All commentaries

إرشاد العقل السليم

Abū al-Suʿūd

أبو السعود العمادي (ت ٩٨٢ هـ)

Ottoman and elegant, attentive to why the words fall as they do.

Al-Baqarah 2:13 Juzʾ 1 Page 3

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And when it is said to them, "Believe as the people have believed," they say, "Should we believe as the foolish have believed?" Unquestionably, it is they who are the foolish, but they know [it] not.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏؛ مِن قِبَلِ المُؤْمِنِينَ؛ بِطَرِيقِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ إثْرَ نَهْيِهِمْ عَنِ المُنْكَرِ إتْمامًا لِلنُّصْحِ؛ وإكْمالًا لِلْإرْشادِ: ‏‏‏‏‏‏؛ حُذِفَ المُؤْمَنُ بِهِ لِظُهُورِهِ؛ أوْ أُرِيدَ: افْعَلُوا الإيمانَ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏؛ الكافُ في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: آمِنُوا إيمانًا مُماثِلًا لِإيمانِهِمْ؛ فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ؛ أوْ كافَّةٌ؛ كَما في "رُبَّما"؛ فَإنَّها تَكُفُّ الحَرْفَ عَنِ العَمَلِ؛ وتُصَحِّحُ دُخُولَها عَلى الجُمْلَةِ؛ وتَكُونُ لِلتَّشْبِيهِ بَيْنَ مَضْمُونَيِ الجُمْلَتَيْنِ؛ أيْ: حَقِّقُوا إيمانَكم كَما تَحَقَّقَ إيمانُهُمْ؛ واللّامُ لِلْجِنْسِ؛ والمُرادُ بِالنّاسِ: الكامِلُونَ في الإنْسانِيَّةِ؛ العامِلُونَ بِقَضِيَّةِ العَقْلِ؛ فَإنَّ اسْمَ الجِنْسِ؛ كَما يُسْتَعْمَلُ في مُسَمّاهُ؛ يُسْتَعْمَلُ فِيما يَكُونُ جامِعًا لِلْمَعانِي الخاصَّةِ بِهِ؛ المَقْصُودَةِ مِنهُ؛ ولِذَلِكَ يُسْلَبُ عَمّا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَيُقالُ: هو لَيْسَ بِإنْسانٍ؛ وقَدْ جَمَعَهُما مَن قالَ:

؎ ∗∗∗ إذِ النّاسُ ناسٌ والزَّمانُ زَمانُ

أوْ لِلْعَهْدِ؛ والمُرادُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ ومَن مَعَهُ؛ أوْ مَن آمَنَ مِن أهْلِ جِلْدَتِهِمْ؛ كابْنِ سَلامٍ؛ وأضْرابِهِ؛ والمَعْنى: آمِنُوا إيمانًا مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ؛ مُتَمَحِّضًا عَنْ شَوائِبِ النِّفاقِ؛ مُماثِلًا لِإيمانِهِمْ؛ ‏‏‏‏‏؛ مُقابِلِينَ لِلْأمْرِ بِالمَعْرُوفِ بِالإنْكارِ المُنْكِرِ؛ واصِفِينَ لِلْمَراجِيحِ الرِّزانِ بِضِدِّ أوْصافِهِمُ الحِسانِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏؛ مُشِيرِينَ بِاللّامِ إلى مَن أُشِيرَ إلَيْهِمْ في النّاسِ مِنَ الكامِلِينَ؛ أوِ المَعْهُودِينَ؛ أوْ إلى الجِنْسِ بِأسْرِهِ؛ وهم مُنْدَرِجُونَ فِيهِ عَلى زَعْمِهِمُ الفاسِدِ؛ والسَّفَهُ: خِفَّةٌ وسَخافَةُ رَأْيٍ؛ يُورِثُهُما قُصُورُ العَقْلِ؛ ويُقابِلُهُ الحِلْمُ والأناةُ؛ وإنَّما نَسَبُوهم إلَيْهِ مَعَ أنَّهم في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الرُّشْدِ والرَّزانَةِ والوَقارِ؛ لِكَمالِ انْهِماكِ أنْفُسِهِمْ في السَّفاهَةِ؛ وتَمادِيهِمْ في الغَوايَةِ؛ وكَوْنِهِمْ مِمَّنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا؛ فَمَن حَسِبَ الضَّلالَ هُدًى يُسَمِّي الهُدى لا مَحالَةَ ضَلالًا؛ أوْ لِتَحْقِيرِ شَأْنِهِمْ؛ فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا فُقَراءَ؛ ومِنهم مَوالٍ كَصُهَيْبٍ؛ وبِلالٍ؛ أوْ لِلتَّجَلُّدِ؛ وعَدَمِ المُبالاةِ بِمَن آمَنَ مِنهُمْ؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالنّاسِ عَبَدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ؛ وأمْثالَهُ؛ وأيًّا ما كانَ فالَّذِي يَقْتَضِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ؛ ويَسْتَدْعِيهِ فَخامَةُ شَأْنِهِ الجَلِيلِ أنْ يَكُونَ صُدُورُ هَذا القَوْلِ عَنْهم - بِمَحْضَرٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ النّاصِحِينَ لَهم - جَوابًا (p-45)عَنْ نَصِيحَتِهِمْ؛ وحَيْثُ كانَ فَحْواهُ تَسْفِيهَ أُولَئِكَ المَشاهِيرِ الأعْلامِ؛ والقَدَحَ في إيمانِهِمْ لَزِمَ كَوْنُهم مُجاهِرِينَ؛ مُنافِقِينَ؛ وذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يُساعِدُهُ السِّباقُ والسِّياقُ؛ وعَنْ هَذا قالُوا: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِيما بَيْنَهُمْ؛ لا عَلى وجْهِ المُؤْمِنِينَ؛ قالَ الإمامُ الواحِدِيُّ: إنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ هَذا القَوْلَ فِيما بَيْنَهُمْ؛ لا عِنْدَ المُؤْمِنِينَ؛ فَأخْبَرَ اللَّهُ (تَعالى) نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ عَنْهم. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ إبْرازَ ما صَدَرَ عَنْ أحَدِ المُتَحاوِرَيْنِ في الخَلاءِ في مَعْرِضِ ما جَرى بَيْنَهُما في مَقامِ المُحاوَرَةِ مِمّا لا عَهْدَ بِهِ في الكَلامِ؛ فَضْلًا عَمّا هو في مَنصِبِ الإعْجازِ؛ فالحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ أنَّ قَوْلَهم هَذا - وإنْ صَدَرَ عَنْهم بِمَحْضَرٍ مِنَ النّاصِحِينَ - لا يَقْتَضِي كَوْنَهم مُجاهِرِينَ؛ فَإنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الكُفْرِ أنِيقٌ؛ وفَنٌّ في النِّفاقِ عَرِيقٌ؛ مَصْنُوعٌ عَلى شاكِلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾؛ فَكَما أنَّهُ كَلامٌ ذُو وجْهَيْنِ مِثْلُهم مُحْتَمِلٌ لِلشَّرِّ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنى: اسْمَعْ مِنّا غَيْرَ مُسْمَعٍ كَلامًا تَرْضاهُ؛ ونَحْوِهِ؛ ولِلْخَيْرِ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنى: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًا؛ كانُوا يُخاطِبُونَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتِهْزاءً بِهِ؛ مُظْهِرِينَ إرادَةَ المَعْنى الأخِيرِ؛ وهم مُضْمِرُونَ في أنْفُسِهِمُ المَعْنى الأوَّلَ؛ مُطْمَئِنُّونَ بِهِ؛ ولِذَلِكَ نُهُوا عَنْهُ. كَذَلِكَ هَذا الكَلامُ مُحْتَمِلٌ لِلشَّرِّ؛ كَما ذُكِرَ في تَفْسِيرِهِ؛ ولِلْخَيْرِ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى ادِّعاءِ الإيمانِ؛ كَإيمانِ النّاسِ؛ وإنْكارِ ما اتُّهِمُوا بِهِ مِنَ النِّفاقِ؛ عَلى مَعْنى: أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ والمَجانِينُ الَّذِينَ لا اعْتِدادَ بِإيمانِهِمْ لَوْ آمَنُوا؛ ولا نُؤْمِنُ كَإيمانِ النّاسِ حَتّى تَأْمُرُونا بِذَلِكَ؟ قَدْ خاطَبُوا بِهِ النّاصِحِينَ اسْتِهْزاءً بِهِمْ؛ مُرائِينَ لِإرادَةِ المَعْنى الأخِيرِ؛ وهم مُعَوِّلُونَ عَلى الأوَّلِ؛ فَرُدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - عَزَّ قائِلًا -: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أبْلَغِ رَدٍّ؛ وجُهِّلُوا أشْنَعَ تَجْهِيلٍ؛ حَيْثُ صُدِّرَتِ الجُمْلَةُ بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ؛ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما سَلَفَ؛ وجُعِلَتِ السَّفاهَةُ مَقْصُورَةً عَلَيْهِمْ؛ وبالِغَةً إلى حَيْثُ يَدْرُونَ أنَّهم سُفَهاءُ؛ ومِن هَذا اتَّضَحَ سِرُّ ما مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ فَإنَّ حَمْلَهُ عَلى المَعْنى الأخِيرِ - كَما هو رَأْيُ الجُمْهُورِ - مُنافٍ لِحالِهِمْ ضَرُورَةً؛ إنَّ مُشافَهَتَهم لِلنّاصِحِينَ - بِادِّعاءِ كَوْنِ ما نُهُوا عَنْهُ مِنَ الإفْسادِ إصْلاحًا؛ كَما مَرَّ - إظْهارٌ مِنهم لِلشِّقاقِ؛ وبُرُوزُ أشْخاصِهِمْ مِن نَفَقِ النِّفاقِ؛ والِاعْتِذارُ بِأنَّ المُرادَ بِما نُهُوا عَنْهُ مُداراتُهم لِلْمُشْرِكِينَ؛ كَما ذُكِرَ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ؛ وبِالإصْلاحِ الَّذِي يَدَّعُونَهُ إصْلاحُ ما بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ؛ وأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏؛ أنَّهم في تِلْكَ المُعامَلَةِ مُفْسِدُونَ لِمَصالِحِ المُؤْمِنِينَ؛ لِإشْعارِها بِإعْطاءِ الدَّنِيَّةِ؛ وإنْبائِها عَنْ ضَعْفِهِمُ المُلْجِئِ إلى تَوْسِيطِ مَن يَتَصَدّى لِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ؛ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِمْ مُصْلِحِينَ؛ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ قَطْعًا؛ فَإنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏؛ ناطِقٌ بِفَسادِهِ؛ كَيْفَ لا.. وإنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُنافِقُونَ في تِلْكَ الدَّعْوى صادِقِينَ؛ قاصِدِينَ لِلْإصْلاحِ؛ ويَأْتِيهِمُ الإفْسادُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ؟ ولا رَيْبَ في أنَّهم فِيها كاذِبُونَ؛ لا يُعاشِرُونَهم إلّا مُضارَّةً لِلدِّينِ؛ وخِيانَةً لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فَإذَنْ طَرِيقُ حَلِّ الإشْكالِ لَيْسَ إلّا ما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ فَإنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ؛ مُحْتَمِلٌ لِلْحَمْلِ عَلى الكَذِبِ؛ وإنْكارُ صُدُورِ الإفْسادِ المَنسُوبِ إلَيْهِمْ عَنْهم عَلى مَعْنى: إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ؛ لا يَصْدُرُ عَنّا ما تَنْهَوْنَنا عَنْهُ مِنَ الإفْسادِ؛ وقَدْ خاطَبُوا بِهِ النّاصِحِينَ اسْتِهْزاءً بِهِمْ؛ وإراءَةً؛ لِإرادَةِ هَذا المَعْنى؛ وهم مُعَرِّجُونَ عَلى المَعْنى الأوَّلِ؛ فَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏؛ الآيَةِ.. واللَّهُ - سُبْحانَهُ - أعْلَمُ بِما أوْدَعَهُ في تَضاعِيفِ كِتابِهِ المَكْنُونِ؛ مِنَ السِّرِّ المَخْزُونِ؛ نَسْألُهُ العِصْمَةَ والتَّوْفِيقَ؛ والهِدايَةَ إلى سَواءِ الطَّرِيقِ. وتَفْصِيلُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِـ "لا يَعْلَمُونَ" لِما أنَّهُ أكْثَرُ طِباقًا لِذِكْرِ السَّفَهِ الَّذِي هو فَنٌّ مِن فُنُونِ الجَهْلِ؛ ولِأنَّ الوُقُوفَ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ ثابِتُونَ عَلى الحَقِّ؛ وهم عَلى (p-46)

الباطِلِ مَنُوطٌ بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ؛ وذَلِكَ مِمّا لا يَتَسَنّى إلّا بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ؛ وأمّا النِّفاقُ وما فِيهِ مِنَ الفِتْنَةِ والإفْسادِ؛ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن كَوْنِ مَن يَتَّصِفُ بِهِ مُفْسِدًا؛ فَأمْرٌ بَدِيهِيٌّ يَقِفُ عَلَيْهِ مَن لَهُ شُعُورٌ؛ ولِذَلِكَ فُصِّلَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ السّابِقَةُ بِـ "لا يَشْعُرُونَ".

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And when they meet those who believe, they say, "We believe"; but when they are alone with their evil ones, they say, "Indeed, we are with you; we were only mockers."

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏: بَيانٌ لِتَبايُنِ أحْوالِهِمْ؛ وتَناقُضِ أقْوالِهِمْ في أثْناءِ المُعامَلَةِ والمُخاطَبَةِ؛ حَسَبَ تَبايُنِ المُخاطَبِينَ؛ ومَساقِ ما صُدِّرَتْ بِهِ قِصَّتُهُمْ؛ لِتَحْرِيرِ مَذْهَبِهِمْ؛ والتَّرْجَمَةِ عَنْ نِفاقِهِمْ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يُتَعَرَّضْ هَهُنا لِمُتَعَلَّقِ الإيمانِ؛ فَلَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ التَّكْرِيرِ؛ رُوِيَ «أنَّ عَبَدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ؛ وأصْحابَهُ خَرَجُوا ذاتَ يَوْمٍ؛ فاسْتَقْبَلَهم نَفَرٌ مِنَ الصَّحابَةِ؛ فَقالَ ابْنُ أُبَيٍّ: انْظُرُوا كَيْفَ أرُدُّ هَؤُلاءِ السُّفَهاءِ عَنْكُمْ؛ فَلَمّا دَنَوْا مِنهم أخَذَ بِيَدِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالَ: مَرْحَبًا بِالصِّدِّيقِ؛ سَيِّدِ بَنِي تَمِيمٍ؛ وشَيْخِ الإسْلامِ؛ وثانِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الغارِ؛ الباذِلِ نَفْسَهُ؛ ومالَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ؛ ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالَ: مَرْحَبًا بِسَيِّدِ بَنِي عَدِيٍّ؛ الفارُوقِ؛ القَوِيِّ في دِينِهِ؛ الباذِلِ نَفْسَهُ ومالَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - فَقالَ: مَرْحَبًا بِابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وخَتَنِهِ؛ وسَيِّدِ بَنِي هاشِمٍ؛ ما خَلا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ فَنَزَلَتْ؛ وقِيلَ: قالَ لَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يا عَبْدَ اللَّهِ؛ اتَّقِ اللَّهَ؛ ولا تُنافِقْ؛ فَإنَّ المُنافِقِينَ شَرُّ خَلْقِ اللَّهِ (تَعالى)؛ فَقالَ لَهُ: مَهْلًا يا أبا الحَسَنِ؛ أفِيَّ تَقُولُ هَذا؟ واللَّهِ إنَّ إيمانَنا كَإيمانِكُمْ؛ وتَصْدِيقَنا كَتَصْدِيقِكُمْ؛ ثُمَّ افْتَرَقُوا؛ فَقالَ ابْنُ أُبَيٍّ لِأصْحابِهِ: كَيْفَ رَأيْتُمُونِي فَعَلْتُ؟ فَإذا رَأيْتُمُوهم فافْعَلُوا مِثْلَ ما فَعَلْتُ؛ فَأثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا؛ وقالُوا: ما نَزالُ بِخَيْرٍ ما عِشْتَ فِينا؛ فَرَجَعَ المُسْلِمُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأخْبَرُوهُ بِذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ.» واللِّقاءُ: المُصادَفَةُ؛ يُقالُ: لَقِيتُهُ؛ ولاقَيْتُهُ؛ أيْ: صادَفْتُهُ واسْتَقْبَلْتُهُ؛ وقُرِئَ: "إذا لاقَوْا".

