(p-٢٩٩)ولَمّا ظَهَرَتِ الأدِلَّةُ [حَتّى] لَمْ يَبْقَ لِأحَدٍ عِلَّةٌ، وانْتَشَرَ نُورُها حَتّى مَلَأ الأكْوانَ، وعَلا عُلُوًّا تَضاءَلَ دُونَ عَلْيائِهِ كِيوانُ، وكانَ فِيما تَقَدَّمَ شَرْحُ مَآلِ الدُّنْيا وبَيانُ حَقِيقَتِها، وأنَّ الآدَمِيَّ إذا خُلِّيَ ونَفْسَهُ ارْتَكَبَ ما لا يَلِيقُ مِنَ التَّفاخُرِ وما شاكَلَهُ وتَرَكَ ما يُرادُ بِهِ مِمّا دُعِيَ إلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ جَهْلًا مِنهُ وانْقِيادًا مَعَ طَبْعِهِ، وكانَ خَتْمُ الآيَةِ السّابِقَةِ رُبَّما أوْهَمَ المُشارَكَةَ، قالَ تَعالى نافِيًا ذَلِكَ في جَوابِ مَن تَوَقَّعَ الإخْبارَ عَنْ سائِرِ الأنْبِياءِ: هو أُوتُوا مِنَ البَيانِ ما أزالَ اللَّبْسَ، مُؤَكِّدًا لِإزالَةِ العُذْرِ بِإقامَةِ الحُجَجِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ بِالمُعْجِزاتِ الحاضِرَةِ والكُتُبِ الباقِيَةِ، مُعْلِمًا أنَّ مَن أعْرَضَ كُلِّفَ الإقْبالَ بِالسَّيْفِ، فَإنَّ الحَكِيمَ العَظِيمَ تَأْبى عَظْمَتُهُ وحِكْمَتُهُ أنْ يُخْلِيَ المُعْرِضَ عَنْ بَيِّنَةٍ تَرُدُّهُ عَمّا هو فِيهِ، وقَسْرٍ يَكْفِيهِ عَمّا يُطْغِيهِ: ﴿ ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿﴾ أيِ الَّذِينَ لَهم نِهايَةُ الإجْلالِ بِما لَهم بِنا مِنَ الِاتِّصالِ مِنَ المَلائِكَةِ إلى الأنْبِياءِ عَلى جَمِيعِهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ [والتَّحِيَّةِ] والإكْرامِ، ومِنَ الأنْبِياءِ إلى الأُمَمِ ﴿﴾ أيِ المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ في الحالِ لِكَوْنِها لا لَبْسَ فِيها أصْلًا، ودَلَّ عَلى عَظَمَةِ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّهم لِعُلُوِّ مَقاماتِهِمْ بِالإرْسالِ كَأنَّهم أتَوْا إلى العِبادِ مِن مَوْضِعٍ عالٍ جِدًّا فَقالَ: ﴿﴾ بِعَظَمَتِنا (p-٣٠٠)الَّتِي لا شَيْءَ أعْلى مِنها ﴿ ﴾ أيِ الحافِظَ في زَمَنِ الِاسْتِقْبالِ في الأحْكامِ والشَّرائِعِ.
