All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur’an as one whole — why this verse follows that.

Ad-Dukhān 44:3 Juzʾ 25 Page 496

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
نظم الدرر Al-Biqāʿī

‏‏‏ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ‏‏‏‏‏‏ أيِ الكِتابَ إمّا جَمِيعًا إلى بَيْتِ العِزَّةِ في سَماءِ الدُّنْيا أوِ ابْتَدَأْنا إنْزالَهُ إلى الأرْضِ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: لَيْلَةِ القَدْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. أوِ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، فَلِذَلِكَ يَتَأثَّرُ عَنْهُ مِنَ التَّأْثِيراتِ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ الأفْهامُ في الدِّينِ والدُّنْيا، قالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: يَنْزِلُ إلى سَماءِ الدُّنْيا كُلَّ سَنَةٍ بِمِقْدارِ ما كانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُنْزِلُهُ عَلى الرَّسُولِ ﷺ في تِلْكَ السَّنَةِ وسَمّاها ‏‏‏‏‏‏ لِأنَّها لَيْلَةُ افْتِتاحِ الوَصْلَةِ وأشَدُّ اللَّيالِي بَرَكَةً يَكُونُ العَبْدُ فِيها حاضِرًا بِقَلْبِهِ مُشاهِدًا لِرَبِّهِ، يَتَنَعَّمُ فِيها بِأنْوارِ الوَصْلَةِ ويَجِدُ فِيها نَسِيمَ القُرْبَةِ، وقالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: وأعْظَمُ اللَّيالِي بَرَكَةً ما كُوشِفَ فِيها بِحَقائِقِ الأشْياءِ.

ولَمّا كانَ هَذا مُوَضِّحًا لِما لَوَّحَ بِهِ آخِرُ تِلْكَ مِنَ البِشارَةِ في ظاهِرِ النِّذارَةِ، عَلَّلَ الإنْزالَ أوِ اسْتَأْنَفَ ما فِيهِ مِن واضِحِ النِّذارَةِ المُوصِلِ إلى المَعانِي المُقْتَضِيَةِ لِلْبِشارَةِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ: ‏‏‏ أيْ: عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الجَلالِ ‏‏‏ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ دائِمًا لِعِبادِنا ‏‏‏‏‏‏ لا نُؤاخِذُهم مِن غَيْرِ إنْذارٍ، فَلِأجْلِ رَحْمَتِنا لِهَؤُلاءِ القَوْمِ وهم أرَقُّ النّاسِ طَبْعًا وأصْفاهم قُلُوبًا وأوْعاهم [سَمْعًا] نُوصِلُهم بِما هَيَّأْناهم بِهِ مِن ذَلِكَ إلى ما لَمْ يَصِلْ غَيْرُهم إلَيْهِ ولَمْ يُقارِبْهُ مِنَ المَعالِي في الأخْلاقِ والشَّمائِلِ والِاكْتِسابِ لِجَمِيعِ الفَضائِلِ.

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا تَضَمَّنَتْ [سُورَةُ] حم السَّجْدَةِ وسُورَةُ الشُّورى مِن ذِكْرِ الكِتابِ العَزِيزِ ما قَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ مِمّا لَمْ تَنْطَوِ سُورَةُ غافِرٍ عَلى شَيْءٍ مِنهُ، وحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ الإعْلامُ بِتَنْزِيلِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وتَفْصِيلِهِ وكَوْنِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا إلى ما ذَكَرَ تَعالى مِن خَصائِصِهِ إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الزخرف: ٤٤] وتَعَلَّقَ الكَلامُ بَعْدَ هَذا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلى آخِرِ السُّورَةِ، افْتَتَحَ تَعالى سُورَةَ الدُّخانِ بِما يُكْمِلُ ذَلِكَ الغَرَضَ، وهو التَّعْرِيفُ بِوَقْتِ إنْزالِهِ إلى سَماءِ الدُّنْيا فَقالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ثُمَّ ذَكَرَ فَضْلَها فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الدخان: ٤] فَحَصَلَ وصْفُ الكِتابِ بِخَصائِصِهِ والتَّعْرِيفُ بِوَقْتِ إنْزالِهِ إلى سَماءِ [الدُّنْيا] وتَقَدَّمَ الأهَمُّ مِن ذَلِكَ في السُّورَتَيْنِ قَبْلُ، وتَأخَّرَ التَّعْرِيفُ بِوَقْتِ إنْزالِهِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا؛ إذْ لَيْسَ في التَّأْكِيدِ كالمُتَقَدِّمِ، ثُمَّ وقَعَ إثْرَ هَذا تَفْصِيلُ وعِيدٍ قَدْ أُجْمِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الزخرف: ٨٩] وما تَقَدَّمَهُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الزخرف: ٧٩] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الزخرف: ٨٠] وتَنْزِيهِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى نَفْسَهُ عَنْ عَظِيمِ افْتِرائِهِمْ في جَعْلِهِمُ الشَّرِيكَ والوَلَدَ، إلى آخِرِ السُّورَةِ، فَفَصَلَ بَعْضَ ما أجْمَلَتْهُ هَذِهِ الآيُ في قَوْلِهِ تَعالى في صَدْرِ سُورَةِ الدُّخانِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [الدخان: ١٠] وقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الدخان: ١٦] والإشارَةُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، ثُمَّ ذَكَرَ شَأْنَ غَيْرِهِمْ في هَذا وهَلاكَهم بِسُوءِ ما ارْتَكَبُوا لِيَشْعُرُوا أنْ لا فارِقَ إنْ هم عَقَلُوا واعْتَبَرُوا، ثُمَّ عَرَّضَ بِقَرْنِهِمْ في مَقالَتِهِ ما بَيْنَ لابَتَيْها أعَزُّ مِنِّي ولا أكْرَمُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الصافات: ٦٢] إلى قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الدخان: ٤٩] والتَحَمَ هَذا كُلُّهُ التِحامًا يُبْهِرُ العُقُولَ، ثُمَّ أُتْبِعَ بِذِكْرِ حالِ المُتَّقِينَ جَرْيًا عَلى المُطَّرِدِ مِن شَفْعِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ لِيُبَيِّنَ حالَ الفَرِيقَيْنِ ويَنْتِجَ عِلْمُ الواضِحِ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ، ثُمَّ قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [الدخان: ٥٨] وقَدْ أخْبَرَهُ مَعَ بَيانِ الأمْرِ ووُضُوحِهِ أنَّهُ: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ثُمَّ قالَ: ﴿فارْتَقِبْ﴾ [الدخان: ١٠] وعْدَكَ ووَعِيدَهم ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الدخان: ٥٩]