‏‏‏ ‏‏‏‏: مِن خَلَوْتُ إلى فُلانٍ؛ أيِ انْفَرَدْتُ مَعَهُ؛ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِالباءِ؛ أوْ مِن "خَلا" بِمَعْنى مَضى؛ ومِنهُ: القُرُونُ الخالِيَةُ؛ وقَوْلُهُمْ: خَلاكَ ذَمٌّ؛ أيْ: جاوَزَكَ ومَضى عَنْكَ؛ وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُهُ مِن "خَلَوْتُ بِهِ"؛ إذا سَخِرْتُ مِنهُ؛ عَلى أنَّ تَعْدِيَتَهُ بِـ "إلى" في قَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏؛ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإنْهاءِ؛ أيْ: وإذا أنْهَوْا إلَيْهِمُ السُّخْرِيَةَ.. إلَخْ.. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ تَقْيِيدَ قَوْلِهِمُ المَحْكِيِّ بِذَلِكَ الإنْهاءِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ؛ والمُرادُ بِـ "شَياطِينِهِمْ": المُماثِلُونَ مِنهم لِلشَّيْطانِ في التَّمَرُّدِ والعِنادِ؛ المُظْهِرُونَ لِكُفْرِهِمْ؛ وإضافَتُهم إلَيْهِمْ لِلْمُشارَكَةِ في الكُفْرِ؛ أوْ كِبارُ المُنافِقِينَ؛ والقائِلُونَ؛ صِغارُهُمْ؛ وجَعَلَ سِيبَوَيْهِ نُونَ الشَّيْطانِ تارَةً أصْلِيَّةً؛ فَوَزْنُهُ "فَيْعالٌ"؛ عَلى أنَّهُ مِن "شَطَنَ"؛ إذا بَعُدَ؛ فَإنَّهُ بَعِيدٌ مِنَ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ؛ ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُمْ: تَشَيْطَنَ؛ وأُخْرى زائِدَةً؛ فَوَزْنُهُ "فَعْلانٌ"؛ عَلى أنَّهُ مِن "شاطَ"؛ أيْ: هَلَكَ؛ أوْ بَطَلَ؛ ومِن أسْمائِهِ الباطِلُ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: هاجَ واحْتَرَقَ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏؛ أيْ في الدِّينِ والِاعْتِقادِ؛ لا نُفارِقُكم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ؛ وإنَّما خاطَبُوهم بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُؤَكِّدَةِ لِأنَّ مُدَّعاهم عِنْدَهم تَحْقِيقُ الثَّباتِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ؛ والتَّأْكِيدُ لِلْإنْباءِ عَنْ صِدْقِ رَغْبَتِهِمْ؛ ووُفُورِ نَشاطِهِمْ؛ لا لِإنْكارِ الشَّياطِينِ؛ بِخِلافِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَ المُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّهم إنَّما يَدَّعُونَ عِنْدَهم إحْداثَ الإيمانِ؛ لِجَزْمِهِمْ بَعَدَمِ رَواجِ ادِّعاءِ الكَمالِ فِيهِ؛ أوِ الثَّباتِ عَلَيْهِ؛ ‏‏‏‏ ‏‏؛ أيْ: في إظْهارِ الإيمانِ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ ‏‏‏‏‏‏‏‏؛ بِهِمْ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ بِبالِنا الإيمانُ حَقِيقَةً؛ وهو اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ ناشِئٍ مِنَ ادِّعاءِ المَعِيَّةِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ لَهم - عِنْدَ قَوْلِهِمْ: إنّا مَعَكم -: فَما بالُكم تُوافِقُونَ المُؤْمِنِينَ في الإتْيانِ بِكَلِمَةِ الإيمانِ؟ فَقالُوا: إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ؛ فَلا يَقْدَحُ ذَلِكَ في (p-47)

كَوْنِنا مَعَكُمْ؛ بَلْ يُؤَكِّدُهُ؛ وقَدْ ضَمَّنُوا جَوابَهم أنَّهم يُهِينُونَ المُؤْمِنِينَ؛ ويَعُدُّونَ ذَلِكَ نُصْرَةً لِدِينِهِمْ؛ أوْ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ؛ فَإنَّ المُسْتَهْزِئَ بِالشَّيْءِ مُصِرٌّ عَلى خِلافِهِ؛ أوْ بَدَلٌ مِنهُ؛ لِأنَّ مَن حَقَّرَ الإسْلامَ فَقَدْ عَظَّمَ الكُفْرَ. والِاسْتِهْزاءُ بِالشَّيْءِ: السُّخْرِيَةُ مِنهُ؛ يُقالُ: هَزَأْتُ؛ واسْتَهْزَأْتُ؛ بِمَعْنًى؛ وأصْلُهُ الخِفَّةُ مِن "الهَزْءُ"؛ وهو القَتْلُ السَّرِيعُ؛ وهَزَأ؛ يَهْزَأُ؛ ماتَ عَلى مَكانِهِ؛ وتَهْزَأُ بِهِ ناقَتُهُ أيْ تُسْرِعُ بِهِ وتَخِفُّ.

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

[But] Allah mocks them and prolongs them in their transgression [while] they wander blindly.

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏: أيْ يُجازِيهِمْ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ؛ سُمِّيَ جَزاؤُهُ بِاسْمِهِ؛ كَما سُمِّيَ جَزاءُ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةً؛ إمّا لِلْمُشاكَلَةِ في اللَّفْظِ؛ أوِ المُقارَنَةِ في الوُجُودِ؛ أوْ يَرْجِعُ وبالُ الِاسْتِهْزاءِ عَلَيْهِمْ؛ فَيَكُونُ كالمُسْتَهْزِئِ بِهِمْ؛ أوْ يُنْزِلُ بِهِمُ الحَقارَةَ؛ والهَوانَ الَّذِي هو لازِمُ الِاسْتِهْزاءِ؛ أوْ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ المُسْتَهْزِئِ بِهِمْ؛ أمّا في الدُّنْيا فَبِإجْراءِ أحْكامِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ؛ واسْتِدْراجِهِمْ بِالإمْهالِ؛ والزِّيادَةِ في النِّعْمَةِ عَلى التَّمادِي في الطُّغْيانِ؛ وأمّا في الآخِرَةِ فَبِما يُرْوى أنَّهُ يُفْتَحُ لَهم بابٌ إلى الجَنَّةِ فَيُسْرِعُونَ نَحْوَهُ؛ فَإذا صارُوا إلَيْهِ سُدَّ عَلَيْهِمُ البابُ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ وإنَّما اسْتُؤْنِفَ لِلْإيذانِ بِأنَّهم قَدْ بَلَغُوا في المُبالَغَةِ في اسْتِهْزاءِ المُؤْمِنِينَ إلى غايَةٍ؛ ظَهَرَتْ شَناعَتُهُ عِنْدَ السّامِعِينَ؛ وتَعاظَمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَتّى اضْطَرَّهم إلى أنْ يَقُولُوا: ما مَصِيرُ أمْرِ هَؤُلاءِ؟ وما عاقِبَةُ حالِهِمْ؟ وفِيهِ أنَّهُ (تَعالى) هو الَّذِي يَتَوَلّى أمْرَهُمْ؛ ولا يُحْوِجُهم إلى المُعارَضَةِ بِالمِثْلِ؛ ويَسْتَهْزِئُ بِهِمْ الِاسْتِهْزاءَ الأبْلَغَ؛ الَّذِي لَيْسَ اسْتِهْزاؤُهم عِنْدَهُ مِن بابِ الِاسْتِهْزاءِ؛ حَيْثُ يُنْزِلُ بِهِمْ مِنَ النَّكالِ؛ ويُحِلُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ ما لا يُوصَفُ؛ وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ؛ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ - عَزَّ قائِلًا -: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾؛ وما كانُوا خالِينَ في أكْثَرِ الأوْقاتِ مِن تَهَتُّكِ أسْتارٍ؛ وتَكَشُّفِ أسْرارٍ؛ ونُزُولٍ في شَأْنِهِمْ؛ واسْتِشْعارِ حَذَرٍ مِن ذَلِكَ؛ كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

‏‏‏‏‏‏: أيْ: يَزِيدُهم ويُقَوِّيهِمْ؛ مِن "مَدَّ الجَيْشَ"؛ و"أمَدَّهُ"؛ إذا زادَهُ وقَوّاهُ؛ ومِنهُ: مَدَدْتُ الدَّواةَ؛ والسِّراجَ؛ إذا أصْلَحَتُهُما بِالحِبْرِ؛ والزَّيْتِ؛ وإيثارُهُ عَلى "يَزِيدُهُمْ" لِلرَّمْزِ إلى أنَّ ذَلِكَ مَنُوطٌ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ؛ لِما أنَّهُ إنَّما يَتَحَقَّقُ عِنْدَ الِاسْتِمْدادِ؛ وما يَجْرِي مُجْراهُ مِنَ الحاجَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ؛ كَما في الأمْثِلَةِ المَذْكُورَةِ؛ وقُرِئَ: "يُمِدُّهُمْ" مِن "الإمْدادُ"؛ وهو صَرِيحٌ في أنَّ القِراءَةَ المَشْهُورَةَ لَيْسَتْ مِنَ المَدِّ في العُمْرِ؛ عَلى أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِاللّامِ كَـ "الإمْلاءُ"؛ قالَ (تَعالى): ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏؛ وحَذْفُ الجارِّ؛ وإيصالُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ - خِلافَ الأصْلِ - لا يُصارُ إلَيْهِ إلّا بِدَلِيلٍ.

‏ ‏‏‏‏‏‏: مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَمُدُّهُمْ"؛ والطُّغْيانُ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ في كُلِّ أمْرٍ؛ والمُرادُ إفْراطُهم في العُتُوِّ؛ وغُلُوُّهم في الكُفْرِ؛ وقُرِئَ بِكَسْرِ الطّاءِ؛ وهي لُغَةٌ فِيهِ؛ كَـ "لِقْيانٌ"؛ لُغَةٍ في "لُقْيانٌ"؛ وفي إضافَتِهِ إلَيْهِمْ إيذانٌ بِاخْتِصاصِهِ بِهِمْ؛ وتَأْيِيدٌ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن تَرَتُّبِ المَدِّ عَلى سُوءِ اخْتِيارِهِمْ.

‏‏‏‏‏‏: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ؛ أوِ المَجْرُورِ؛ لِكَوْنِ المُضافِ مَصْدَرًا؛ فَهو مَرْفُوعٌ حُكْمًا؛ والعَمَهُ في البَصِيرَةِ كالعَمى في البَصَرِ؛ وهو التَّحَيُّرُ؛ والتَّرَدُّدُ؛ بِحَيْثُ لا يَدْرِي أيْنَ يَتَوَجَّهُ؛ وإسْنادُ هَذا المَدِّ إلى اللَّهِ (تَعالى) - مَعَ إسْنادِهِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ - مُحَقِّقٌ لِقاعِدَةِ أهْلِ الحَقِّ مِن أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ مُسْتَنِدٌ - مِن حَيْثُ الخَلْقُ - إلَيْهِ - سُبْحانَهُ -؛ وإنْ كانَتْ أفْعالُ العِبادِ - مِن حَيْثُ الكَسْبُ - مُسْتَنِدَةً إلَيْهِمْ؛ والمُعْتَزِلَةُ - لَمّا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ إجْراءُ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى (p-48)

مَسْلَكِهِ - نَكَبُوا إلى شِعابِ التَّأْوِيلِ؛ فَأجابُوا أوَّلًا بِأنَّهم لَمّا أصَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ خَذَلَهُمُ اللَّهُ (تَعالى)؛ ومَنَعَهم ألْطافَهُ؛ فَتَزايَدَ الرَّيْنُ في قُلُوبِهِمْ؛ فَسُمِّيَ ذَلِكَ مَدَدًا في الطُّغْيانِ؛ فَأُسْنِدَ إيلاؤُهُ إلَيْهِ (تَعالى)؛ فَفي السَّنَدِ مَجازٌ لُغَوِيٌّ؛ وفي الإسْنادِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّهُ إسْنادٌ لِلْفِعْلِ إلى المُسَبِّبِ لَهُ؛ وفاعِلُهُ الحَقِيقِيُّ هُمُ الكَفَرَةُ؛ وثانِيًا بِأنَّهُ أُرِيدَ بِالمَدِّ في الطُّغْيانِ تَرْكُ القَسْرِ والإلْحادِ؛ إلى الإيمانِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ فالمَجازُ في المُسْنَدِ فَقَطْ؛ وثالِثًا بِأنَّ المُرادَ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ؛ وهو فِعْلُ الشَّيْطانِ؛ لَكِنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - مَجازًا؛ لِأنَّهُ بِتَمْكِينِهِ (تَعالى)؛ وإقْدارِهِ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Those are the ones who have purchased error [in exchange] for guidance, so their transaction has brought no profit, nor were they guided.

‏‏‏‏‏: إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ؛ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ الشَّنِيعَةِ المُمَيِّزَةِ لَهم عَمَّنْ عَداهم أكْمَلَ تَمْيِيزٍ؛ بِحَيْثُ صارُوا كَأنَّهم حُضّارٌ؛ مُشاهِدُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرِّ؛ وسُوءِ الحالِ؛ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ؛ عَلى الِابْتِداءِ؛ خَبَرُهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها؛ وبَيانٌ لِكَمالِ جَهالَتِهِمْ فِيما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الأقْوالِ؛ والأفْعالِ؛ بِإظْهارِ غايَةِ سَماجَتِها؛ وتَصْوِيرِها بِصُورَةِ ما لا يَكادُ يَتَعاطاهُ مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ؛ فَضْلًا عَنِ العُقَلاءِ. والضَّلالَةُ: الجَوْرُ عَنِ القَصْدِ؛ والهُدى: التَّوَجُّهُ إلَيْهِ؛ وقَدِ اسْتُعِيرَ الأوَّلُ لِلْعُدُولِ عَنِ الصَّوابِ في الدِّينِ؛ والثّانِي لِلِاسْتِقامَةِ عَلَيْهِ. والِاشْتِراءُ: اسْتِبْدالُ السِّلْعَةِ بِالثَّمَنِ؛ أيْ أخْذُها بِهِ؛ لا بَذْلُهُ لِتَحْصِيلِها؛ كَما قِيلَ؛ وإنْ كانَ مُسْتَلْزِمًا لَهُ؛ فَإنَّ المُعْتَبَرَ في عَقْدِ الشِّراءِ ومَفْهُومِهِ هو الجَلْبُ؛ دُونَ السَّلْبِ؛ الَّذِي هو المُعْتَبَرُ في عَقْدِ البَيْعِ؛ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِأخْذِ شَيْءٍ بِإعْطاءِ ما في يَدِهِ - عَيْنًا كانَ كُلٌّ مِنهُما أوْ مَعْنًى -؛ لا لِلْإعْراضِ عَمّا في يَدِهِ مُحَصِّلًا بِهِ غَيْرَهُ؛ كَما قِيلَ؛ وإنِ اسْتَلْزَمَهُ؛ لِما مَرَّ سِرُّهُ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ:

أخَذْتُ بِالجُمَّةِ رَأْسًا أزْعَرا ... وبِالثَّنايا الواضِحاتِ الدُّرْدُرا

وَبِالطَّوِيلِ العُمْرِ عُمْرًا جَيْدَرا ... كَما اشْتَرى المُسْلِمُ إذْ تَنَصَّرا

فاشْتِراءُ الضَّلالَةِ بِالهُدى مُسْتَعارٌ لِأخْذِها بَدَلًا مِنهُ أخْذًا مَنُوطًا بِالرَّغْبَةِ فِيها؛ والإعْراضِ عَنْهُ؛ ولَمّا اقْتَضى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ ما يُجْرى مُجْرى الثَّمَنِ حاصِلًا لِلْكَفَرَةِ قَبْلَ العَقْدِ؛ وما يُجْرى مُجْرى المَبِيعِ غَيْرَ حاصِلٍ لَهم إذْ ذاكَ؛ حَسْبَما هو في البَيْتِ؛ ولا رَيْبَ في أنَّهم بِمَعْزِلٍ مِنَ الهُدى؛ مُسْتَمِرُّونَ عَلى الضَّلالَةِ؛ اسْتَدْعى الحالُ تَحْقِيقَ ما جَرى مُجْرى العِوَضَيْنِ؛ فَنَقُولُ - وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ -: لَيْسَ المُرادُ بِما تُعَلِّقَ بِهِ الِاشْتِراءُ هَهُنا جِنْسَ الضَّلالَةِ الشّامِلَةِ لِجَمِيعِ أصْنافِ الكَفَرَةِ؛ حَتّى تَكُونَ حاصِلَةً لَهم مِن قَبْلُ؛ بَلْ هو فَرْدُها الكامِلُ الخاصُّ بِهَؤُلاءِ؛ عَلى أنَّ اللّامَ لِلْعَهْدِ؛ وهو عَمَهُهُمُ المَقْرُونُ بِالمَدِّ في الطُّغْيانِ؛ المُتَرَتِّبُ عَلى ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ القَبائِحِ؛ وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ لَهم عِنْدَ اليَأْسِ مِنَ اهْتِدائِهِمْ؛ والخَتْمِ عَلى قُلُوبِهِمْ؛ وكَذا لَيْسَ المُرادُ بِما في حَيِّزِ الثَّمَنِ نَفْسَ الهُدى؛ بَلْ هو التَّمَكُّنُ التّامُّ مِنهُ؛ بِتَعاضُدِ الأسْبابِ؛ وتَأْخُذُ المُقَدِّماتُ المُسْتَتْبِعَةُ لَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ؛ كَأنَّهُ نَفْسُ الهُدى؛ بِجامِعِ المُشارَكَةِ في اسْتِتْباعِ الجَدْوى؛ ولا مِرْيَةَ في أنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مِنَ التَّمَكُّنِ كانَتْ حاصِلَةً لَهم بِما شاهَدُوهُ مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ؛ والمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ؛ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ ﷺ؛ وبِما سَمِعُوهُ مِن نَصائِحِ المُؤْمِنِينَ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الإفْسادِ في الأرْضِ؛ والأمْرِ بِالإيمانِ الصَّحِيحِ؛ وقَدْ نَبَذُوها وراءَ ظُهُورِهِمْ؛ وأخَذُوا بَدَلَها الضَّلالَةَ الهائِلَةَ الَّتِي هي العَمَهُ في تِيهِ الطُّغْيانِ؛ وحَمْلُ الهُدى عَلى الفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ الحاصِلَةِ لِكُلِّ أحَدٍ يَأْباهُ أنَّ إضاعَتَها غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِهَؤُلاءِ؛ ولَئِنْ حُمِلَتْ عَلى الإضاعَةِ التّامَّةِ الواصِلَةِ إلى حَدِّ الخَتْمِ عَلى القُلُوبِ المُخْتَصَّةِ (p-49)بِهِمْ فَلَيْسَ في إضاعَتِها فَقَطْ مِنَ الشَّناعَةِ ما في إضاعَتِها مَعَ مُؤَيِّدِها مِنَ المُؤَيِّداتِ العَقْلِيَّةِ؛ والنَّقْلِيَّةِ؛ عَلى أنَّ ذَلِكَ يَقْضِي إلى كَوْنِ ذِكْرِ ما فُصِّلَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا ضائِعًا؛ وأبْعَدُ مِنهُ حَمْلُ اشْتِراءِ الضَّلالَةِ بِالهُدى عَلى مُجَرَّدِ اخْتِيارِها عَلَيْهِ؛ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ كَوْنِهِ في أيْدِيهِمْ؛ بِناءً عَلى أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ اتِّساعًا في إيثارِ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ الكائِنَيْنِ في شَرَفِ الوُقُوعِ عَلى الآخَرِ؛ فَإنَّهُ - مَعَ خُلُوِّهِ عَنِ المَزايا المَذْكُورَةِ بِالمَرَّةِ - مُخِلٌّ بِرَوْنَقِ التَّرْشِيحِ الآتِي؛ هَذا عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِ الِاشْتِراءِ المَذْكُورِ عِبارَةً عَنْ مُعامَلَتِهِمُ السّابِقَةِ المَحْكِيَّةِ؛ وهو الأنْسَبُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ وأمّا إذا جُعِلَ تَرْجَمَةً عَنْ جِنايَةٍ أُخْرى مِن جِناياتِهِمْ فالمُرادُ بِالهُدى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن مَعْرِفَةِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وحَقِيقَةِ دِينِهِ؛ بِما كانُوا يُشاهِدُونَهُ مِن نُعُوتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في التَّوْراةِ؛ وقَدْ كانُوا عَلى يَقِينٍ مِنهُ؛ حَتّى كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلى المُشْرِكِينَ؛ ويَقُولُونَ: اللَّهُمَّ انْصُرْنا بِالنَّبِيِّ المَبْعُوثِ في آخِرِ الزَّمانِ؛ الَّذِي نَجِدُ نَعْتَهُ في التَّوْراةِ؛ ويَقُولُونَ لَهُمْ: قَدْ أظَلَّ زَمانُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ بِتَصْدِيقِ ما قُلْنا؛ فَنَقْتُلُكم مَعَهُ قَتْلَ عادٍ وإرَمٍ؛ فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ؛ كَما سَيَأْتِي؛ ولا مَساغَ لِحَمْلِ الهُدى عَلى ما كانُوا يُظْهِرُونَهُ عِنْدَ لِقاءِ المُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّها ضَلالَةٌ مُضاعَفَةٌ.