ولَمّا كانَ فَهْمُ الكِتابِ رُبَّما أشْكَلَ فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى ذِهْنٍ صَقِيلٍ وفِكْرٍ طَوِيلٍ، وصَبْرٍ كَبِيرٍ وعِلْمٍ كَثِيرٍ - قالَ الرّازِيُّ: وبِهَذا [قِيلَ]: لَوْلا الكِتابُ لَأصْبَحَ العَقْلُ [حائِرًا ولَوْلا العَقْلُ - ] لَمْ يُنْتَفَعْ بِالكِتابِ،- عَقَّبَهُ بِما يَشْتَرِكُ في مَعْرِفَتِهِ الكَبِيرُ والصَّغِيرُ، والجاهِلُ والنِّحْرِيرُ، وهو أقْرَبُ الأشْياءِ إلى الكِتابِ في العِلْمِ بِمُطابَقَةِ الواقِعِ لِما يُرادُ فَقالَ: ﴿﴾ أيِ العَدْلَ والحِكْمَةَ، ولَعَلَّهُ كُلُّ ما يَقَعُ بِهِ التَّقْدِيرُ حِسًّا أوْ مَعْنًى، وتَعْقِيبُهُ بِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ عَدَمَ زَيْغِهِ لِعَدَمِ حَظٍّ ونَحْوِهِ، فَمَن حَكَّمَ الكِتابَ خالِيًا عَنْ حَظِّ نَفْسٍ وصَلَ إلى المَقْصُودِ ﴿ ﴾ أيِ الَّذِينَ فِيهِمْ قابِلِيَّةُ التَّحَرُّكِ إلى المَعالِي كُلُّهم ﴿﴾ أيِ العَدْلِ الَّذِي لا مَزِيدَ عَلَيْهِ لِانْتِظامِ جَمِيعِ أحْوالِهِمْ،[ هَذا] لِمَن أذْعَنَ لِلْبَيِّناتِ لِذاتِ مَن أقامَها أوْ لِلرَّغْبَةِ فِيها عِنْدَهُ.
ولَمّا كانَ الإعْراضُ بَعْدَ الإبْلاغِ في الإيضاحِ مُوجِبًا لِلرَّدِّ عَنِ الفَسادِ بِأنْواعِ الجِهادِ، قالَ مُهَدِّدًا ومُمْتَنًّا تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا مُعَبِّرًا عَنِ الخَلْقِ بِالإنْزالِ تَشْرِيفًا وتَعْظِيمًا: ﴿﴾ أيْ خَلَقْنا خَلْقًا عَظِيمًا بِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ ﴿﴾ أيِ المَعْرُوفَ عَلى وجْهٍ مِنَ القُوَّةِ والصَّلابَةِ (p-٣٠١)واللِّينِ والحِدَّةِ لِقَبُولِ التَّأْثِيرِ يُعَدُّ بِهِ كالبائِنِ لِما في الأرْضِ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ إيجادُهُ إنْزالًا، ولِأنَّ الأوامِرَ بِالإيجادِ والإعْدامِ تُنْزَلُ مِنَ السَّماءِ عَلى أيْدِي المَلائِكَةِ لِأنَّ السَّماءَ مَحَلُّ الحَوادِثِ الكِبارِ، والبَدائِعِ والأسْرارِ، لِأنَّ الماءَ الَّذِي هو أصْلُهُ [وأصْلُ] كُلِّ نامٍ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وتَكُونُ الأرْضُ لَهُ بِمَنزِلَةِ الرَّحِمِ لِلنُّطْفَةِ.
ولَمّا وقَعَ التَّشَوُّفُ إلى سَبَبِ إنْزالِهِ، قالَ: ﴿ ﴾ أيْ قُوَّةٌ وشِدَّةٌ وعَذابٌ ﴿﴾ لِما فِيهِ مِنَ الصَّلابَةِ المُلائِمَةِ لِلْمَضاءِ والحِدَّةِ ﴿ ﴾ بِما يُعْمَلُ مِنهُ مِن مَرافِقِهِمْ ومَعاوِنِهِمْ لِتَقُومَ أحْوالُهم بِذَلِكَ، قالَ البَيْضاوِيُّ: ما مِن صَنْعَةٍ إلّا والحَدِيدُ آلَتُها. