِ؛ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهم عَلى بَصِيرَةٍ ونُورٍ مِمّا شَهِدُوا بِهِ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا وُجِدَ الإناءُ الَّذِي فَقَدَهُ أهْلُ المَيِّتِ؛ وحَلَفَ الدّارِيّانِ بِسَبَبِهِ أنَّهُما ما خانا؛ طالَبُوهُما؛ فَقالا: كُنّا اشْتَرَيْناهُ مِنهُ؛ فَقالُوا: ألَمْ نَقُلْ لَكُما: هَلْ باعَ صاحِبُنا شَيْئًا؟ فَقُلْتُما: لا؟ فَقالا: لَمْ يَكُنْ عِنْدَنا بَيِّنَةٌ؛ فَكَرِهْنا أنْ نُقِرَّ لَكُمْ؛ فَرَفَعُوا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأمَرَ فَقامَ اثْنانِ مِن أقارِبِ المَيِّتِ؛ فَحَلَفا عَلى الإناءِ؛ فَدَفَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ إلَيْهِما؛ لِأنَّ الوَصِيَّيْنِ ادَّعَيا عَلى المَيِّتِ البَيْعَ؛ فَصارَ اليَمِينُ في جانِبِ الوَرَثَةِ؛ لِأنَّهم أنْكَرُوا؛ وسَمّى أيْمانَ الفَرِيقَيْنِ شَهادَةً؛ كَما سُمِّيَتْ أيْمانُ المُتَلاعِنَيْنِ شَهادَةً - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ الشّافِعِيُّ؛ وكانَ ذَلِكَ لِما في البابَيْنِ مِن مَزِيدِ التَّأْكِيدِ.