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏: عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ؛ داخِلٌ في حَيِّزِها؛ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ مَضْمُونِهِ عَلَيْها؛ والتِّجارَةُ: صِناعَةُ التُّجّارِ؛ وهو التَّصَدِّي لِلْبَيْعِ والشِّراءِ؛ لِتَحْصِيلِ الرِّبْحِ؛ وهو الفَضْلُ؛ عَلى رَأْسِ المالِ؛ يُقالُ: رَبِحَ فُلانٌ في تِجارَتِهِ؛ أيِ اسْتَشَفَّ فِيها؛ وأصابَ الرِّبْحَ؛ وإسْنادُ عَدَمِهِ - الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الخُسْرانِ - إلَيْها؛ وهو لِأرْبابِها؛ بِناءً عَلى التَّوَسُّعِ المَبْنِيِّ عَلى ما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ؛ وفائِدَتُهُ المُبالَغَةُ في تَخْسِيرِهِمْ؛ لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِكَثْرَةِ الخَسارِ وعُمُومِهِ المُسْتَتْبِعِ لِسَرايَتِهِ إلى ما يُلابِسُهُمْ؛ وإيرادُهُما إثْرَ الِاشْتِراءِ المُسْتَعارِ لِلِاسْتِبْدالِ المَذْكُورِ تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ؛ وتَصْوِيرٌ لِما فاتَهم مِن فَوائِدِ الهُدى؛ بِصُورَةِ خَسارِ التِّجارَةِ؛ الَّذِي يَتَحاشا عَنْهُ كُلُّ أحَدٍ؛ لِلْإشْباعِ في التَّخْسِيرِ؛ والتَّحْسِيرِ؛ ولا يُنافِي ذَلِكَ أنَّ التِّجارَةَ في نَفْسِها اسْتِعارَةٌ لِانْهِماكِهِمْ فِيما هم عَلَيْهِ مِن إيثارِ الضَّلالَةِ عَلى الهُدى؛ وتَمَرُّنِهِمْ عَلَيْهِ؛ مُعْرِبَةٌ عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ صِناعَةً لَهم راسِخَةً؛ إذْ لَيْسَ مِن ضَرُورِيّاتِ التَّرْشِيحِ أنْ يَكُونَ باقِيًا عَلى الحَقِيقَةِ؛ تابِعًا لِلِاسْتِعارَةِ؛ لا يُقْصَدُ بِهِ إلّا تَقْوِيَتُها؛ كَما في قَوْلِكَ: رَأيْتُ أسَدًا وافِيَ البَراثِنِ؛ فَإنَّكَ لا تُرِيدُ بِهِ إلّا زِيادَةَ تَصْوِيرٍ لِلشُّجاعِ؛ وأنَّهُ أسَدٌ كامِلٌ مِن غَيْرِ أنْ تُرِيدَ بِلَفْظِ البَراثِنِ مَعْنًى آخَرَ؛ بَلْ قَدْ يَكُونُ مُسْتَعارًا مِن مُلائِمِ المُسْتَعارِ مِنهُ؛ لِمُلائِمِ المُسْتَعارِ لَهُ؛ ومَعَ ذَلِكَ يَكُونُ تَرْشِيحًا لِأصْلِ الِاسْتِعارَةِ؛ كَما في قَوْلِهِ:

؎ فَلَمّا رَأيْتُ النَّسْرَ عَزَّ ابْنَ دَأْيَةٍ ∗∗∗ وعَشَّشَ في وكْرَيْهِ جاشَ لَهُ صَدْرِي

فَإنَّ لَفْظَ الوَكْرَيْنِ - مَعَ كَوْنِهِ مُسْتَعارًا مِن مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ؛ الَّذِي هو مَوْضِعٌ يَتَّخِذُهُ الطّائِرُ لِلتَّفْرِيخِ؛ لِلرَّأْسِ واللِّحْيَةِ؛ أوْ لِلْفَوْدَيْنِ؛ أعْنِي جانِبَيِ الرَّأْسِ - تَرْشِيحٌ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ الأصْلِيِّ لِاسْتِعارَةِ لَفْظِ النَّسْرِ لِلشَّيْبِ؛ ولَفْظِ ابْنِ دَأْيَةٍ لِلشَّعْرِ الأسْوَدِ؛ وكَذا لَفْظُ التَّعْشِيشِ - مَعَ كَوْنِهِ مُسْتَعارًا لِلْحُلُولِ والنُّزُولِ المُسْتَمِرَّيْنِ - تَرْشِيحٌ لِتَيْنِكَ الِاسْتِعارَتَيْنِ؛ بِالِاعْتِبارِ المَذْكُورِ؛ وقُرِئَ: "تِجاراتُهُمْ"؛ وتَعَدُّدُها لِتَعَدُّدِ المُضافِ إلَيْهِمْ؛ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ إلى طُرُقِ التِّجارَةِ؛ فَإنَّ المَقْصُودَ مِنها سَلامَةُ رَأْسِ المالِ مَعَ حُصُولِ الرِّبْحِ؛ ولَئِنْ فاتَ الرِّبْحُ في صَفْقَةٍ فَرُبَّما يُتَدارَكُ في صَفْقَةٍ أُخْرى؛ لِبَقاءِ الأصْلِ؛ وأمّا إتْلافُ الكُلِّ بِالمَرَّةِ فَلَيْسَ مِن بابِ التِّجارَةِ قَطْعًا؛ فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ كانَ رَأْسُ مالِهِمُ الهُدى قَدِ اسْتَبْدَلُوا بِها الضَّلالَةَ؛ فَأضاعُوا كِلْتا الطِّلْبَتَيْنِ؛ فَبَقُوا خائِبِينَ؛ خاسِرِينَ؛ نائِينَ عَنْ طَرِيقِ التِّجارَةِ بِألْفِ مَنزِلٍ؛ فالجُمْلَةُ راجِعَةٌ إلى التَّرْشِيحِ؛ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها؛ مُشارِكَةٌ لَهُ في التَّرْتِيبِ عَلى الِاشْتِراءِ (p-50)

المَذْكُورِ؛ والأوْلى عَطْفُها عَلى "اشْتَرَوُا"؛ إلَخْ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Their example is that of one who kindled a fire, but when it illuminated what was around him, Allah took away their light and left them in darkness [so] they could not see.

‏‏‏‏‏: زِيادَةُ كَشْفٍ لِحالِهِمْ؛ وتَصْوِيرٌ لَها غِبَّ تَصْوِيرِها بِصُورَةِ ما يُؤَدِّي إلى الخَسارِ بِحَسَبِ المَآلِ بِصُورَةِ ما يُفْضِي إلى الخَسارِ مِن حَيْثُ النَّفْسُ؛ تَهْوِيلًا لَها؛ وإبانَةً لِفَظاعَتِها؛ فَإنَّ التَّمْثِيلَ ألْطَفُ ذَرِيعَةٍ إلى تَسْخِيرِ الوَهْمِ لِلْعَقْلِ؛ واسْتِنْزالِهِ مِن مَقامِ الِاسْتِعْصاءِ عَلَيْهِ؛ وأقْوى وسِيلَةٍ إلى تَفْهِيمِ الجاهِلِ الغَبِيِّ؛ وقَمْعِ سُورَةِ الجامِحِ الأبِيِّ؛ كَيْفَ لا.. وهو رَفْعُ الحِجابِ عَنْ وُجُوهِ المَعْقُولاتِ الخَفِيَّةِ؛ وإبْرازٌ لَها في مَعْرِضِ المَحْسُوساتِ الجَلِيَّةِ؛ وإبْداءٌ لِلْمُنْكَرِ في صُورَةِ المَعْرُوفِ؛ وإظْهارٌ لِلْوَحْشِيِّ في هَيْئَةِ المَأْلُوفِ؟ و"المَثَلُ" في الأصْلِ بِمَعْنى "المِثْلُ"؛ و"النَّظِيرُ"؛ يُقالُ: "مِثْلٌ"؛ و"مَثَلٌ"؛ و"مَثِيلٌ؛ كَـ "شِبْهٌ"؛ و"شَبَهٌ"؛ و"شَبِيهٌ"؛ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى القَوْلِ السّائِرِ الَّذِي يُمَثِّلُ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ؛ وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلّا قَوْلًا بَدِيعًا؛ فِيهِ غَرابَةٌ صَيَّرَتْهُ جَدِيرًا بِالتَّسْيِيرِ في البِلادِ؛ وخَلِيقًا بِالقَبُولِ فِيما بَيْنَ كُلِّ حاضِرٍ وبادٍ؛ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ حالٍ؛ أوْ صِفَةٍ؛ أوْ قِصَّةٍ لَها شَأْنٌ عَجِيبٌ؛ وخَطَرٌ غَرِيبٌ؛ مِن غَيْرِ أنْ يُلاحَظَ بَيْنَها وبَيْنَ شَيْءٍ آخَرَ تَشْبِيهٌ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾؛ أيِ الوَصْفُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ؛ وخَطَرٌ جَلِيلٌ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾؛ أيْ قِصَّتِها العَجِيبَةِ الشَّأْنِ.

‏‏‏‏ ‏‏‏: أيْ "الَّذِينَ"؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾؛ خَلا أنَّهُ وُحِّدَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏؛ نَظَرًا إلى الصُّورَةِ؛ وإنَّما جازَ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ جَوازِ وضْعِ القائِمِ مَقامَ القائِمِينَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالوَصْفِ هي الجُمْلَةُ الواقِعَةُ صِلَةً لَهُ؛ دُونَ نَفْسِهِ؛ بَلْ إنَّما هو وصْلَةٌ لِوَصْفِ المَعارِفِ بِها؛ ولِأنَّهُ حَقِيقٌ بِالتَّخْفِيفِ لِاسْتِطالَتِهِ بِصِلَتِهِ؛ ولِذَلِكَ بُولِغَ فِيهِ؛ فَحُذِفَ ياؤُهُ؛ ثُمَّ كَسْرَتُهُ؛ ثُمَّ اقْتُصِرَ عَلى اللّامِ في أسْماءِ الفاعِلِينَ والمَفْعُولِينَ؛ ولِأنَّهُ لَيْسَ بِاسْمٍ تامٍّ؛ بَلْ هو كَجُزْئِهِ؛ فَحَقُّهُ أنْ يُجْمَعَ؛ ويَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والمُتَعَدِّدُ؛ كَما هو شَأْنُ أخَواتِهِ؛ ولَيْسَ "الَّذِينَ" جَمْعَهُ المُصَحَّحَ؛ بَلِ النُّونُ فِيهِ مَزِيدَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى زِيادَةِ المَعْنى؛ ولِذَلِكَ جاءَ بِالياءِ أبَدًا؛ عَلى اللُّغَةِ الفَصِيحَةِ؛ أوْ قُصِدَ بِهِ جِنْسُ المُسْتَوْقِدِ؛ أوِ الفَوْجُ؛ أوِ الفَرِيقُ المُسْتَوْقِدُ؛ والنّارُ جَوْهَرٌ لَطِيفٌ؛ مُضِيءٌ؛ حارٌّ؛ مُحْرِقٌ؛ واشْتِقاقُها مِن "نارَ؛ يَنُورُ"؛ إذا نَفَرَ؛ لِأنَّ فِيها حَرَكَةً واضْطِرابًا؛ واسْتِيقادُها: طَلَبُ وُقُودِها؛ أيْ سُطُوعِها؛ وارْتِفاعِ لَهَبِها؛ وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏: الإضاءَةُ فَرْطُ الإنارَةِ؛ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏؛ وتَجِيءُ مُتَعَدِّيَةً؛ ولازِمَةً؛ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِها عَلى الِاسْتِيقادِ؛ أيْ: فَلَمّا أضاءَتِ النّارُ ما حَوْلَ المُسْتَوْقِدِ؛ أوْ: فَلَمّا أضاءَ ما حَوْلَهُ؛ والتَّأْنِيثُ لِكَوْنِهِ عِبارَةً عَنِ الأماكِنِ والأشْياءِ؛ أوْ: أضاءَتِ النّارُ نَفْسَها فِيما حَوْلَهُ؛ عَلى أنَّ ذَلِكَ ظَرْفٌ لِإشْراقِ النّارِ المُنَزَلِ مَنزِلَتَها؛ لا لِنَفْسِها؛ أوْ "ما" مَزِيدَةٌ؛ وحَوْلَهُ ظَرْفٌ؛ وتَأْلِيفُ الحَوْلِ لِلدَّوَرانِ؛ وقِيلَ لِـ "العامُ"؛ "حَوْلٌ"؛ لِأنَّهُ يَدُورُ.

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏: النُّورُ ضَوْءُ كُلِّ نَيِّرٍ؛ واشْتِقاقُهُ مِنَ النّارِ؛ والضَّمِيرُ لِـ "الَّذِي"؛ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ أيْ: أطْفَأ اللَّهُ نارَهُمُ الَّتِي هي مَدارُ نُورِهِمْ؛ وإنَّما عَلَّقَ الإذْهابَ بِالنُّورِ؛ دُونَ نَفْسِ النّارِ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالِاسْتِيقادِ؛ لا الِاسْتِدْفاءُ؛ ونَحْوُهُ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏؛ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: "فَلَمّا شَبَّ ضِرامُها"؛ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ؛ وهو جَوابٌ لِـ "ما"؛ أوِ اسْتِئْنافٌ أُجِيبَ بِهِ عَنْ سُؤالِ سائِلٍ يَقُولُ: (p-51)

ما بالُهم أشْبَهَتْ حالُهم حالَ مُسْتَوْقِدٍ انْطَفَأتْ نارُهُ؟ أوْ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ التَّمْثِيلِ؛ عَلى وجْهِ البَيانِ؛ والضَّمِيرُ عَلى الوَجْهَيْنِ لِلْمُنافِقِينَ؛ والجَوابُ مَحْذُوفٌ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾؛ لِلْإيجازِ؛ والأمْنِ مِنَ الإلْباسِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ خَمَدَتْ فَبَقُوا في الظُّلُماتِ؛ خابِطِينَ؛ مُتَحَيِّرِينَ؛ خائِبِينَ بَعْدَ الكَدْحِ في إحْيائِها؛ وإسْنادُ الإذْهابِ إلى اللَّهِ (تَعالى) إمّا لِأنَّ الكُلَّ بِخَلْقِهِ (تَعالى)؛ وإمّا لِأنَّ الِانْطِفاءَ حَصَلَ بِسَبَبٍ خَفِيٍّ؛ أوْ أمْرٍ سَماوِيٍّ؛ كَرِيحٍ أوْ مَطَرٍ؛ وإمّا لِلْمُبالَغَةِ؛ كَما يُؤْذِنُ بِهِ تَعْدِيَةُ الفِعْلِ بِالباءِ دُونَ الهَمْزَةِ؛ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِصْحابِ والإمْساكِ؛ يُقالُ: ذَهَبَ السُّلْطانُ بِمالِهِ؛ إذا أخَذَهُ؛ وما أخَذَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَأمْسَكَهُ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ؛ ولِذَلِكَ عُدِلَ عَنِ الضَّوْءِ؛ الَّذِي هو مُقْتَضى الظّاهِرِ؛ إلى النُّورِ؛ لِأنَّ ذَهابَ الضَّوْءِ قَدْ يُجامِعُ بَقاءَ النُّورِ في الجُمْلَةِ؛ لِعَدَمِ اسْتِلْزامِ عَدَمِ القَوِيِّ؛ لِعَدَمِ الضَّعِيفِ؛ والمُرادُ إزالَتُهُ بِالكُلِّيَّةِ؛ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏؛ فَإنَّ الظُّلْمَةَ الَّتِي هي عَدَمُ النُّورِ؛ وانْطِماسُهُ بِالمَرَّةِ - لا سِيَّما إذا كانَتْ مُتَضاعِفَةً؛ مُتَراكِمَةً مُتَراكِبًا بَعْضُها عَلى بَعْضٍ؛ كَما يُفِيدُهُ الجَمْعُ والتَّنْكِيرُ التَّفْخِيمِيُّ -؛ وما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ‏ ‏‏‏‏‏‏‏؛ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ أنْ لا يَبْقى مِنَ النُّورِ عَيْنٌ ولا أثَرٌ؛ وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِالنُّورِ ما لا يَرْضى بِهِ اللَّهُ (تَعالى) مِنَ النّارِ المَجازِيَّةِ؛ الَّتِي هي نارُ الفِتْنَةِ والفَسادِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏؛ ووَصْفُها بِإضاءَةِ ما حَوْلَ المُسْتَوْقِدِ مِن بابِ التَّرْشِيحِ؛ أوِ النّارُ الحَقِيقَةُ الَّتِي يُوقِدُها الغُواةُ لِيَتَوَصَّلُوا بِها إلى بَعْضِ المَعاصِي؛ ويَهْتَدُوا بِها في طُرُقِ العَيْثِ والفَسادِ؛ فَأطْفَأها اللَّهُ (تَعالى)؛ وخَيَّبَ آمالَهم. و"تَرَكَ" في الأصْلِ بِمَعْنى "طَرَحَ"؛ و"خَلّى"؛ ولَهُ مَفْعُولٌ واحِدٌ؛ فَضُمِّنَ مَعْنى التَّصْيِيرِ؛ فَجَرى مُجْرى أفْعالِ القُلُوبِ؛ قالَ:

؎ فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّباعِ يَنُشْنَهُ ∗∗∗ يَقْضَمْنَ حُسْنَ بَنانِهِ والمِعْصَمِ

والظُّلْمَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: ما ظَلَمَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا؟ أيْ: ما مَنَعَكَ؟ لِأنَّها تَسُدُّ البَصَرَ؛ وتَمْنَعُهُ مِنَ الرُّؤْيَةِ؛ وقُرِئَ: "فِي ظُلْماتٍ"؛ بِسُكُونِ اللّامِ؛ و"فِي ظُلْمَةٍ"؛ بِالتَّوْحِيدِ. ومَفْعُولُ "لا يُبْصِرُونَ"؛ مِن قَبِيلِ المَطْرُوحِ؛ كَأنَّ الفِعْلَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ؛ والمَعْنى أنَّ حالَهُمُ العَجِيبَةَ؛ الَّتِي هي اشْتِراؤُهُمُ الضَّلالَةَ - الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ ظُلْمَتَيِ الكُفْرِ والنِّفاقِ؛ المُسْتَتْبِعَيْنِ لِظُلْمَةِ سُخْطِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وظُلْمَةِ يَوْمِ القِيامَةِ؛ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏؛ وظُلْمَةِ العِقابِ السَّرْمَدِيِّ - بِالهُدى؛ الَّذِي هو النُّورُ الفِطْرِيُّ المُؤَيَّدُ بِما شاهَدُوهُ مِن دَلائِلِ الحَقِّ؛ أوْ بِالهُدى الَّذِي كانُوا حَصَّلُوهُ مِنَ التَّوْراةِ؛ حَسْبَما ذُكِرَ؛ كَحالِ مَنِ اسْتَوْقَدَ نارًا عَظِيمَةً؛ حَتّى يَكادَ يَنْتَفِعُ بِها؛ فَأطْفَأها اللَّهُ (تَعالى)؛ وتَرَكَهُ في ظُلُماتٍ هائِلَةٍ؛ لا يَتَسَنّى فِيها الإبْصارُ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Deaf, dumb and blind - so they will not return [to the right path].