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَعْصِيهِ ويَخْذُلُ أوْلِياءَهُ، بِوَضْعِ بَأْسِهِ في غَيْرِ ما أمَرَ بِهِ نُصْرَةً لِشَيْطانِهِ وهَواهُ وافْتِنانِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ عِلْمَ شَهادَةٍ لِأجْلِ إقامَةِ الحُجَّةِ بِما يَلِيقُ بِعُقُولِ الخَلْقِ فَيَكُونُ الجَزاءُ عَلى العَمَلِ لا عَلى العِلْمِ، وأوْقَعَ ضَمِيرَ الدِّينِ [عَلَيْهِ] سُبْحانَهُ تَعْظِيمًا لَهُ لِأنَّهُ شارِعُهُ فَقالَ: ﴿ ﴾ أيْ يُقْبِلُ مُجِدًّا عَلى الِاسْتِمْرارِ عَلى نَصْرِ دِينِهِ ﴿﴾ بِالذَّبِّ عَنْهم والدُّعاءِ إلَيْهِمْ، كائِنًا ذَلِكَ النَّصْرُ ﴿﴾ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، [أيْ] بِسَبَبِ تَصْدِيقِ (p-٣٠٢)النّاصِرِ لِما غابَ عَنْهُ مِن ذَلِكَ، أوْ غائِبًا عَنْ كُلِّ ما أوْجَبَ لَهُ النُّصْرَةَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: يَنْصُرُونَهُ ولا يُبْصِرُونَهُ - انْتَهى. فَلَمْ يَدَعْ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ لِأحَدٍ عُذْرًا بِالرُّسُلِ الَّذِينَ هُمُ الجِنْسُ مَعَ تَأْيِيدِهِمْ بِما يَنْفِي عَنْهُمُ اللَّبْسَ، والكِتابِ العالِي عَنْ كَلامِ الخَلْقِ، والعَقْلِ الَّذِي عَرَفَ العَدْلَ، والسِّلاحِ الَّذِي يَرُدُّ أُولِي الجَهْلِ، كَما قالَ ﷺ:
«بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ بِالسَّيْفِ» فَبَيانُ الشَّرائِعِ بِالكِتابِ، وتَقْوِيمُ أبْوابِ العَدْلِ بِالمِيزانِ، وتَنْفِيذُ هَذِهِ المَعانِي بِالسَّيْفِ، فَإنَّ مَصالِحَ الدِّينِ مِن غَيْرِ هَيْبَةِ السُّلْطانِ لا يُمْكِنُ رِعايَتُها، فالمَلِكُ والدِّينُ تَوْأمانِ، فالدِّينُ بِلا مَلِكٍ ضائِعٌ، والمَلِكُ مِن غَيْرِ دِينٍ باطِلٌ، والسُّلْطانُ ظِلُّ اللَّهِ في الأرْضِ، فَظَواهِرُ الكِتابِ لِلْعَوامِّ، ووَزْنُ مَعارِفِهِ لِأهْلِ الحَقائِقِ بِالمِيزانِ، ومَن خَرَجَ عَنِ الطّائِفَتَيْنِ فَلَهُ الحَدِيدُ وهو السَّيْفُ، لِأنَّ تَشْوِيشَ الدِّينِ مِنهُ - نَبَّهَ عَلَيْهِ الرّازِيُّ
ولَمّا كانَ طَلَبُ النُّصْرَةِ مَظِنَّةً لِتَوَهُّمِ الضَّعْفِ، قالَ نافِيًا لِذَلِكَ مُؤَكِّدًا قَطْعًا لِتَعَنُّتِ المُتَعَنِّتِينَ مُظْهِرًا لِلِاسْمِ الأعْظَمِ إشارَةً إلى أنَّ مَن لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ لا يُمْكِنُ أنْ تَطْرُقَهُ حاجَةٌ: ﴿ ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها. ولَمّا لَمْ يَكُنْ هُنا داعٍ إلى أكْثَرَ مِن هَذا التَّأْكِيدِ: بِخِلافِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ المَذْكُورَةِ في الحَجِّ ونَحْوِهِ، قالَ مُعْلِمًا بِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مُعَرِّيًا الخَبَرَ مِنَ اللّامِ: ﴿﴾ أيْ فَهو قادِرٌ عَلى (p-٣٠٣)إهْلاكِ جَمِيعِ أعْدائِهِ وتَأْيِيدِ مَن يَنْصُرُهُ مِن أوْلِيائِهِ ﴿﴾ فَهو غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلى نَصْرِ أحَدٍ، وإنَّما دَعا عِبادَهُ إلى نَصْرِ دِينِهِ لِيُقِيمَ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ فَيَرْحَمَ مَن أرادَ بِامْتِثالِ المَأْمُورِ، ويُعَذِّبَ مَن يَشاءُ بِارْتِكابِ المَنهِيِّ، بِبِنائِهِ هَذِهِ الدّارَ عَلى حِكْمَةِ رَبْطِ المُسَبِّباتِ بِالأسْبابِ.