‏‏ ‏‏‏ ‏‏: أخْبارٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ هو ضَمِيرُ المُنافِقِينَ؛ أوْ خَبَرٌ واحِدٌ؛ بِالتَّأْوِيلِ المَشْهُورِ؛ كَما في قَوْلِهِمْ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ. والصَّمَمُ آفَةٌ مانِعَةٌ مِنَ السَّماعِ؛ وأصْلُهُ الصَّلابَةُ؛ واكْتِنازُ الأجْزاءِ؛ ومِنهُ: الحَجَرُ الأصَمُّ؛ والقَناةُ الصَّمّاءُ؛ وصِمامُ القارُورَةِ سِدادُها؛ سُمِّيَ بِهِ فِقْدانُ حاسَّةِ السَّمْعِ؛ لِما أنَّ سَبَبَهُ اكْتِنازُ باطِنِ الصِّماخِ؛ وانْسِدادُ مَنافِذِهِ؛ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَدْخُلُهُ هَواءٌ يَحْصُلُ الصَّوْتُ بِتَمَوُّجِهِ. والبَكَمُ: الخَرَسُ؛ والعَمى عَدَمُ البَصَرِ عَمّا مِن شَأْنِهِ أنْ يُبْصَرَ؛ وُصِفُوا بِذَلِكَ مَعَ سَلامَةِ مَشاعِرِهِمُ المَعْدُودَةِ؛ لِما أنَّهم حَيْثُ سَدُّوا مَسامِعَهم عَنِ الإصاخَةِ لِما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ؛ والذِّكْرِ الحَكِيمِ؛ وأبَوْا أنْ يَتَلَقَّوْها بِالقَبُولِ؛ ويُنْطِقُوا بِها ألْسِنَتَهُمْ؛ ولَمْ يَجْتَلُوا ما شاهَدُوا مِنَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ عَلى يَدَيْ رَسُولِ (p-52)

اللَّهِ ﷺ؛ ولَمْ يَنْظُرُوا إلى آياتِ التَّوْحِيدِ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ بِعَيْنِ التَّدَبُّرِ؛ وأصَرُّوا عَلى ذَلِكَ؛ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُمُ احْتِمالُ الِارْعِواءِ عَنْهُ؛ صارُوا كَفاقِدِي تِلْكَ المَشاعِرِ بِالكُلِّيَّةِ؛ وهَذا عِنْدَ مُفْلِقِي سَحَرَةِ البَيانِ مِن بابِ التَّمْثِيلِ البَلِيغِ المُؤَسَّسِ عَلى تَناسِي التَّشْبِيهِ؛ كَما في قَوْلِ مَن قالَ:

؎ ويَصْعَدُ حَتّى يَظُنَّ الجَهُولُ ∗∗∗ بِأنَّ لَهُ حاجَةً في السَّماءْ

لِما أنَّ المُقَدَّرَ في النَّظْمِ في حُكْمِ المَلْفُوظِ؛ لا مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ الَّتِي يُطْوى فِيها ذِكْرُ المُسْتَعارِ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ؛ حَتّى لَوْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَرِينَةٌ لِحَمْلٍ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ؛ كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ:

؎ لَدى أسَدٍ شاكِي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ ∗∗∗ لَهُ لِبَدٌ أظْفارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ

‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏: الفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها؛ أيْ: هم - بِسَبَبِ اتِّصافِهِمْ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ - لا يَعُودُونَ إلى الهُدى الَّذِي تَرَكُوهُ وضَيَّعُوهُ؛ أوْ عَنِ الضَّلالَةِ الَّتِي أخَذُوها؛ والآيَةُ نَتِيجَةٌ لِلتَّمْثِيلِ؛ مُفِيدَةٌ لِزِيادَةِ تَهْوِيلٍ وتَفْظِيعٍ؛ فَإنَّ قُصارى أمْرِ التَّمْثِيلِ بَقاؤُهم في ظُلُماتٍ هائِلَةٍ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمَشْعَرَيِ السَّمْعِ والنُّطْقِ؛ ولِاخْتِلالِ مَشْعَرِ الإبْصارِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ المُقَدَّرُ؛ وما بَعْدَهُ لِلْمَوْصُولِ؛ بِاعْتِبارِ المَعْنى كالضَّمائِرِ المُتَقَدِّمَةِ؛ فالآيَةُ الكَرِيمَةُ تَتِمَّةٌ لِلتَّمْثِيلِ؛ وتَكْمِيلٌ لَهُ؛ بِأنَّ ما أصابَهم لَيْسَ مُجَرَّدَ انْطِفاءِ نارِهِمْ؛ وبَقائِهِمْ في ظُلُماتٍ كَثِيفَةٍ هائِلَةٍ؛ مَعَ بَقاءِ حاسَّةِ البَصَرِ بِحالِها؛ بَلِ اخْتَلَّتْ مَشاعِرُهم جَمِيعًا؛ واتَّصَفُوا بِتِلْكَ الصِّفاتِ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ؛ أوِ الحَقِيقَةِ؛ فَبَقُوا جامِدِينَ في مَكاناتِهِمْ لا يَرْجِعُونَ؛ ولا يَدْرُونَ أيَتَقَدَّمُونَ أمْ يَتَأخَّرُونَ؛ وكَيْفَ يَرْجِعُونَ إلى ما ابْتَدَؤُوا مِنهُ. والعُدُولُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ تِلْكَ الحالَةِ فِيهِمْ. وقُرِئَ: "صُمًّا بُكْمًا عُمْيًا"؛ إمّا عَلى الذَّمِّ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾؛ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ هُمُ المُنافِقُونَ؛ أوِ المُسْتَوْقِدُونَ؛ وإمّا عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في "تَرَكَهُمْ"؛ أوِ المَرْفُوعِ في "لا يُبْصِرُونَ"؛ وإمّا عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ "تَرَكَهُمْ"؛ فالضَّمِيرانِ لِلْمُسْتَوْقِدِينَ.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Or [it is] like a rainstorm from the sky within which is darkness, thunder and lightning. They put their fingers in their ears against the thunderclaps in dread of death. But Allah is encompassing of the disbelievers.

‏‏ ‏‏‏‏: تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ إثْرَ تَمْثِيلٍ؛ لِيَعُمَّ البَيانُ مِنها كُلَّ دَقِيقٍ وجَلِيلٍ؛ ويُوَفّى حَقُّها مِنَ التَّفْظِيعِ والتَّهْوِيلِ؛ فَإنَّ تَفَنُّنَهم في فُنُونِ الكُفْرِ والضَّلالِ؛ وتَنَقُّلَهم فِيها مِن حالٍ إلى حالِ؛ حَقِيقٌ بِأنْ يُضْرَبَ في شَأْنِهِ الأمْثالُ؛ ويُرْخى في حَلْبَتِهِ أعِنَّةُ المَقالِ؛ ويُمَدَّ لِشَرْحِهِ أطْنابُ الإطْنابِ؛ ويُعْقَدَ لِأجْلِهِ فُصُولٌ وأبْوابٌ؛ لِما أنَّ كُلَّ كَلامِ لَهُ حَظٌّ مِنَ البَلاغَةِ؛ وقِسْطٌ مِنَ الجَزالَةِ والبَراعَةِ؛ لا بُدَّ أنْ يُوَفّى فِيهِ حَقُّ كُلٍّ مِن مَقامَيِ الإطْنابِ والإيجازِ؛ فَما ظَنُّكَ بِما في ذُرْوَةِ الإعْجازِ مِنَ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ؛ ولَقَدْ نُعِيَ عَلَيْهِمْ في هَذا التَّمْثِيلِ تَفاصِيلُ جِناياتِهِمْ؛ وهو عَطْفٌ عَلى الأوَّلِ؛ عَلى حَذْفِ المُضافِ لِما سَيَأْتِي مِنَ الضَّمائِرِ المُسْتَدْعِيَةِ لِذَلِكَ؛ أيْ: كَمَثَلِ ذَوِي صَيِّبٍ. وكَلِمَةُ "أوْ" لِلْإيذانِ بِتَساوِي القِصَّتَيْنِ في الِاسْتِقْلالِ بِوَجْهِ التَّشْبِيهِ؛ وبِصِحَّةِ التَّمْثِيلِ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما؛ وبِهِما مَعًا. و"الصَّيِّبُ": "فَيْعِلٌ"؛ مِن "الصَّوْبُ"؛ وهو النُّزُولُ الَّذِي لَهُ وقْعٌ وتَأْثِيرٌ؛ يُطْلَقُ عَلى المَطَرِ؛ وعَلى السَّحابِ؛ قالَ الشَّمّاخُ:

؎ عَفا آيَهُ نَسْجُ الجَنُوبِ مَعَ الصَّبا ∗∗∗ وأسْحَمُ دانٍ صادِقُ الوَعْدِ صَيِّبُ

وَلَعَلَّ الأوَّلَ هو المُرادُ هَهُنا؛ لِاسْتِلْزامِهِ الثّانِي؛ وتَنْكِيرُهُ لِما أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ نَوْعٌ مِنهُ شَدِيدٌ هائِلٌ؛ كالنّارِ في التَّمْثِيلِ الأوَّلِ؛ وأُمِدَّ بِهِ ما فِيهِ مِنَ المُبالَغاتِ مِن جِهَةِ مادَّتِهِ الأُولى؛ الَّتِي هي الصّادُ المُسْتَعْلِيَةُ؛ والياءُ المُشَدَّدَةُ؛ والباءُ الشَّدِيدَةُ؛ ومادَّتِهِ (p-53)الثّانِيَةِ؛ أعْنِي "الصَّوْبُ"؛ المُنْبِئَ عَنْ شِدَّةِ الِانْسِكابِ؛ ومِن جِهَةِ بِنائِهِ الدّالِّ عَلى الثَّباتِ؛ وقُرِئَ: "أوْ كَصائِبٍ".

‏‏ ‏‏‏‏‏‏: مُتَعَلِّقٌ بِـ "صَيِّبٍ"؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ؛ والمُرادُ بِالسَّماءِ هَذِهِ المِظَلَّةُ؛ وهي في الأصْلِ كُلُّ ما عَلاكَ مِن سَقْفٍ؛ ونَحْوِهِ؛ وعَنِ الحَسَنِ أنَّها مَوْجٌ مَكْفُوفٌ؛ أيْ مَمْنُوعٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِنَ السَّيَلانِ؛ وتَعْرِيفُها لِلْإيذانِ بِأنَّ انْبِعاثَ الصَّيِّبِ لَيْسَ مِن أُفُقٍ واحِدٍ؛ فَإنَّ كُلَّ أُفُقٍ مِن آفاقِها - أيْ كُلَّ ما يُحِيطُ بِهِ كُلُّ أُفُقٍ مِنها - سَماءٌ عَلى حِدَةٍ؛ قالَ:

؎ ∗∗∗ ومِن بُعْدِ أرْضٍ بَيْنَنا وسَماءِ

كَما أنَّ كُلَّ طَبَقَةٍ مِن طِباقِها سَماءٌ؛ قالَ (تَعالى): ‏‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ والمَعْنى أنَّهُ صَيِّبٌ عامٌّ؛ نازِلٌ مِن غَمامٍ مُطْبِقٍ؛ آخِذٍ بِالآفاقِ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّماءِ السَّحابُ؛ واللّامُ لِتَعْرِيفِ الماهِيَّةِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏: أيْ: أنْواعٌ مِنها؛ وهِيَ: ظُلْمَةُ تَكاثُفِهِ وانْتِساجِهِ بِتَتابُعِ القَطْرِ؛ وظُلْمَةُ إظْلالِ ما يَلْزَمُهُ مِنَ الغَمامِ الأسْحَمِ المُطْبِقِ الآخِذِ بِالآفاقِ؛ مَعَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ؛ وجَعَلَهُ مَحَلًّا لَها مَعَ أنَّ بَعْضَها لِغَيْرِهِ؛ كَظُلْمَتَيِ الغَمامِ؛ واللَّيْلِ؛ لِما أنَّهُما جُعِلَتا مِن تَوابِعِ ظُلْمَتِهِ؛ مُبالَغَةً في شِدَّتِهِ؛ وتَهْوِيلًا لِأمْرِهِ؛ وإيذانًا بِأنَّهُ مِنَ الشِّدَّةِ والهَوْلِ بِحَيْثُ تَغْمُرُ ظُلْمَتُهُ ظُلُماتِ اللَّيْلِ والغَمامِ؛ وهو السِّرُّ في عَدَمِ جَعْلِ الظُّلُماتِ هو الأصْلَ المُسْتَتْبِعَ لِلْبَواقِي؛ مَعَ ظُهُورِ ظَرْفِيَّتِها لِلْكُلِّ؛ إذْ لَوْ قِيلَ: "أوْ كَظُلُماتٍ فِيها صَيِّبٌ"؛ إلَخْ.. لَما أفادَ أنَّ لِلصَّيِّبِ ظُلْمَةً خاصَّةً بِهِ؛ فَضْلًا عَنْ كَوْنِها غالِبَةً عَلى غَيْرِها.

‏‏‏‏‏: وهو صَوْتٌ يُسْمَعُ مِنَ السَّحابِ؛ والمَشْهُورُ أنَّهُ يَحْدُثُ مِنَ اصْطِكاكِ أجْرامِ السَّحابِ بَعْضِها بِبَعْضٍ؛ أوْ مِنَ انْقِلاعِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ؛ عِنْدَ اضْطِرابِها بِسَوْقِ الرِّياحِ إيّاهُ سَوْقًا عَنِيفًا.

‏‏‏‏: وهو ما يَلْمَعُ مِنَ السَّحابِ؛ مِن "بَرَقَ الشَّيْءُ بَرِيقًا"؛ أيْ: "لَمَعَ"؛ وكِلاهُما في الأصْلِ مَصْدَرٌ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعا؛ وكَوْنُهُما في الصَّيِّبِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِما في أعْلاهُ ومَصَبِّهِ؛ ووُصُولِ أثَرِهِما إلَيْهِ؛ وكَوْنِهِما في الظُّلُماتِ الكائِنَةِ فِيهِ. والتَّنْوِينُ في الكُلِّ لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "فِيهِ ظُلُماتٌ شَدِيدَةٌ داجِيَةٌ؛ ورَعْدٌ قاصِفٌ؛ وبَرْقٌ خاطِفٌ"؛ وارْتِفاعُ الجَمِيعِ بِالظَّرْفِ عَلى الفاعِلِيَّةِ؛ لِتَحَقُّقِ شَرْطِ العَمَلِ بِالِاتِّفاقِ؛ وقِيلَ: بِالِابْتِداءِ؛ والجُمْلَةُ إمّا صِفَةٌ لِـ "صَيِّبٍ"؛ أوْ حالٌ مِنهُ؛ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ؛ أوْ بِالعَمَلِ فِيما بَعْدَهُ مِنَ الجارِّ؛ أوْ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ الأوَّلِ؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ صِفَةً لِـ "صَيِّبٍ"؛ والضَّمائِرُ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏؛ لِلْمُضافِ الَّذِي أُقِيمَ مَقامَهُ المُضافُ إلَيْهِ؛ فَإنَّ مَعْناهُ باقٍ؛ وإنْ حُذِفَ لَفْظُهُ؛ تَعْوِيلًا عَلى الدَّلِيلِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ فَإنَّ الضَّمِيرَ لِلْأهْلِ؛ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما قامَ مَقامَهُ مِنَ القَرْيَةِ؛ قالَ حَسّانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:

؎ يَسْقُونَ مَن ورَدَ البَرِيصَ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ بَرَدى يُصَفَّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ

فَإنَّ تَذْكِيرَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في يُصَفَّقُ لِرُجُوعِهِ إلى الماءِ المُضافِ إلى بَرَدى؛ وإلّا لَأنَّثَ حَتْمًا؛ وإيثارًا لِجَعْلِ المُنْبِئِ عَنْ دَوامِ المُلابَسَةِ واسْتِمْرارِ الِاسْتِقْرارِ عَلى الإدْخالِ المُفِيدِ لِمُجَرَّدِ الِانْتِقالِ مِنَ الخارِجِ إلى الدّاخِلِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ سَدِّ المَسامِعِ؛ بِاعْتِبارِ الزَّمانِ؛ كَما أنَّ إيرادَ الأصابِعِ بَدَلَ الأنامِلِ لِلْإشْباعِ في بَيانِ سَدِّها؛ بِاعْتِبارِ الذّاتِ؛ كَأنَّهم سَدُّوها بِجُمْلَتِها؛ لا بِأنامِلِها فَحَسْبُ؛ كَما هو المُعْتادُ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا إيماءً إلى كَمالِ حَيْرَتِهِمْ؛ وفَرْطِ دَهْشَتِهِمْ؛ وبُلُوغِهِمْ إلى حَيْثُ لا يَهْتَدُونَ إلى اسْتِعْمالِ الجَوارِحِ عَلى النَّهْجِ المُعْتادِ؛ وكَذا الحالُ في عَدَمِ تَعْيِينِ الأُصْبُعِ المُعْتادَةِ؛ أعْنِي السَّبّابَةَ؛ وقِيلَ: ذَلِكَ لِرِعايَةِ الأدَبِ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ عِنْدَ بَيانِ أحْوالِهِمُ الهائِلَةِ: فَماذا يَصْنَعُونَ في تَضاعِيفِ تِلْكَ الشِّدَّةِ؟ فَقِيلَ: يَجْعَلُونَ.. إلَخْ.. وقَوْلُهُ (تَعالى): ‏‏ ‏‏‏‏‏‏: مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَجْعَلُونَ"؛ أيْ: مِن أجْلِ الصَّواعِقِ المُقارِنَةِ لِلرَّعْدِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: سَقاهُ مِنَ (p-54)

العَيْمَةِ؛ والصّاعِقَةُ قَصْفَةُ رَعْدٍ هائِلٍ؛ تَنْقَضُّ مَعَها بَثْقَةُ نارٍ لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ إلّا أتَتْ عَلَيْهِ؛ مِن "الصَّعْقُ"؛ وهو شِدَّةُ الصَّوْتِ؛ وبِناؤُها إمّا أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَصْفَةِ الرَّعْدِ؛ أوْ لِلرَّعْدِ؛ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ؛ كَما في الرِّوايَةِ؛ أوْ مَصْدَرًا كَـ "العافِيَةُ"؛ وقَدْ تُطْلَقُ عَلى كُلِّ هائِلٍ مَسْمُوعٍ؛ أوْ مُشاهَدٍ؛ يُقالُ: صَعَقَتْهُ الصّاعِقَةُ؛ إذا أهْلَكَتْهُ بِالإحْراقِ؛ أوْ بِشِدَّةِ الصَّوْتِ. وسَدُّ الآذانِ إنَّما يُفِيدُ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي؛ دُونَ الأوَّلِ؛ وقُرِئَ: "مِنَ الصَّواقِعِ"؛ ولَيْسَ ذَلِكَ بِقَلْبٍ مِن "الصَّواعِقُ"؛ لِاسْتِواءِ كِلا البِناءَيْنِ في التَّصَرُّفِ؛ يُقالُ: "صَقَعَ الدِّيكُ"؛ و"خَطِيبٌ مِصْقَعٌ"؛ أيْ مُجْهِرٌ بِخُطْبَتِهِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏: مَنصُوبٌ بِـ "يَجْعَلُونَ"؛ عَلى العِلَّةِ؛ وإنْ كانَ مَعْرِفَةً بِالإضافَةِ؛ كَقَوْلِهِ:

؎ وأغْفِرُ عَوْراءَ الكَرِيمِ ادِّخارَهُ ∗∗∗ وأصْفَحُ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيمِ تَكَرُّما

وَلا ضَيْرَ في تَعَدُّدِ المَفْعُولِ لَهُ؛ فَإنَّ الفِعْلَ يُعَلَّلُ بِعِلَلٍ شَتّى؛ وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: يَحْذَرُونَ حَذَرًا مِثْلَ حَذَرِ المَوْتِ. والحَذَرُ والحِذارُ هو شِدَّةُ الخَوْفِ؛ وقُرِئَ: "حِذارَ المَوْتِ"؛ والمَوْتُ زَوالُ الحَياةِ؛ وقِيلَ: عَرَضٌ يُضادُّها؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾؛ ورُدَّ بِأنَّ الخَلْقَ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ؛ والإعْدامُ مُقَدَّرَةٌ.

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏: أيْ لا يَفُوتُونَهُ؛ كَما لا يَفُوتُ المُحاطُ بِهِ المُحِيطَ؛ شَبَّهَ شُمُولَ قدرته (تَعالى) لَهُمْ؛ وانْطِواءَ مَلَكُوتِهِ عَلَيْهِمْ؛ بِإحاطَةِ المُحِيطِ بِما أحاطَ بِهِ؛ في اسْتِحالَةِ الفَوْتِ؛ أوْ شَبَّهَ الهَيْئَةَ المُنْتَزَعَةَ مِن شُئُونِهِ (تَعالى) مَعَهم؛ بِالهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مِن أحْوالِ المُحِيطِ مَعَ المُحاطِ؛ فالِاسْتِعارَةُ المَبْنِيَّةُ عَلى التَّشْبِيهِ الأوَّلِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ في الصِّفَةِ؛ مُتَفَرِّعَةٌ عَلى ما في مَصْدَرِها مِنَ الِاسْتِعارَةِ؛ والمَبْنِيَّةُ عَلى الثّانِي تَمْثِيلِيَّةٌ؛ قَدِ اقْتُصِرَ مِن طَرَفِ المُشَبَّهِ بِهِ عَلى ما هو العُمْدَةُ في انْتِزاعِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها؛ أعْنِي الإحاطَةَ؛ والباقِي مَنَوِيٌّ بِألْفاظٍ مُتَخَيَّلَةٍ؛ بِها يَحْصُلُ التَّرْكِيبُ المُعْتَبَرُ في التَّمْثِيلِ؛ كَما مَرَّ تَحْرِيرُهُ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ؛ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنَّ ما صَنَعُوا مِن سَدِّ الآذانِ بِالأصابِعِ لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا؛ فَإنَّ القَدَرَ لا يُدافِعُهُ الحَذَرُ؛ والحِيَلُ لا تَرُدُّ بَأْسَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وفائِدَةُ وضْعِ الكافِرِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى أصْحابِ الصَّيِّبِ الإيذانُ بِأنَّ ما دَهَمَهم مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ المَحْكِيَّةِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ؛ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏؛ فَإنَّ الإهْلاكَ النّاشِئَ مِنَ السُّخْطِ أشَدُّ؛ وقِيلَ: هَذا الِاعْتِراضُ مِن جُمْلَةِ أحْوالِ المُشَبَّهِ؛ عَلى أنَّ المُرادَ بِالكافِرِينَ المُنافِقُونَ؛ قَدْ دَلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ لا مُدافِعَ لَهم مِن عَذابِ اللَّهِ (تَعالى) في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ وإنَّما وُسِّطَ بَيْنَ أحْوالِ المُشَبَّهِ - مَعَ أنَّ القِياسَ تَقْدِيمُهُ؛ أوْ تَأْخِيرُهُ - لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ؛ وفَرْطِ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ المُشَبَّهِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

The lightning almost snatches away their sight. Every time it lights [the way] for them, they walk therein; but when darkness comes over them, they stand [still]. And if Allah had willed, He could have taken away their hearing and their sight. Indeed, Allah is over all things competent.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏: اسْتِئْنافٌ آخَرُ؛ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ حالُهم مَعَ ذَلِكَ البَرْقِ؟ فَقِيلَ: يَكادُ ذَلِكَ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ يَخْتَلِسُها ويَسْتَلُّها بِسُرْعَةٍ؛ و"كادَ" مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ؛ وُضِعَتْ لِمُقارَبَةِ الخَبَرِ مِنَ الوُجُودِ؛ لِتَآخُذِ أسْبابِهِ؛ وتَعاضُدِ مَبادِيهِ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ؛ لِفَقْدِ شَرْطٍ؛ أوْ لِعُرُوضِ مانِعٍ؛ ولا يَكُونُ خَبَرُها إلّا مُضارِعًا؛ عارِيًا عَنْ كَلِمَةِ "أنْ"؛ وشَذَّ مَجِيئُهُ اسْمًا صَرِيحًا؛ كَما في قَوْلِهِ:

؎ ∗∗∗ فَأُبْتُ إلى فَهْمٍ وما كِدْتُ آيِبا

وَكَذا مَجِيئُهُ مَعَ "أنْ"؛ حَمْلًا لَها عَلى "عَسى"؛ كَما في قَوْلِ رُؤْبَةَ:

؎ ∗∗∗ قَدْ كادَ مِن طُولِ البِلى أنْ يُمْحَصا

كَما تُحْمَلُ (p-55)هِيَ عَلَيْها بِالحَذْفِ؛ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُقارَنَةِ في أصْلِ المُقارَبَةِ؛ ولَيْسَ فِيها شائِبَةُ الإنْشائِيَّةِ؛ كَما في "عَسى"؛ وقُرِئَ: "يَخْطِفُ"؛ بِكَسْرِ الطّاءِ؛ و"يَخْتَطِفُ"؛ و"يَخَطَّفُ"؛ بِفَتْحِ الياءِ والخاءِ؛ بِنَقْلِ فَتْحَةِ التّاءِ إلى الخاءِ؛ وإدْغامِها في الطّاءِ؛ و"يِخِطَّفُ"؛ بِكَسْرِهِما؛ عَلى إتْباعِ الياءِ والخاءِ؛ و"يَخَطَّفُ"؛ مِن صِيغَةِ التَّفْعِيلِ؛ و"يَتَخَطَّفُ"؛ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ .

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏: "كُلَّ": ظَرْفٌ؛ و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ؛ والزَّمانُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: كُلَّ زَمانِ إضاءَةٍ؛ وقِيلَ: "ما" نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ؛ مَعْناها: الوَقْتُ؛ والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: كُلَّ وقْتٍ أضاءَ لَهم فِيهِ؛ والعامِلُ في "كُلَّما" جَوابُها؛ وهو اسْتِئْنافٌ ثالِثٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَفْعَلُونَ في أثْناءِ ذَلِكَ الهَوْلِ؟ أيَفْعَلُونَ بِأبْصارِهِمْ ما فَعَلُوا بِآذانِهِمْ؛ أمْ لا؟ فَقِيلَ: كُلَّما نَوَّرَ البَرْقُ لَهم مَمْشًى ومَسْلَكًا - عَلى أنَّ "أضاءَ" مُتَعَدٍّ؛ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ -؛ أوْ كُلَّما لَمَعَ لَهم - عَلى أنَّهُ لازِمٌ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ "كُلَّما ضاءَ" -؛ ‏‏‏‏ ‏‏‏؛ أيْ في ذَلِكَ المَسْلَكِ؛ أوْ في مَطْرَحِ نُورِهِ؛ خُطُواتٍ يَسِيرَةً؛ مَعَ خَوْفِ أنْ يُخْطَفَ أبْصارُهُمْ؛ وإيثارُ المَشْيِ عَلى ما فَوْقَهُ مِنَ السَّعْيِ والعَدْوِ لِلْإشْعارِ بِعَدَمِ اسْتِطاعَتِهِمْ لَهُما؛ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏: أيْ خُفِيَ البَرْقُ؛ واسْتَتَرَ؛ والمُظْلِمُ وإنْ كانَ غَيْرَهُ لَكِنْ لَمّا كانَ الإظْلامُ دائِرًا عَلى اسْتِتارِهِ أُسْنِدَ إلَيْهِ مَجازًا؛ تَحْقِيقًا لِما أُرِيدَ مِنَ المُبالَغَةِ في مُوجِباتِ تَخَبُّطِهِمْ؛ وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا؛ مَنقُولًا مِن "ظَلَمَ اللَّيْلُ"؛ ومِنهُ ما جاءَ في قَوْلِ أبِي تَمّامٍ:

؎ هُما أظْلَما حالَيَّ ثُمَّتَ أجْلَيا ∗∗∗ ظَلامَيْهِما عَنْ وجْهِ أمْرَدَ أشْيَبَ

وَيُعَضِّدُهُ قِراءَةُ "أُظْلِمَ"؛ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ ‏‏‏‏‏؛ أيْ وقَفُوا في أماكِنِهِمْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الهَيْئَةِ؛ مُتَحَيِّرِينَ؛ مُتَرَصِّدِينَ لِخَفْقَةٍ أُخْرى؛ عَسى يَتَسَنّى لَهُمُ الوُصُولُ إلى المَقْصِدِ؛ أوْ الِالتِجاءُ إلى مَلْجَإٍ يَعْصِمُهُمْ؛ وإيرادُ "كُلَّما" مَعَ الإضاءَةِ؛ و"إذا" مَعَ الظَّلامِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّهم حُرّاصٌ عَلى المَشْيِ؛ مُتَرَقِّبُونَ لِما يُصَحِّحُهُ؛ فَكُلَّما وجَدُوا فُرْصَةً انْتَهَزُوها؛ ولا كَذَلِكَ الوُقُوفُ؛ وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ التَّحَيُّرِ؛ وتَطايُرِ اللُّبِّ ما لا يُوصَفُ.

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏: كَلِمَةُ "لَوْ" لِتَعْلِيقِ حُصُولِ أمْرٍ ماضٍ؛ هو الجَزاءُ؛ بِحُصُولِ أمْرٍ مَفْرُوضٍ فِيهِ؛ هو الشَّرْطُ؛ لِما بَيْنَهُما مِنَ الدَّوَرانِ حَقِيقَةً؛ أوِ ادِّعاءً؛ ومِن قَضِيَّةِ مَفْرُوضِيَّةِ الشَّرْطِ دَلالَتُها عَلى انْتِفائِهِ قَطْعًا؛ والمُنازِعُ فِيهِ مُكابِرٌ؛ وأمّا دَلالَتُها عَلى انْتِفاءِ الجَزاءِ فَقَدْ قِيلَ؛ وقِيلَ.. والحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ أنَّهُ إنْ كانَ ما بَيْنَهُما مِنَ الدَّوَرانِ؛ كُلِّيًّا أوْ جُزْئِيًّا؛ قَدْ بُنِيَ الحُكْمُ عَلى اعْتِبارِهِ؛ فَهي دالَّةٌ عَلَيْهِ بِواسِطَةِ مَدْلُولِها الوَضْعِيِّ لا مَحالَةَ؛ ضَرُورَةَ اسْتِلْزامِ انْتِفاءِ العِلَّةِ لِانْتِفاءِ المَعْلُولِ؛ أمّا في مادَّةِ الدَّوَرانِ الكُلِّيِّ - كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏؛ وقَوْلِكَ: لَوْ جِئْتَنِي لَأكْرَمْتُكَ؛ فَظاهِرٌ؛ لَأنَّ وُجُودَ المَشِيئَةِ عِلَّةٌ لِوُجُودِ الهِدايَةِ حَقِيقَةً؛ ووُجُودَ المَجِئِ عِلَّةٌ لِوُجُودِ الإكْرامِ ادِّعاءً؛ وقَدِ انْتَفَيا بِحُكْمِ المَفْرُوضِيَّةِ؛ فانْتَفى مَعْلُولاهُما حَتْمًا؛ ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يُساقُ الكَلامُ لِتَعْلِيلِ انْتِفاءِ الجَزاءِ بِانْتِفاءِ الشَّرْطِ؛ كَما في المِثالَيْنِ المَذْكُورَيْنِ؛ وهو الِاسْتِعْمالُ الشّائِعُ لِكَلِمَةِ "لَوْ"؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: هي لِامْتِناعِ الثّانِي؛ لِامْتِناعِ الأوَّلِ؛ وقَدْ يُساقُ لِلِاسْتِدْلالِ بِانْتِفاءِ الثّانِي؛ لِكَوْنِهِ ظاهِرًا؛ أوْ مُسَلَّمًا عَلى ابْتِغاءِ الأوَّلِ؛ لِكَوْنِهِ خَفِيًّا؛ أوْ مُتَنازَعًا فِيهِ؛ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏؛ وفي قَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏؛ فَإنَّ فَسادَهُما لازِمٌ لِتَعَدُّدِ الآلِهَةِ حَقِيقَةً؛ وعَدَمَ سَبْقِ المُؤْمِنِينَ إلى الإيمانِ لازِمٌ لِخَيْرِيَّتِهِ؛ في زَعْمِ الكَفَرَةِ؛ ولا رَيْبَ في انْتِفاءِ اللّازِمَيْنِ؛ فَتَعَيَّنَ انْتِفاءُ المَلْزُومَيْنِ؛ حَقِيقَةً في الأوَّلِ؛ وادِّعاءً باطِلًا في الثّانِي؛ ضَرُورَةَ اسْتِلْزامِ انْتِفاءِ اللّازِمِ لِانْتِفاءِ المَلْزُومِ؛ لَكِنْ لا بِطَرِيقِ السَّبَبِيَّةِ الخارِجِيَّةِ؛ كَما في المِثالَيْنِ الأوَّلَيْنِ؛ بَلْ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ الرّاجِعَةِ إلى سَبَبِيَّةِ العِلْمِ بِانْتِفاءِ الثّانِي؛ لِلْعِلْمِ بِانْتِفاءِ الأوَّلِ؛ ومَن لَمْ يَتَنَبَّهْ لَهُ زَعَمَ أنَّهُ لِانْتِفاءِ الأوَّلِ لِانْتِفاءِ الثّانِي؛ وأمّا (p-56)فِي مادَّةِ الدَّوَرانِ الجُزْئِيِّ - كَما في قَوْلِكَ: لَوْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ لَوُجِدَ الضَّوْءُ -؛ فَلِأنَّ الجَزاءَ المَنُوطَ بِالشَّرْطِ الَّذِي هو طُلُوعُها لَيْسَ وُجُودَ أيِّ ضَوْءٍ كانَ؛ كَضَوْءِ القَمَرِ المُجامِعِ لِعَدَمِ الطُّلُوعِ مَثَلًا؛ بَلْ إنَّما وُجُودُ الضَّوْءِ الخاصِّ النّاشِئِ مِنَ الطُّلُوعِ؛ ولا رَيْبَ في انْتِفائِهِ بِانْتِفاءِ الطُّلُوعِ؛ هَذا إذا بُنِيَ الحُكْمُ عَلى اعْتِبارِ الدَّوَرانِ؛ وأمّا إذا بُنِيَ عَلى عَدَمِهِ فَإمّا أنْ يُعْتَبَرَ هُناكَ تَحَقُّقُ مَدارٍ آخَرَ لَهُ؛ أوْ لا؛ فَإنِ اعْتُبِرَ فالدَّلالَةُ تابِعَةٌ لِحالِ المَدارِ؛ فَإنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ انْتِفاءِ الأوَّلِ مُنافاةٌ تَعَيَّنَ الدَّلالَةَ؛ كَما إذا قُلْتَ: لَوْ لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ يُوجَدُ الضَّوْءُ؛ فَإنَّ وُجُودَ الضَّوْءِ؛ وإنْ عُلِّقَ صُورَةً بِعَدَمِ الطُّلُوعِ؛ لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ بِسَبَبٍ آخَرَ؛ لَهُ ضَرُورَةٌ؛ أنَّ عَدَمَ الطُّلُوعِ - مِن حَيْثُ هو هو - لَيْسَ مَدارًا لِوُجُودِ الضَّوْءِ في الحَقِيقَةِ؛ وإنَّما وُضِعَ مَوْضِعَ المَدارِ؛ لِكَوْنِهِ كاشِفًا عَنْ تَحَقُّقِ مَدارٍ آخَرَ لَهُ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ لَوُجِدَ الضَّوْءُ بِسَبَبٍ آخَرَ؛ كالقَمَرِ مَثَلًا؛ ولا رَيْبَ في أنَّ هَذا الجَزاءَ مُنْتَفٍ عِنْدَ انْتِفاءِ الشَّرْطِ؛ لِاسْتِحالَةِ وُجُودِ الضَّوْءِ القَمَرِيِّ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما مُنافاةٌ تَعَيَّنَ عَدَمُ الدَّلالَةِ؛ كَما في قَوْلِهِ ﷺ في بِنْتِ أبِي سَلَمَةَ: « "لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي في حِجْرِي ما حَلَّتْ لِي؛ إنَّها لِابْنَةِ أخِي مِنَ الرَّضاعَةِ"؛» فَإنَّ المَدارَ المُعْتَبَرَ في ضِمْنِ الشَّرْطِ - أعْنِي كَوْنَها ابْنَةَ أخِيهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ الرَّضاعَةِ - غَيْرُ مُنافٍ لِانْتِفائِهِ؛ الَّذِي هو كَوْنُها رَبِيبَتَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ بَلْ مُجامِعٌ لَهُ؛ ومِن ضَرُورَتِهِ مُجامَعَةُ أثَرَيْهِما؛ أعْنِي الحُرْمَةَ النّاشِئَةَ مِن كَوْنِها رَبِيبَتَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ والحُرْمَةَ النّاشِئَةَ مِن كَوْنِها ابْنَةَ أخِيهِ مِنَ الرَّضاعَةِ؛ وإنْ لَمْ يُعْتَبَرْ هُناكَ تَحَقُّقُ مَدارٍ آخَرَ؛ بَلْ بُنِيَ الحُكْمُ عَلى اعْتِبارِ عَدَمِهِ؛ فَلا دَلالَةَ لَها عَلى ذَلِكَ أصْلًا؛ كَيْفَ لا.. ومَساقُ الكَلامِ حِينَئِذٍ لِبَيانِ ثُبُوتِ الجَزاءِ عَلى كُلِّ حالٍ؛ بِتَعْلِيقِهِ بِما يُنافِيهِ؛ لِيُعْلَمَ ثُبُوتُهُ عِنْدَ وُقُوعِ ما لا يُنافِيهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ وقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "لَوْ كانَ الإيمانُ في الثُّرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن فارِسٍ"؛» وقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ كُشِفَ الغِطاءُ ما ازْدَدْتُ يَقِينًا؟ فَإنَّ الأجْزِيَةَ المَذْكُورَةَ قَدْ نِيطَتْ بِما يُنافِيها؛ ويَسْتَدْعِي نَقائِضَها؛ إيذانًا بِأنَّها في أنْفُسِها؛ بِحَيْثُ يَجِبُ ثُبُوتُها مَعَ فَرْضِ انْتِفاءِ أسْبابِها؛ أوْ تَحَقُّقِ أسْبابِ انْتِفائِها؛ فَكَيْفَ إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ "لَوْ" الوَصْلِيَّةِ؛ في مِثْلِ قَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ - ولَها تَفاصِيلُ وتَفارِيعُ حَرَّرْناها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ -؛ وقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ؛ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ؛ إنْ حُمِلَ عَلى تَعْلِيقِ عَدَمِ العِصْيانِ؛ في ضِمْنِ عَدَمِ الخَوْفِ؛ بِمَدارٍ آخَرَ؛ نَحْوَ الحَياءِ والإجْلالِ؛ وغَيْرِهِما؛ مِمّا يُجامِعُ الخَوْفَ؛ كانَ مِن قَبِيلِ حَدِيثِ ابْنَةِ أبِي سَلَمَةَ؛ وإنْ حُمِلَ عَلى بَيانِ اسْتِحالَةِ عِصْيانِهِ مُبالَغَةً؛ كانَ مِن هَذا القَبِيلِ؛ والآيَةُ الكَرِيمَةُ وارِدَةٌ عَلى الِاسْتِعْمالِ الشّائِعِ؛ مُفِيدَةٌ لِكَمالِ فَظاعَةِ حالِهِمْ؛ وغايَةِ هَوْلِ ما دَهَمَهم مِنَ المَشاقِّ؛ وأنَّها قَدْ بَلَغَتْ مِنَ الشِّدَّةِ إلى حَيْثُ لَوْ تَعَلَّقَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ (تَعالى) بِإزالَةِ مَشاعِرِهِمْ؛ لَزالَتْ لِتَحَقُّقِ ما يَقْتَضِيهِ اقْتِضاءً تامًّا. وقِيلَ: كَلِمَةُ "لَوْ" فِيها لِرَبْطِ جَزائِها بِشَرْطِها؛ مُجَرَّدَةً عَنِ الدَّلالَةِ عَلى انْتِفاءِ أحَدِهِما لِانْتِفاءِ الآخَرِ؛ بِمَنزِلَةِ كَلِمَةِ "إنْ"؛ ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ؛ جَرْيًا عَلى القاعِدَةِ المُسْتَمِرَّةِ؛ فَإنَّها إذا وقَعَتْ شَرْطًا؛ وكانَ مَفْعُولُها مَضْمُونًا لِلْجَزاءِ؛ فَلا يَكادُ يُذْكَرُ؛ إلّا أنْ يَكُونَ شَيْئًا مُسْتَغْرَبًا؛ كَما في قَوْلِهِ:

؎ فَلَوْ شِئْتُ أنْ أبْكِيَ دَمًا لَبَكَيْتُهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ ولَكِنْ ساحَةُ الصَّبْرِ أوْسَعُ

أيْ: لَوْ شاءَ أنْ يَذْهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ لَفَعَلَ؛ ولَكِنْ لَمْ يَشَأْ؛ لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ؛ وقُرِئَ: "لَأذْهَبَ بِأسْماعِهِمْ" عَلى زِيادَةِ الباءِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ والإفْرادُ في المَشْهُورَةِ؛ لِأنَّ السَّمْعَ مَصْدَرٌ في الأصْلِ؛ والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مِنَ الجُمَلِ الِاسْتِئْنافِيَّةِ؛ وقِيلَ: عَلى "كُلَّما أضاءَ"؛ إلَخْ.. وقَوْلُهُ (p-57)- عَزَّ وجَلَّ -: ‏‏ ‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏؛ تَعْلِيلٌ لِلشَّرْطِيَّةِ؛ وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِها النّاطِقِ بِقدرته (تَعالى) عَلى إزالَةِ مَشاعِرِهِمْ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ؛ و"الشَّيْءُ" - بِحَسَبِ مَفْهُومِهِ اللُّغَوِيِّ - يَقَعُ عَلى كُلِّ ما يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ ويُخْبَرَ عَنْهُ؛ كائِنًا ما كانَ؛ عَلى أنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرُ "شاءَ"؛ أُطْلِقَ عَلى المَفْعُولِ؛ واكْتُفِيَ في ذَلِكَ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ بِهِ؛ مِن حَيْثُ العِلْمُ؛ والإخْبارُ عَنْهُ فَقَطْ؛ وقَدْ خُصَّ هَهُنا بِالمُمْكِنِ؛ مَوْجُودًا كانَ أوْ مَعْدُومًا؛ بِقَضِيَّةِ اخْتِصاصِ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِهِ؛ لِما أنَّها عِبارَةٌ عَنِ التَّمَكُّنِ مِنَ الإيجادِ والإعْدامِ؛ الخاصَّيْنِ بِهِ؛ وقِيلَ: هي صِفَةٌ تَقْتَضِي ذَلِكَ التَّمَكُّنَ؛ و"القادِرُ" هو الَّذِي إنْ شاءَ فَعَلَ؛ وإنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَفْعَلْ؛ و"القَدِيرُ" هو الفَعّالُ لِكُلِّ ما يَشاءُ؛ كَما يَشاءُ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يُوصَفْ بِهِ غَيْرُ البارِي - جَلَّ جَلالُهُ -؛ ومَعْنى قدرته (تَعالى)؛ عَلى المُمْكِنِ المَوْجُودِ حالَ وُجُودِهِ؛ أنَّهُ إنْ شاءَ إبْقاءَهُ عَلى الوُجُودِ أبْقاهُ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ عِلَّةَ الوُجُودِ هي عِلَّةُ البَقاءِ؛ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾؛ وإنْ شاءَ إعْدامَهُ أعْدَمَهُ؛ ومَعْنى قدرته؛ عَلى المَعْدُومِ حالَ عَدَمِهِ؛ أنَّهُ إنْ شاءَ إيجادَهُ أوْجَدَهُ؛ وإنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يُوجِدْهُ؛ وقِيلَ: قُدْرَةُ الإنْسانِ هَيْئَةٌ بِها يَتَمَكَّنُ مِنَ الفِعْلِ والتَّرْكِ؛ وقُدْرَةُ اللَّهِ (تَعالى) عِبارَةٌ عَنْ نَفْيِ العَجْزِ؛ واشْتِقاقُ "القُدْرَةُ" مِن "القَدْرُ"؛ لِأنَّ القادِرَ يُوقِعُ الفِعْلَ بِقَدْرِ ما تَقْتَضِيهِ إرادَتُهُ؛ أوْ بِقَدْرِ قُوَّتِهِ؛ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَقْدُورَ العَبْدِ مَقْدُورٌ لِلَّهِ (تَعالى) حَقِيقَةً؛ لِأنَّهُ شَيْءٌ؛ وكُلُّ شَيْءٍ مَقْدُورٌ لَهُ (تَعالى)؛ واعْلَمْ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ التَّمْثِيلَيْنِ وإنِ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ التَّمْثِيلِ المُفَرَّقِ؛ كَما في قَوْلِهِ:

؎ كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا ويابِسًا ∗∗∗ لَدى وكْرِها العُنّابُ والحَشَفُ البالِي

بِأنْ يُشَبَّهَ المُنافِقُونَ في التَّمْثِيلِ الأوَّلِ بِالمُسْتَوْقِدِينَ؛ وهُداهُمُ الفِطْرِيُّ بِالنّارِ؛ وتَأْيِيدُهم إيّاهُ بِما شاهَدُوهُ مِنَ الدَّلائِلِ بِاسْتِيقادِها؛ وتَمَكُّنُهُمُ التّامُّ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ بِإضاءَتِها ما حَوْلَهُمْ؛ وإزالَتُهُ بِإذْهابِ النُّورِ النّارِيِّ؛ وأخْذُ الضَّلالَةِ بِمُقابَلَتِهِ بِمُلابَسَتِهِمُ الظُّلُماتِ الكَثِيفَةِ وبَقائِهِمْ فِيها؛ ويُشَبَّهُوا في التَّمْثِيلِ الثّانِي بِالسّابِلَةِ؛ والقرآن؛ وما فِيهِ مِنَ العُلُومِ والمَعارِفِ الَّتِي هي مَدارُ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ؛ بِالصَّيِّبِ الَّذِي هو سَبَبُ الحَياةِ الأرْضِيَّةِ؛ وما عَرَضَ لَهم بِنُزُولِهِ مِنَ الغُمُومِ؛ والأحْزانِ؛ وانْكِسافِ البالِ بِالظُّلُماتِ؛ وما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ بِالرَّعْدِ والبَرْقِ؛ وتَصامُّهم عَمّا يَقْرَعُ أسْماعَهم مِنَ الوَعِيدِ بِحالِ مَن يَهُولُهُ الرَّعْدُ والبَرْقُ؛ فَيَخافُ صَواعِقَهُ؛ فَيَسُدُّ أُذُنَهُ عَنْها؛ ولا خَلاصَ لَهُ مِنها؛ واهْتِزازُهم لِما يَلْمَعُ لَهم مِن رُشْدٍ يُدْرِكُونَهُ؛ أوْ رِفْدٍ يُحْرِزُونَهُ بِمَشْيِهِمْ في مَطْرَحِ ضَوْءِ البَرْقِ؛ كُلَّما أضاءَ لَهُمْ؛ وتَحَيُّرُهم في أمْرِهِمْ؛ حِينَ عَنَّ لَهم مُصِيبَةٌ بِوُقُوفِهِمْ إذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ؛ لَكِنَّ الحَمْلَ عَلى التَّمْثِيلِ المُرَكَّبِ الَّذِي لا يُعْتَبَرُ فِيهِ تَشْبِيهُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُفْرَداتِ؛ الواقِعَةِ في أحَدِ الجانِبَيْنِ؛ بِواحِدٍ مِنَ المُفْرَداتِ الواقِعَةِ في الجانِبِ الآخَرِ؛ عَلى وجْهِ التَّفْصِيلِ؛ بَلْ يُنْتَزَعُ فِيهِ مِنَ المُفْرَداتِ الواقِعَةِ في جانِبِ المُشَبَّهِ هَيْئَةٌ؛ فَتُشَبَّهُ بِهَيْئَةٍ أُخْرى مُنْتَزَعَةٍ مِنَ المُفْرَداتِ الواقِعَةِ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ؛ بِأنْ يُنْتَزَعَ مِنَ المُنافِقِينَ؛ وأحْوالِهِمُ المُفَصَّلَةِ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ التَّمْثِيلَيْنِ؛ هَيْئَةٌ عَلى حِدَةٍ؛ ويُنْتَزَعُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُسْتَوْقِدِينَ؛ وأصْحابِ الصَّيِّبِ؛ وأحْوالِهِمُ المَحْكِيَّةِ؛ هَيْئَةٌ بِحِيالِها؛ فَتَشْبِيهُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الأُولَيَيْنِ بِما يُضاهِيها مِنَ الأُخْرَيَيْنِ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ؛ ويَسْتَدْعِيهِ فَخامَةُ شَأْنِهِ الجَلِيلِ؛ لِاشْتِمالِهِ عَلى التَّشْبِيهِ الأوَّلِ إجْمالًا؛ مَعَ أمْرٍ زائِدٍ؛ هو تَشْبِيهُ الهَيْئَةِ؛ وإيذانُهُ بِأنَّ اجْتِماعَ تِلْكَ المُفْرَداتِ مُسْتَتْبِعٌ لِهَيْئَةٍ عَجِيبَةٍ حَقِيقَةٍ بِأنْ تَكُونَ مَثَلًا في الغَرابَةِ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

O mankind, worship your Lord, who created you and those before you, that you may become righteous -

(p-58)﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾: إثْرَ ما ذَكَرَ اللَّهُ (تَعالى) عُلُوَّ طَبَقَةِ كِتابِهِ الكَرِيمِ؛ وتَحَزُّبَ النّاسِ في شَأْنِهِ إلى ثَلاثِ فِرَقٍ؛ مُؤْمِنَةٍ بِهِ؛ مُحافِظَةٍ عَلى ما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ؛ وكافِرَةٍ قَدْ نَبَذَتْهُ وراءَ ظَهْرِها؛ بِالمُجاهَرَةِ والشِّقاقِ؛ وأُخْرى مُذَبْذَبَةٍ بَيْنَهُما بِالمُخادَعَةِ؛ والنِّفاقِ؛ ونَعَتَ كُلَّ فِرْقَةٍ مِنها بِما لَها مِنَ النُّعُوتِ والأحْوالِ؛ وبَيَّنَ ما لَهم مِنَ المَصِيرِ والمَآلِ؛ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ عَلى نَهْجِ الِالتِفاتِ؛ هَزًّا لَهم إلى الإصْغاءِ؛ وتَوْجِيهًا لِقُلُوبِهِمْ نَحْوَ التَّلَقِّي؛ وجَبْرًا لِما في العِبادَةِ مِنَ الكُلْفَةِ بِلَذَّةِ الخِطابِ؛ فَأمَرَهم كافَّةً بِعِبادَتِهِ؛ ونَهاهم عَنِ الإشْراكِ بِهِ؛ و"يا" حَرْفٌ وُضِعَ لِنِداءِ البَعِيدِ؛ وقَدْ يُنادى بِهِ القَرِيبُ؛ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ البَعِيدِ؛ إمّا إجْلالًا؛ كَما في قَوْلِ الدّاعِي: "يا اللَّهُ"؛ و"يا رَبِّ"؛ وهو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ؛ اسْتِقْصارًا لِنَفْسِهِ؛ واسْتِبْعادًا لَها مِن مَحافِلِ الزُّلْفى؛ ومَنازِلِ المُقَرَّبِينَ؛ وإمّا تَنْبِيهًا عَلى غَفْلَتِهِ؛ وسُوءِ فَهْمِهِ؛ وقَدْ يُقْصَدُ بِهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ما يَعْقُبُهُ أمْرٌ خَطِيرٌ؛ يُعْتَنى بِشَأْنِهِ؛ و"أيُّ" اسْمٌ مُبْهَمٌ؛ جُعِلَ وصْلَةً إلى نِداءِ المُعَرَّفِ بِاللّامِ؛ لا عَلى أنَّهُ المُنادى أصالَةً؛ بَلْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ لَهُ؛ مُزِيلَةٌ لِإبْهامِهِ؛ والتُزِمَ رَفْعُهُ مَعَ انْتِصابِ مَوْصُوفِهِ مَحَلًّا؛ إشْعارًا بِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالنِّداءِ؛ وأُقْحِمَتْ بَيْنَهُما كَلِمَةُ التَّنْبِيهِ؛ تَأْكِيدًا لِمَعْنى النِّداءِ؛ وتَعْوِيضًا عَمّا يَسْتَحِقُّهُ "أيُّ" مِنَ المُضافِ إلَيْهِ؛ ولِما تَرى مِنَ اسْتِقْلالِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِضُرُوبٍ مِن أسْبابِ المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ كَثُرَ سُلُوكُها في التَّنْزِيلِ المَجِيدِ؛ كَيْفَ لا.. وكُلُّ ما ورَدَ في تَضاعِيفِهِ عَلى العِبادِ مِنَ الأحْكامِ؛ والشَّرائِعِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ خُطُوبٌ جَلِيلَةٌ؛ حَقِيقَةٌ بِأنْ تَقْشَعِرَّ مِنها الجُلُودُ؛ وتَطْمَئِنَّ بِها القُلُوبُ الأبِيَّةُ؛ ويَتَلَقَّوْها بِآذانٍ واعِيَةٍ؛ وأكْثَرَهم عَنْها غافِلُونَ؛ فاقْتَضى الحالُ المُبالَغَةَ؛ والتَّأْكِيدَ في الإيقاظِ والتَّنْبِيهِ؛ والمُرادُ بِالنّاسِ كافَّةُ المُكَلَّفِينَ المَوْجُودِينَ في ذَلِكَ العَصْرِ؛ لِما أنَّ الجُمُوعَ؛ وأسْماءَها المُحَلّاةَ بِاللّامِ لِلْعُمُومِ؛ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ مِنها؛ والتَّأْكِيدِ بِما يُفِيدُ العُمُومَ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾؛ واسْتِدْلالُ الصَّحابَةِ - رِضْوانُ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - بِعُمُومِها شائِعٌ ذائِعٌ؛ وأمّا مَن عَداهُمْ؛ مِمَّنْ سَيُوجَدُ مِنهُمْ؛ فَغَيْرُ داخِلِينَ في خِطابِ المُشافَهَةِ؛ وإنَّما دُخُولُهم تَحْتَ حُكْمِهِ؛ لِما تَواتَرَ مِن دِينِهِ ﷺ ضَرُورَةً؛ إنَّ مُقْتَضى خِطابِهِ وأحْكامِهِ شامِلٌ لِلْمَوْجُودِينَ مِنَ المُكَلَّفِينَ؛ ولِمَن سَيُوجَدُ مِنهم إلى قِيامِ السّاعَةِ؛ ولا يَقْدَحُ في العُمُومِ ما رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ؛ والحَسَنِ البَصْرِيِّ؛ مِن أنَّ كُلَّ ما نَزَلَ فِيهِ "يا أيُّها النّاسُ" فَهو مَكِّيٌّ؛ إذْ لَيْسَ مِن ضَرُورَةِ نُزُولِهِ بِمَكَّةَ - شَرَّفَها اللَّهُ (تَعالى) - اخْتِصاصُ حُكْمِهِ بِأهْلِها؛ ولا مِن قَضِيَّةِ اخْتِصاصِهِ بِهِمُ اخْتِصاصُهُ بِالكُفّارِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ كُلُّ أهْلِها حِينَئِذٍ كَفَرَةً؛ ولا ضَيْرَ في تَحَقُّقِ العِبادَةِ في بَعْضِ المُكَلَّفِينَ قَبْلَ وُرُودِ هَذا الأمْرِ؛ لِما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ القَدْرُ المُشْتَرَكُ الشّامِلُ لِإنْشاءِ العِبادَةِ؛ والثَّباتِ عَلَيْها؛ والزِّيادَةِ فِيها؛ مَعَ أنَّها مُتَكَرِّرَةٌ حَسَبَ تَكَرُّرِ أسْبابِها؛ ولا في انْتِفاءِ شَرْطِها في الآخَرِينَ مِنهُمْ؛ أعْنِي الإيمانَ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِها مُنْتَظِمٌ لِلْأمْرِ بِما لا تَتِمُّ إلّا بِهِ؛ وقَدْ عُلِمَ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةُ اشْتِراطِها بِهِ؛ فَإنَّ أمْرَ المُحْدِثِ بِالصَّلاةِ مُسْتَتْبِعٌ لِلْأمْرِ بِالتَّوَضِّي؛ لا مَحالَةَ؛ وقَدْ قِيلَ: المُرادُ بِالعِبادَةِ ما يَعُمُّ أفْعالَ القَلْبِ أيْضًا؛ لِما أنَّها عِبارَةٌ عَنْ غايَةِ التَّذَلُّلِ والخُضُوعِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ كُلَّ ما ورَدَ في القرآن مِنَ العِباداتِ مَعْناها التَّوْحِيدُ؛ وقِيلَ: مَعْنى "اعْبُدُوا": وحِّدُوا؛ وأطِيعُوا؛ ولا في كَوْنِ بَعْضٍ مِنَ الفِرْقَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ؛ مِمَّنْ لا يُجْدِي فِيهِمُ الإنْذارُ؛ بِمُوجِبِ النَّصِّ القاطِعِ؛ لِما أنَّ الأمْرَ لِقَطْعِ الأعْذارِ (p-59)لَيْسَ فِيهِ تَكْلِيفُهم بِما لَيْسَ في وُسْعِهِمْ مِنَ الإيمانِ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ أصْلًا؛ إذْ لا قَطْعَ لِأحَدٍ مِنهم بِدُخُولِهِ في حُكْمِ النَّصِّ قَطْعًا؛ ووُرُودُ النَّصِّ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ في أنْفُسِهِمْ - بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ - كَذَلِكَ؛ لا أنَّ كَوْنَهم كَذَلِكَ لِوُرُودِ النَّصِّ بِذَلِكَ؛ فَلا جَبْرَ أصْلًا؛ نَعَمْ.. لِتَخْصِيصِ الخِطابِ بِالمُشْرِكِينَ وجْهٌ لَطِيفٌ؛ سَنَقِفُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ وإيرادُهُ (تَعالى) بِعُنْوانِ الربوبية؛ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ؛ لِتَأْكِيدِ مُوجِبِ الأمْرِ بِالإشْعارِ بِعِلِّيَّتِها لِلْعِبادَةِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏: صِفَةٌ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - لِلتَّبْجِيلِ؛ والتَّعْلِيلِ إثْرَ التَّعْلِيلِ؛ وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُها لِلتَّقْيِيدِ؛ والتَّوْضِيحِ؛ بِناءً عَلى تَخْصِيصِ الخِطابِ بِالمُشْرِكِينَ؛ وحَمْلِ "الرَّبُّ" عَلى ما هو أعَمُّ مِنَ الرَّبِّ الحَقِيقِيِّ؛ والآلِهَةِ الَّتِي يُسَمُّونَها أرْبابًا. والخَلْقُ: إيجادُ الشَّيْءِ عَلى تَقْدِيرٍ واسْتِواءٍ؛ وأصْلُهُ التَّقْدِيرُ؛ يُقالُ: "خَلَقَ النَّعْلَ"؛ أيْ: قَدَّرَها وسَوّاها بِالمِقْياسِ؛ وقُرِئَ: "خَلَقْكُمْ"؛ بِإدْغامِ القافِ في الكافِ.

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏: عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ؛ ومُتَمِّمٌ لِما قُصِدَ مِنَ التَّعْظِيمِ والتَّعْلِيلِ؛ فَإنَّ خَلْقَ أُصُولِهِمْ مِن مُوجِباتِ العِبادَةِ؛ كَخَلْقِ أنْفُسِهِمْ؛ و"مِن" ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: كانُوا مِن زَمانٍ قَبْلَ زَمانِكُمْ؛ وقِيلَ: خَلَقَهم مِن قَبْلِ خَلْقِكُمْ؛ فَحُذِفَ "الخَلْقُ"؛ وأُقِيمَ الضَّمِيرُ مَكانَهُ؛ والمُرادُ بِهِمْ: مَن تَقَدَّمَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ كافَّةً؛ ومِن ضَرُورَةِ عُمُومِ الخِطابِ بَيانُ شُمُولِ خَلْقِهِ (تَعالى) لِلْكُلِّ؛ وتَخْصِيصُهُ بِالمُشْرِكِينَ يُؤَدِّي إلى عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِخَلْقِ مَن عَداهم مِن مُعاصِرِيهِمْ؛ وإخْراجُ الجُمْلَةِ مُخْرَجَ الصِّلَةِ الَّتِي حَقُّها أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الِانْتِسابِ إلى المَوْصُولِ عِنْدَهم أيْضًا؛ مَعَ أنَّهم غَيْرُ مُعْتَرِفِينَ بِغايَةِ الخَلْقِ؛ وإنِ اعْتَرَفُوا بِنَفْسِهِ؛ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ خَلْقَهم لِلتَّقْوى مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَتَأتّى لِأحَدٍ إنْكارُهُ؛ وقُرِئَ: "وَخَلَقَ مَن قَبْلَكُمْ"؛ وقُرِئَ: "والَّذِينَ مَن قَبْلَكُمْ"؛ بِإقْحامِ المَوْصُولِ الثّانِي بَيْنَ الأوَّلِ وصِلَتِهِ؛ تَوْكِيدًا؛ كَإقْحامِ اللّامِ بَيْنَ المُضافَيْنِ في "أبا لَكَ"؛ أوْ بِجَعْلِهِ مَوْصُوفًا بِالظَّرْفِ؛ خَبَرًا لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: الَّذِينَ هم أُناسٌ كائِنُونَ مِن قَبْلِكم.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏: المَعْنى الوَضْعِيُّ لِكَلِمَةِ "لَعَلَّ" هو إنْشاءُ تَوَقُّعِ أمْرٍ مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ الوُقُوعِ وعَدَمِهِ؛ مَعَ رُجْحانِ الأوَّلِ؛ إمّا مَحْبُوبٍ؛ فَيُسَمّى تَرَجِّيًا؛ أوْ مَكْرُوهٍ؛ فَيُسَمّى إشْفاقًا؛ وذَلِكَ المَعْنى قَدْ يُعْتَبَرُ تَحَقُّقُهُ بِالفِعْلِ إمّا مِن جِهَةِ المُتَكَلِّمِ؛ كَما في قَوْلِكَ: لَعَلَّ اللَّهَ يَرْحَمُنِي؛ وهو الأصْلُ الشّائِعُ في الِاسْتِعْمالِ؛ لِأنَّ مَعانِيَ الإنْشاءاتِ قائِمَةٌ بِهِ؛ وإمّا مِن جِهَةِ المُخاطَبِ؛ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ المُتَكَلِّمِ في التَّلَبُّسِ التّامِّ بِالكَلامِ الجارِي بَيْنَهُما؛ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏؛ وقَدْ يُعْتَبَرُ تَحَقُّقُهُ بِالقُوَّةِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ في نَفْسِهِ مَئِنَّةٌ لِلتَّوَقُّعِ؛ مُتَّصِفٌ بِحَيْثِيَّةٍ مُصَحِّحَةٍ لَهُ؛ مِن غَيْرِ أنْ يُعْتَبَرَ هُناكَ تَوَقُّعٌ بِالفِعْلِ مِن مُتَوَقَّعٍ أصْلًا؛ فَإنْ رُوعِيَتْ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ جِهَةُ المُتَكَلِّمِ يَسْتَحِيلُ إرادَةُ ذَلِكَ المَعْنى؛ لِامْتِناعِ التَّوَقُّعِ مِن عَلّامِ الغُيُوبِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَيُصارُ إمّا إلى الِاسْتِعارَةِ؛ بِأنْ يُشَبَّهَ طَلَبُهُ (تَعالى) مِن عِبادِهِ التَّقْوى؛ مَعَ كَوْنِهِمْ مَئِنَّةً لَها؛ لِتَعاضُدِ أسْبابِها؛ بِرَجاءِ الرّاجِي مِنَ المَرْجُوِّ مِنهُ أمْرًا هَيِّنَ الحُصُولِ؛ في كَوْنِ مُتَعَلِّقِ كُلٍّ مِنهُما مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الوُقُوعِ وعَدَمِهِ؛ مَعَ رُجْحانِ الأوَّلِ؛ فَيُسْتَعارُ لَهُ كَلِمَةُ "لَعَلَّ" اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً حَرْفِيَّةً؛ لِلْمُبالَغَةِ في الدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ الطَّلَبِ؛ وقُرْبِ المَطْلُوبِ مِنَ الوُقُوعِ؛ وإمّا إلى التَّمْثِيلِ؛ بِأنْ يُلاحَظَ خَلْقُهُ (تَعالى) إيّاهم مُسْتَعِدِّينَ لِلتَّقْوى؛ وطَلَبُهُ إيّاها مِنهُمْ؛ وهم مُتَمَكِّنُونَ مِنها؛ جامِعُونَ لِأسْبابِها؛ ويُنْتَزَعَ مِن ذَلِكَ هَيْئَةٌ؛ فَتُشَبَّهَ بِهَيْئَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِنَ الرّاجِي؛ ورَجائِهِ مِنَ المَرْجُوِّ مِنهُ شَيْئًا سَهْلَ المَنالِ؛ فَيُسْتَعْمَلَ في الهَيْئَةِ الأُولى ما حَقُّهُ أنْ يُسْتَعْمَلَ في الثّانِيَةِ؛ فَيَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ؛ قَدْ صُرِّحَ مِن ألْفاظِها بِما هو العُمْدَةُ في انْتِزاعِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها؛ أعْنِي كَلِمَةَ التَّرَجِّي؛ والباقِي مَنوِيٌّ بِألْفاظٍ مُتَخَيَّلَةٍ؛ بِها (p-60)

يَحْصُلُ التَّرْكِيبُ المُعْتَبَرُ في التَّمْثِيلِ؛ كَما مَرَّ مِرارًا؛ وأمّا جَعْلُ المُشَبَّهِ إرادَتَهُ (تَعالى) في الِاسْتِعارَةِ والتَّمْثِيلِ فَأمْرٌ مُؤَسَّسٌ عَلى قاعِدَةِ الِاعْتِزالِ؛ القائِلَةِ بِجَوازِ تَخَلُّفِ المُرادِ عَنْ إرادَتِهِ (تَعالى)؛ فالجُمْلَةُ حالٌ؛ إمّا مِن فاعِلِ "خَلَقَكُمْ"؛ أيْ: طالِبًا مِنكُمُ التَّقْوى؛ أوْ مِن مَفْعُولِهِ؛ وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ تَغْلِيبِ المُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ؛ لِأنَّهُمُ المَأْمُورُونَ بِالعِبادَةِ؛ أيْ: خَلَقَكم وإيّاهم مَطْلُوبًا مِنكُمُ التَّقْوى؛ أوْ عِلَّةٌ لَهُ؛ فَإنَّ خَلْقَهم عَلى تِلْكَ الحالِ في مَعْنى خَلْقِهِمْ لِأجْلِ التَّقْوى؛ كَأنَّهُ قِيلَ: خَلَقَكم لِتَتَّقُوا؛ أوْ: كَيْ تَتَّقُوا؛ إمّا بِناءً عَلى تَجْوِيزِ تَعْلِيلِ أفْعالِهِ (تَعالى) بِأغْراضٍ راجِعَةٍ إلى العِبادِ؛ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ؛ وإمّا تَنْزِيلًا لِتَرَتُّبِ الغايَةِ عَلى ما هي ثَمَرَةٌ لَهُ مَنزِلَةَ تَرَتُّبِ الغَرَضِ عَلى ما هو غَرَضٌ لَهُ؛ فَإنَّ اسْتِتْباعَ أفْعالِهِ (تَعالى) لِغاياتٍ ومَصالِحَ مُتْقَنَةٍ جَلِيلَةٍ؛ مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ هي عِلَّةً غائِيَّةً لَها؛ بِحَيْثُ لَوْلاها لَما أُقْدِمَ عَلَيْها؛ مِمّا لا نِزاعَ فِيهِ؛ وتَقْيِيدُ خَلْقِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ الحالِ؛ أوِ العِلَّةِ لِتَكْمِيلِ عِلِّيَّتِهِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ؛ وتَأْكِيدِها؛ فَإنَّ إتْيانَهم بِما خُلِقُوا لَهُ أدْخَلُ في الوُجُوبِ؛ وإيثارُ "تَتَّقُونَ" عَلى "تَعْبُدُونَ"؛ مَعَ مُوافَقَتِهِ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ العِبادَةِ؛ والتَّشْدِيدِ في إلْزامِها؛ لِما أنَّ التَّقْوى قُصارى أمْرِ العابِدِ؛ ومُنْتَهى جُهْدِهِ؛ فَإذا لَزِمَتْهُمُ التَّقْوى كانَ ما هو أدْنى مِنها ألْزَمَ؛ والإتْيانُ بِهِ أهْوَنَ؛ وإنْ رُوعِيَتْ جِهَةُ المُخاطَبِ فَـ "لَعَلَّ" في مَعْناها الحَقِيقِيِّ؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "اعْبُدُوا"؛ كَأنَّهُ قِيلَ: اعْبُدُوا رَبَّكم راجِينَ لِلِانْتِظامِ في زُمْرَةِ المُتَّقِينَ الفائِزِينَ بِالهُدى والفَلاحِ؛ عَلى أنَّ المُرادَ بِالتَّقْوى مَرْتَبَتُها الثّالِثَةُ؛ الَّتِي هي التَّبَتُّلُ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِالكُلِّيَّةِ؛ والتَّنَزُّهُ عَنْ كُلِّ ما يَشْغَلُ سِرَّهُ عَنْ مُراقَبَتِهِ؛ وهي أقْصى غاياتِ العِبادَةِ؛ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ؛ وبِالِانْتِظامِ القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ إنْشائِهِ والثَّباتِ عَلَيْهِ؛ لِيَرْتَجِيَهُ أرْبابُ هَذِهِ المَرْتَبَةِ؛ وما دُونَها مِن مَرْتَبَتَيِ التَّوَقِّي عَنِ العَذابِ المُخَلَّدِ؛ والتَّجَنُّبِ عَنْ كُلِّ ما يُؤَثِّمُ مِن فِعْلٍ؛ أوْ تَرْكٍ؛ كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ "المُتَّقِينَ"؛ ولَعَلَّ تَوْسِيطَ الحالِ مِنَ الفاعِلِ بَيْنَ وصْفَيِ المَفْعُولِ لِما في التَّقْدِيمِ مِن فَواتِ الإشْعارِ بِكَوْنِ الوَصْفِ الأوَّلِ مُعْظَمَ أحْكامِ الربوبية؛ وكَوْنِهِ عَرِيقًا في إيجابِ العِبادَةِ؛ وفي التَّأْخِيرِ مِن زِيادَةِ طُولِ الكَلامِ؛ هَذا عَلى تَقْدِيرِ اعْتِبارِ تَحَقُّقِ التَّوَقُّعِ بِالفِعْلِ؛ فَأمّا إنِ اعْتُبِرَ تَحَقُّقُهُ بِالقُوَّةِ فالجُمْلَةُ حالٌ مِن مَفْعُولِ "خَلَقَكُمْ"؛ وما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى الطَّرِيقَةِ المَذْكُورَةِ؛ أيْ: خَلَقَكم وإيّاهم حالَ كَوْنِكم جَمِيعًا؛ بِحَيْثُ يَرْجُو مِنكم كُلُّ راجٍ أنْ تَتَّقُوا؛ فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - لَمّا بَرَأهم مُسْتَعِدِّينَ لِلتَّقْوى؛ جامِعِينَ لِمَبادِيها الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ كانَ حالُهم بِحَيْثُ يَرْجُو مِنهم كُلُّ راجٍ أنْ يَتَّقُوا لا مَحالَةَ؛ وهَذِهِ الحالَةُ مُقارِنَةٌ لِخَلْقِهِمْ؛ وإنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الرَّجاءُ قَطْعًا؛ واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ - مَعَ كَوْنِها بِعِبارَتِها ناطِقَةً بِوُجُوبِ تَوْحِيدِهِ (تَعالى)؛ وتُحَتِّمُ عِبادَتَهُ عَلى كافَّةِ النّاسِ - مُرْشِدَةٌ لَهم بِإشارَتِها إلى أنَّ مُطالَعَةَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ المَنصُوبَةِ في الأنْفُسِ؛ والآفاقِ؛ ومِمّا يَقْضِي بِذَلِكَ قَضاءً مُتْقَنًا؛ وقَدْ بَيَّنَ فِيها أوَّلًا مِن تِلْكَ الآياتِ ما يَتَعَلَّقُ بِأنْفُسِهِمْ مِن خَلْقِهِمْ وخَلْقِ أسْلافِهِمْ؛ لِما أنَّهُ أقْوى شَهادَةً؛ وأظْهَرُ دَلالَةً؛ ثُمَّ عَقَّبَ بِما يَتَعَلَّقُ بِمَعاشِهِمْ؛ فَقِيلَ:

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

[He] who made for you the earth a bed [spread out] and the sky a ceiling and sent down from the sky, rain and brought forth thereby fruits as provision for you. So do not attribute to Allah equals while you know [that there is nothing similar to Him].

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏؛ وهو في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ "رَبَّكُمْ"؛ مُوَضِّحَةٌ؛ أوْ مادِحَةٌ؛ أوْ عَلى تَقْدِيرِ "أخُصُّ"؛ أوْ "أمْدَحُ"؛ أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ (p-61)عَلى المَدْحِ والتَّعْظِيمِ؛ بِتَقْدِيرِ المُبْتَدَإ؛ قالَ ابْنُ مالِكٍ: التُزِمَ حَذْفُ الفِعْلِ في المَنصُوبِ عَلى المَدْحِ؛ إشْعارًا بِأنَّهُ إنْشاءٌ؛ كَما في المُنادى؛ وحَذْفُ المُبْتَدَإ في المَرْفُوعِ إجْراءً لِلْوَجْهَيْنِ عَلى سَنَنٍ واحِدٍ؛ وأمّا كَوْنُهُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ "فَلا تَجْعَلُوا"؛ كَما قِيلَ؛ فَيَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ مَناطُ النَّهْيِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ فَقَطْ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِما سَلَفَ مِن خَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن قَبْلَهم مُدْخَلٌ في ذَلِكَ؛ مَعَ كَوْنِهِ أعْظَمَ شَأْنًا. و"جَعَلَ" بِمَعْنى "صَيَّرَ"؛ والمَنصُوبانِ بَعْدَهُ مَفْعُولاهُ؛ وقِيلَ: هو بِمَعْنى "خَلَقَ"؛ وانْتِصابُ الثّانِي عَلى الحالِيَّةِ؛ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ؛ وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ؛ بِبَيانِ كَوْنِ ما يَعْقُبُهُ مِن مَنافِعِ المُخاطَبِينَ؛ ولِلتَّشْوِيقِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ النَّفْسَ عِنْدَ تَأْخِيرِ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ - لا سِيَّما بَعْدَ الإشْعارِ بِمَنفَعَتِهِ - مُتَرَقِّبَةٌ لَهُ؛ فَيَتَمَكَّنُ لَدَيْها عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْها أفْضَلَ تَمَكُّنٍ؛ أوْ لِما في المُؤَخَّرِ؛ وما عُطِفَ عَلَيْهِ؛ مِن نَوْعِ طُولٍ؛ فَلَوْ قُدِّمَ لَفاتَ تَجاوُبُ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ ومَعْنى جَعَلَها فِراشًا: جَعَلَ بَعْضَها بارِزًا مِنَ الماءِ - مَعَ اقْتِضاءِ طَبْعِها الرُّسُوبَ -؛ وجَعَلَها مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ الصَّلابَةِ واللِّينِ؛ صالِحَةً لِلْقُعُودِ عَلَيْها؛ والنَّوْمِ فِيها؛ كالبِساطِ المَفْرُوشِ؛ ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ ذَلِكَ كَوْنُها سَطْحًا حَقِيقِيًّا؛ فَإنَّ كُرِّيَّةَ شَكْلِها - مَعَ عِظَمِ جِرْمِها - مُصَحِّحَةٌ لِافْتِراشِها؛ وقُرِئَ: "بِساطًا"؛ و"مِهادًا"؛ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏: عَطْفٌ عَلى المَفْعُولَيْنِ السّابِقَيْنِ؛ وتَقْدِيمُ حالِ الأرْضِ لِما أنَّ احْتِياجَهم إلَيْها وانْتِفاعَهم بِها أكْثَرُ؛ وأظْهَرُ؛ أيْ جَعْلَها قُبَّةً مَضْرُوبَةً عَلَيْكُمْ؛ و"السَّماءُ" اسْمُ جِنْسٍ؛ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ؛ والمُتَعَدِّدِ؛ أوْ جَمْعُ "سَماوَةٌ"؛ أوْ "سِماءَةٌ"؛ و"البِناءُ" في الأصْلِ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَبْنِيُّ؛ بَيْتًا كانَ أوْ قُبَّةً أوْ خِباءً؛ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "بَنى عَلى امْرَأتِهِ"؛ لِما أنَّهم كانُوا إذا تَزَوَّجُوا امْرَأةً ضَرَبُوا عَلَيْها خِباءً جَدِيدًا.

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏: عَطْفٌ عَلى "جَعَلَ"؛ أيْ: أنْزَلَ مِن جِهَتِها؛ أوْ مِنها؛ إلى السَّحابِ؛ ومِنَ السَّحابِ إلى الأرْضِ؛ كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ أوِ المُرادُ بِـ "السَّماءِ" جِهَةُ العُلُوِّ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ وهو عَلى الأوَّلَيْنِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ؛ و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أنْزَلَ"؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ؛ أيْ كائِنًا مِنَ السَّماءِ؛ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً؛ وأمّا تَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ - مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّأْخِيرُ عَنِ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ - فَإمّا لِأنَّ السَّماءَ أصْلُهُ ومَبْدَؤُهُ؛ وإمّا لِما مَرَّ مِنَ التَّشْوِيقِ إلَيْهِ؛ مَعَ ما فِيهِ مِن مَزِيدِ انْتِظامٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏‏‏‏ ‏‏‏؛ أيْ بِسَبَبِ الماءِ؛ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏؛ وذَلِكَ بِأنْ أوْدَعَ في الماءِ قُوَّةً فاعِلَةً؛ وفي الأرْضِ قُوَّةً مُنْفَعِلَةً؛ فَتَوَلَّدَ مِن تَفاعُلِهِما أصْنافُ الثِّمارِ؛ أوْ بِأنْ أجْرى عادَتَهُ بِإفاضَةِ صُوَرِ الثِّمارِ؛ وكَيْفِيَّتِها المُتَخالِفَةِ عَلى المادَّةِ المُمْتَزِجَةِ مِنهُما؛ وإنْ كانَ المُؤَثِّرُ - في الحَقِيقَةِ - قدرته (تَعالى)؛ ومَشِيئَتَهُ؛ فَإنَّهُ (تَعالى) قادِرٌ عَلى أنْ يُوجِدَ جَمِيعَ الأشْياءِ بِلا مَبادٍ؛ ومَوادَّ؛ كَما أبْدَعَ نُفُوسَ المَبادِي؛ والأسْبابَ؛ لَكِنْ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - في إنْشائِها مُتَقَلِّبَةً في الأحْوالِ؛ ومُتَبَدِّلَةً في الأطْوارِ؛ مِن بَدائِعِ حِكَمٍ باهِرَةٍ؛ تُجَدِّدُ لِأُولِي الأبْصارِ عِبَرًا؛ ومَزِيدَ طُمَأْنِينَةٍ إلى عَظِيمِ قدرته؛ ولَطِيفِ حِكْمَتِهِ؛ ما لَيْسَ في إبْداعِها بَغْتَةً؛ و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ﴾؛ ولِوُقُوعِها بَيْنَ مُنَكَّرَيْنِ؛ أعْنِي: "ماءً"؛ و"رِزْقًا"؛ كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ بَعْضَ الماءِ؛ فَأخْرَجَ بِهِ بَعْضَ الثَّمَراتِ؛ لِيَكُونَ بَعْضَ رِزْقِكُمْ؛ وهَكَذا الواقِعُ؛ إذْ لَمْ يُنَزِّلْ مِنَ السَّماءِ كُلَّ الماءِ؛ ولا أخْرَجَ مِنَ الأرْضِ كُلَّ الثَّمَراتِ؛ ولا جَعَلَ كُلَّ المَرْزُوقِ ثِمارًا؛ أوْ لِلتَّبْيِينِ؛ و"رِزْقًا" مَفْعُولٌ؛ بِمَعْنى "المَرْزُوقُ"؛ و"مِنَ الثَّمَراتِ" بَيانٌ لَهُ؛ أوْ حالٌ مِنهُ؛ كَقَوْلِكَ: أنْفَقْتُ مِنَ الدَّراهِمِ ألْفًا؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "مِنَ الثَّمَراتِ" مَفْعُولًا؛ و"رِزْقًا" حالًا مِنهُ؛ أوْ مَصْدَرًا مِن "أخْرَجَ"؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى "رَزَقَ"؛ وإنَّما شاعَ وُرُودُ الثَّمَراتِ؛ دُونَ الثِّمارِ؛ مَعَ أنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ (p-62)كَثْرَةٍ؛ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِالثَّمَراتِ جَماعَةُ الثَّمَرَةِ؛ في قَوْلِكَ: أدْرَكْتُ ثَمَرَةَ بُسْتانِهِ؛ ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ عَلى التَّوْحِيدِ؛ أوْ لِأنَّ الجُمُوعَ يَقَعُ بَعْضُها مَوْقِعَ بَعْضٍ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أوْ لِأنَّها مُحَلّاةٌ بِاللّامِ؛ خارِجَةٌ عَنْ حَدِّ القِلَّةِ؛ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ؛ وقَعَ صِفَةً لِـ "رِزْقًا"؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ المَرْزُوقَ؛ أيْ: رِزْقًا كائِنًا لَكُمْ؛ أوْ دِعامَةٌ لِتَقْوِيَةِ عَمَلِ "رِزْقًا"؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَصْدَرًا؛ كَأنَّهُ قِيلَ: رِزْقًا إيّاكم.

‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏: إمّا مُتَعَلِّقٌ بِالأمْرِ السّابِقِ؛ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا أُمِرْتُمْ بِعِبادَةِ مَن هَذا شَأْنُهُ مِنَ التَّفَرُّدِ بِهَذِهِ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ؛ والأفْعالِ الجَمِيلَةِ؛ فَلا تَجْعَلُوا لَهُ شَرِيكًا؛ وإنَّما قِيلَ: "أنْدادًا" بِاعْتِبارِ الواقِعِ؛ لا لِأنَّ مَدارَ النَّهْيِ هو الجَمْعِيَّةُ؛ وقُرِئَ: "نِدًّا"؛ وإيقاعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ لِتَعْيِينِ المَعْبُودِ بِالذّاتِ؛ إثْرَ تَعْيِينِهِ بِالصِّفاتِ؛ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِوَصْفِ الأُلُوهِيَّةِ؛ الَّتِي عَلْيَها يَدُورُ أمْرُ الوَحْدانِيَّةِ؛ واسْتِحالَةِ الشَّرِكَةِ؛ والإيذانِ بِاسْتِتْباعِها لِسائِرِ الصِّفاتِ؛ وإمّا مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏؛ والفاءُ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ ما قَبْلَها مِنَ الصِّفاتِ المُجْراةِ عَلَيْهِ (تَعالى)؛ لِلنَّهْيِ؛ أوْ الِانْتِهاءِ؛ أوْ لِأنَّ مَآلَ النَّهْيِ هو الأمْرُ بِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ (تَعالى)؛ المُتَرَتِّبُ عَلى أصْلِها؛ كَأنَّهُ قِيلَ: اعْبُدُوهُ فَخُصُّوها بِهِ؛ والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِما مَرَّ آنِفًا؛ وقِيلَ: هو نَفْيٌ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ "أنْ" جَوابًا لِلْأمْرِ؛ ويَأْباهُ أنَّ ذَلِكَ فِيما يَكُونُ الأوَّلُ سَبَبًا لِلثّانِي؛ ولا رَيْبَ في أنَّ العِبادَةَ لا تَكُونُ سَبَبًا لِلتَّوْحِيدِ؛ الَّذِي هو أصْلُها ومَبْناها؛ وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِـ "لَعَلَّ" نَصْبَ "فَأطَّلِعَ" في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾؛ أيْ: خَلَقَكم لِتَتَّقُوا وتَخافُوا عِقابَهُ؛ فَلا تُشَبِّهُوهُ بِخَلْقِهِ؛ وحَيْثُ كانَ مَدارُ هَذا النَّصْبِ تَشْبِيهَ "لَعَلَّ" في بُعْدِ المَرْجُوِّ بِـ "لَيْتَ" كانَ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى تَقْصِيرِهِمْ؛ بِجَعْلِهِمُ المَرْجُوَّ القَرِيبَ بِمَنزِلَةِ المُتَمَنّى البَعِيدِ؛ وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏‏ ‏‏‏ "؛ إلَخْ.. عَلى تَقْدِيرِ رَفْعِهِ عَلى المَدْحِ؛ أيْ: هو الَّذِي حَفَّكم بِهَذِهِ الآياتِ العِظامِ؛ والدَّلائِلِ النَّيِّرَةِ؛ فَلا تَتَّخِذُوا لَهُ شُرَكاءَ؛ وفِيهِ ما مَرَّ مِن لُزُومِ كَوْنِ خَلْقِهِمْ وخَلْقِ أسْلافِهِمْ بِمَعْزِلٍ مِن مَناطِيَةِ النَّهْيِ؛ مَعَ عَراقَتِهِما فِيها؛ وقِيلَ: هو خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ؛ بِتَأْوِيلِ مَقُولٍ في حَقِّهِ؛ وقَدْ عَرَفْتَ ما فِيهِ؛ مَعَ لُزُومِ المَصِيرِ إلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في تَنْزِيلِ الِاسْمِ الظّاهِرِ مَنزِلَةَ الضَّمِيرِ؛ كَما في قَوْلِكَ: زَيْدٌ قامَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ؛ إذا كانَ ذَلِكَ كُنْيَتَهُ. و"النِّدُّ": المِثْلُ المُساوِي؛ مِن "نَدَّ؛ نُدُودًا"؛ إذا نَفَرَ؛ و"نادَدْتُهُ": خالَفْتُهُ؛ خُصَّ بِالمُخالِفِ المُماثِلِ بِالذّاتِ؛ كَما خُصَّ المُساوِي بِالمُماثِلِ في المِقْدارِ؛ وتَسْمِيَةُ ما يَعْبُدُهُ المُشْرِكُونَ مِن دُونِ اللَّهِ "أنْدادًا" - والحالُ أنَّهم ما زَعَمُوا أنَّها تُماثِلُهُ (تَعالى) في صِفاتِهِ؛ ولا أنَّها تُخالِفُهُ في أفْعالِهِ - لِما أنَّهم لَمّا تَرَكُوا عِبادَتَهُ (تَعالى) إلى عِبادَتِها؛ وسَمَّوْها آلِهَةً؛ شابَهَتْ حالُهم حالَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّها ذَواتٌ واجِبَةٌ بِالذّاتِ؛ قادِرَةٌ عَلى أنْ تَدْفَعَ عَنْهم بَأْسَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وتَمْنَحَهم ما لَمْ يُرِدِ اللَّهُ (تَعالى) بِهِمْ مِن خَيْرٍ؛ فَتَهَكَّمَ بِهِمْ؛ وشَنَّعَ عَلَيْهِمْ أنْ جَعَلُوا أنْدادًا لِمَن يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ لَهُ نِدٌّ واحِدٌ؛ وفي ذَلِكَ قالَ مُوَحِّدُ الجاهِلِيَّةِ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:

؎ أرَبًّا واحِدًا أمْ ألْفَ رَبٍّ ∗∗∗ أدِينُ إذا تَقَسَّمَتِ الأُمُورُ

؎ تَرَكْتُ اللّاتَ والعُزّى جَمِيعًا ∗∗∗ كَذَلِكَ يَفْعَلُ الرَّجُلُ البَصِيرُ

وَقَوْلُهُ (تَعالى): ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏: حالٌ مِن ضَمِيرِ "لا تَجْعَلُوا"؛ بِصَرْفِ التَّقْيِيدِ إلى ما أفادَهُ النَّهْيُ مِن قُبْحِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ ووُجُوبِ الِاجْتِنابِ عَنْهُ؛ ومَفْعُولُ "تَعْلَمُونَ" مَطْرُوحٌ بِالكُلِّيَّةِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَجْعَلُوا ذَلِكَ؛ فَإنَّهُ قَبِيحٌ؛ واجِبُ الِاجْتِنابِ عَنْهُ؛ والحالُ أنَّكم مِن أهْلِ العِلْمِ بِدَقائِقِ الأُمُورِ؛ وإصابَةِ الرَّأْيِ؛ أوْ مُقَدَّرٌ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ نَحْوَ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ بُطْلانَ ذَلِكَ؛ أوْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يُماثِلُهُ شَيْءٌ؛ أوْ تَعْلَمُونَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَها مِنَ التَّفاوُتِ؛ أوْ (p-63)

تَعْلَمُونَ أنَّها لا تَفْعَلُ مِثْلَ أفْعالِهِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ وحاصِلُهُ تَنْشِيطُ المُخاطَبِينَ؛ وحَثُّهم عَلى الِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ؛ هَذا الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ عُمُومُ الخِطابِ في النَّهْيِ؛ بِجَعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ القَدْرَ المُشْتَرَكَ المُنْتَظِمَ لِإنْشاءِ الِانْتِهاءِ؛ كَما هو المَطْلُوبُ مِنَ الكَفَرَةِ؛ ولِلثَّباتِ عَلَيْهِ؛ كَما هو شَأْنُ المُؤْمِنِينَ؛ حَسْبَما مَرَّ مِثْلُهُ في الأمْرِ؛ وأمّا صَرْفُ التَّقْيِيدِ إلى نَفْسِ النَّهْيِ فَيَسْتَدْعِي تَخْصِيصَ الخِطابِ بِالكَفَرَةِ لا مَحالَةَ؛ إذْ لا يَتَسَنّى ذَلِكَ بِطَرِيقِ قَصْرِ النَّهْيِ عَلى حالَةِ العِلْمِ؛ ضَرُورَةَ شُمُولِ التَّكْلِيفِ لِلْعالِمِ والجاهِلِ المُتَمَكِّنِ مِنَ العِلْمِ؛ بَلْ إنَّما يَتَأتّى بِطَرِيقِ المُبالَغَةِ في التَّوْبِيخِ؛ والتَّقْرِيعِ؛ بِناءً عَلى أنَّ تَعاطِيَ القَبائِحِ مِنَ العالِمِينَ بِقُبْحِها أقْبَحُ؛ وذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ في حَقِّ الكَفَرَةِ؛ فَمَن صَرَفَ التَّقْيِيدَ إلى نَفْسِ النَّهْيِ مَعَ تَعْمِيمِ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا فَقَدْ نَأى عَنِ التَّحْقِيقِ؛ إنْ قُلْتَ: ألَيْسَ في تَخْصِيصِهِ بِالكَفَرَةِ في الأمْرِ والنَّهْيِ خَلاصٌ مِن أمْثالِ ما مَرَّ مِنَ التَّكَلُّفاتِ؛ وحُسْنُ انْتِظامٍ بَيْنَ السِّباقِ والسِّياقِ - إذْ لا مَحِيدَ في آيَةِ التَّحَدِّي مِن تَجْرِيدِ الخِطابِ؛ وتَخْصِيصِهِ بِالكَفَرَةِ لا مَحالَةَ؛ مَعَ ما فِيهِ مِن رِباءٍ؛ مَحَلَّ المُؤْمِنِينَ؛ ورَفْعِ شَأْنِهِمْ عَنْ جَبْرِ الِانْتِظامِ في سِلْكِ الكَفَرَةِ؛ والإيذانِ بِأنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الطّاعَةِ والعِبادَةِ؛ حَسْبَما مَرَّ في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ؛ مُسْتَغْنُونَ في ذَلِكَ عَنِ الأمْرِ والنَّهْيِ - قُلْتُ: بَلى؛ إنَّهُ وجْهٌ سَرِيٌّ؛ ونَهْجٌ سَوِيٌّ؛ لا يَضِلُّ مَن ذَهَبَ إلَيْهِ؛ ولا يَزِلُّ مَن ثَبَّتَ قَدَمَهُ عَلَيْهِ؛ فَتَأمَّلْ.

Reading a passage 3 ayat 5 ayat 10 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

Al-Baqarah 2:13